لا يستطيع أي نظام أسلحة أو نظام عسكري واحد أن يحدد كيف تمارس الحرب وتواصل؛ وذلك لأن الصراع متعدد الأبعاد ومختلف الساحات.
وبغض النظر عن المنتصر عسكرياً، فقد أظهرت الحرب في أوكرانيا أمام العالم أجمع أن الطائرات المسيّرة الرخيصة قادرة على استنزاف قوة عظمى وإحداث خسائر فادحة في صفوفها؛ فيما أكدت الحرب مع إيران أن أحداً لم يُعر هذا الأمر اهتماماً كافياً.
تفصل ثلاث سنوات بين التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا في فبراير 2022 وعملية «الغضب الملحمي» وهي الحملة العسكرية التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. وبالرغم من ذلك؛ تبدو الأسلحة والأوضاع الاقتصادية والمعضلات الاستراتيجية متشابهة بشكل لافت للنظر في كلتا الحربين. وبالنظر لكلا الصراعين معاً، نجدهما يُشيران إلى بداية حقبة جديدة من الحروب كان المجتمع الدولي بطيئاً في الاعتراف بها، وأكثر بطأً في التكيف معها.
مسيّرة «شاهد» كرابط صراعي: إن الرابط الأبرز بين الحربين هو مسيّرة «شاهد-136»، وهي طائرة هجومية أحادية الاتجاه من تصميم إيران، قامت روسيا باستخدامها تحت اسم «جيران-2» – بموجب ترخيص من إيران – فأطلقت عشرات الآلاف منها على المدن الأوكرانية منذ بداية الحرب عام 2022 وحتى الآن. وبحسب مصادر عامة، فإن تكلفة الطائرة الواحدة من هذه الطائرات تتراوح بين 20 و50 ألف دولار أمريكي، ويبلغ مداها ألفي كيلومتر، وتتميز بدقة توجيه كافية لإصابة أهدافها ما لم يتم إسقاطها. واستخدمت إيران السلاح نفسه ضد إسرائيل والمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.
إن ما أثبتته أوكرانيا على نطاق واسع منذ عام 2022 هو أن الدولة ذات الموارد المتواضعة ربما تكون أحياناً قادرة على فرض تكاليف استراتيجية على خصوم أكثر تقدماً بكثير؛ وذلك من خلال إغراق الأجواء بذخائر موجهة رخيصة الثمن.
إن التفاوت الاقتصادي في كلتا الحربين -الأوكرانية والإيرانية- فادح؛ إذ تبلغ تكلفة إطلاق صواريخ باتريوت الاعتراضية نحو 4 ملايين دولار لكل صاروخ؛ وذلك لإسقاط طائرة مسيّرة واحدة لا تتجاوز قيمتها 35 ألف دولار، بل حتى صاروخ كويوت الاعتراضي الأرخص ثمناً يكلف 125 ألف دولار لكل طلقة.
هذه الأرقام ربما كانت ستبدو مقبولة لو كانت ستدوم الحرب يوما أو يومين، أما في حال استمرت عدة أشهر فإن هذه الحسابات ستنهار بشكل كلي. فبحسب مصادر عامة، أنتجت شركة لوكهيد نحو 600 صاروخ اعتراضي من طراز باتريوت فقط في عام 2025، وتأمل الشركة في رفع إنتاجها إلى ألفي صاروخ بحلول عام 2027. وفي المقابل، صرّحت روسيا أنها تهدف إلى إنتاج ما يصل إلى ألف طائرة مسيّرة من طراز «جيران-2» يومياً في عام 2026. وهكذا فإن فجوة الإنتاج هذه ليست مجرد خطأ تقريبي، بل هي جوهر المشكلة الاستراتيجية برمتها.
ولذلك وبسبب هذه الفجوة في الإنتاج، فبعد أقل من يومين على اندلاع الحرب مع إيران، بدأت وسائل الإعلام الأمريكية في الإبلاغ عن احتمال حدوث نقص في صواريخ الدفاع الجوي الاعتراضية. وحينها لجأت واشنطن لأوكرانيا طلباً للمساعدة..
هذا هو الدرس الأول الذي كان ينبغي للمجتمع الدولي أن يتعلمه من أوكرانيا، ولكنه اضطر إلى تعلمه واستيعابه من حرب إيران ألا وهو: إن سعة مخازن الذخيرة أهم من تطور الصواريخ المستخدمة في الحرب.
الكتلة الحرجة وتغير القوة: يقوم المحللون اليوم بتأطير الحربين الأوكرانية والإيرانية من خلال مفهوم «الكتلة الحرجة»؛ أي قدرة الدول والجهات الفاعلة غير الحكومية على نشر أسلحة دقيقة منخفضة التكلفة على نطاق واسع؛ لأن هذا التحول التكنولوجي بات محورياً؛ لأنه يُغير المفاهيم والافتراضات القديمة حول شكل القوة العسكرية.
فقد أظهرت أوكرانيا أن استخدام الطائرات من دون طيار يُمكن أن يحل محل المدفعية وصواريخ كروز والطوربيدات والقاذفات وطائرات الاستطلاع. وتُظهر إيران هي الأخرى أن المنطق نفسه ينطبق على قوة إقليمية تسعى لتوجيه ضربات عبر مسافة ألفي كيلومتر.
لقد قامت كل من روسيا وأوكرانيا وإيران منذ عام 2022 بإنتاج عشرات الآلاف من الطائرات المسيّرة يومياً ليصل إنتاجهم إلى ملايين الطائرات سنوياً. في حين أنه من الجدير بالذكر والمثير للقلق في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة تقوم بإنفاق أقل من 0.5% من ميزانيتها الدفاعية على نشر قدرات دفاعية دقيقة واسعة النطاق.
على مدى ثلاث سنوات، شاهدت المؤسسات الدفاعية الغربية أوكرانيا، وهي تستهلك الطائرات المسيّرة وقذائف المدفعية والصواريخ الاعتراضية بمعدلات كافية لتفريغ مخزونات حلف الناتو في غضون أسابيع. في حين كان الرد في معظمه خطابياً على الجانب الآخر، وكذلك ظلت جداول شرائهم للأسلحة مُقاسة بالسنوات. بالإضافة إلى أنه لم يتم توسيع خطوط إنتاجهم للذخائر الحيوية بشكل ملموس. والسبب وراء ذلك كان الاعتقاد السائد بأن أوكرانيا تُعد حالة غريبة ومختلفة تمثل حرباً برية ذات خصائص استثنائية لا يمكن تعميمها.
ولكن جاءت الحرب على إيران لتهدم هذا الاعتقاد برمته. فقد ظهرت الطائرات المسيّرة نفسها، ومشكلة التكلفة والعائد نفسها، ونقص الصواريخ الاعتراضية نفسه في مسرح عمليات مختلف تماماً ضد جهات دفاعية مختلفة أيضاً. وما بدا غريباً في السابق أصبح هو في الواقع خط الأساس والوضع الراهن الجديد.
لقد قامت روسيا بإعادة هيكلة قوتها وصناعتها الدفاعية بشكل جذري استناداً إلى الدروس المستفادة من حربها في أوكرانيا. والسؤال المطروح أمام حلف الناتو وبقية التحالفات اليوم هو: هل هم على استعداد لفعل الشيء نفسه مثل روسيا، أم أنهم سيستمرون في التعامل مع «الكتلة الحرجة» باعتبارها حالة شاذة بدلاً من كونها السمة المميزة للصراعات الحديثة؟
وفيما يتعلق بمسألة الطائرات المسيّرة، فالوضع أسوأ بلا شك. فقد ظلت أوكرانيا ترسل رسائل على مدى ثلاث سنوات حول اقتصاديات الطائرات الاعتراضية، والقدرة الإنتاجية، ومشكلة منحنى التكلفة. ثم أتى طلب واشنطن للمساعدة من أوكرانيا لصد الطائرات الإيرانية المسيرة كاعتراف ضمني بالتحدي الذي تمثله روسيا وإيران للدولة صاحبة أكبر ميزانية دفاعية في العالم في إنتاج وتطوير الأسلحة، ولا سيما في فئة الأسلحة الأكثر أهمية بالوقت الراهن.
المساءلة الغائبة: إن القدرة الصناعية الدفاعية باتت أكثر أهمية من التطور الصناعي الدفاعي. فطموح شركة لوكهيد للوصول إلى إنتاج ألفي صاروخ باتريوت اعتراضي بحلول عام 2027 يتضاءل أمام طموح روسيا في بناء ألف طائرة مسيّرة من طراز «جيران» يومياً.
إن الحرب في أوكرانيا وإيران ليستا حرباً واحدة. فالحرب في أوكرانيا تُعد تدخلاً عسكرياً من قبل دولة مجاورة تمتلك أسلحة نووية، بينما الحرب في إيران تُعد محاولة أمريكية وإسرائيلية لتدمير القدرات النووية والصاروخية لإيران. وهكذا تختلف الجهات الفاعلة، والمخاطر، والجغرافيا الاستراتيجية.
ومع ذلك، فإن البنية العملياتية متقاربة في كلا الحربين. ففي الحربين تُستخدم طائرات مسيّرة رخيصة بأعداد كبيرة وطائرات اعتراضية باهظة الثمن بأعداد قليلة، وهناك بنية تحتية نووية تُستخدم كهدف وأداة في آن واحد، وهناك أيضاً حرب معلوماتية تقوم على الخوف من كوارث قد تحدث أو لا تحدث؛ ولذا يمكن القول إن أي دولة تخطط للدخول في صراع كبير في العقد القادم -سواء في مضيق تايوان، أو شبه الجزيرة الكورية، أو دول البلطيق، أو الشرق الأوسط- فإنها بالتأكيد ستواجه شكلاً من أشكال الصراع الجاري سواء في أوكرانيا أو إيران.
ومن الواضح جداً أن «الكتلة الحرجة» ستصبح سمة منتظمة للحرب من الآن فصاعداً «تماماً مثل المدافع الرشاشة أو الدبابات في العصور السابقة»؛ لذا فعلى كل جيش أن يأخذ هذا الأمر على محمل الجد.
لقد كان الدرس المستفاد من الحرب في أوكرانيا متاحاً منذ عام 2022، أما الدرس المستفاد من الحرب في إيران فيُكتب الآن. فالدول التي ستتعلم وتستفيد من كلا الدرسين هي التي ستحدد ملامح العقد القادم، أما تلك التي لن تتعلم من أي منهما فستقضي وقتها في تبرير أسباب خسارتها ونفاد أسلحتها.
{ الأمين العام الجديد
لجامعة الدول العربية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك