العدد : ١٧٦٢٦ - الجمعة ٢٦ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢٦ - الجمعة ٢٦ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

دروس استراتيجية في ضوء خبرات الصراع في أوكرانيا وإيران

بقلم: د. نبيل فهمي

الخميس ٢٥ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أي‭ ‬نظام‭ ‬أسلحة‭ ‬أو‭ ‬نظام‭ ‬عسكري‭ ‬واحد‭ ‬أن‭ ‬يحدد‭ ‬كيف‭ ‬تمارس‭ ‬الحرب‭ ‬وتواصل؛‭ ‬وذلك‭ ‬لأن‭ ‬الصراع‭ ‬متعدد‭ ‬الأبعاد‭ ‬ومختلف‭ ‬الساحات‭. ‬

وبغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬المنتصر‭ ‬عسكرياً،‭ ‬فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬أمام‭ ‬العالم‭ ‬أجمع‭ ‬أن‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬الرخيصة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استنزاف‭ ‬قوة‭ ‬عظمى‭ ‬وإحداث‭ ‬خسائر‭ ‬فادحة‭ ‬في‭ ‬صفوفها؛‭ ‬فيما‭ ‬أكدت‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬أن‭ ‬أحداً‭ ‬لم‭ ‬يُعر‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬اهتماماً‭ ‬كافياً‭.‬

تفصل‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬بين‭ ‬التدخل‭ ‬العسكري‭ ‬الروسي‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬2022‭ ‬وعملية‭ ‬‮«‬الغضب‭ ‬الملحمي‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬الحملة‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬شنّتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭. ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك؛‭ ‬تبدو‭ ‬الأسلحة‭ ‬والأوضاع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمعضلات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬متشابهة‭ ‬بشكل‭ ‬لافت‭ ‬للنظر‭ ‬في‭ ‬كلتا‭ ‬الحربين‭. ‬وبالنظر‭ ‬لكلا‭ ‬الصراعين‭ ‬معاً،‭ ‬نجدهما‭ ‬يُشيران‭ ‬إلى‭ ‬بداية‭ ‬حقبة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬كان‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬بطيئاً‭ ‬في‭ ‬الاعتراف‭ ‬بها،‭ ‬وأكثر‭ ‬بطأً‭ ‬في‭ ‬التكيف‭ ‬معها‭.‬

مسيّرة‭ ‬‮«‬شاهد‮»‬‭ ‬كرابط‭ ‬صراعي‭: ‬إن‭ ‬الرابط‭ ‬الأبرز‭ ‬بين‭ ‬الحربين‭ ‬هو‭ ‬مسيّرة‭ ‬‮«‬شاهد‭-‬136‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬طائرة‭ ‬هجومية‭ ‬أحادية‭ ‬الاتجاه‭ ‬من‭ ‬تصميم‭ ‬إيران،‭ ‬قامت‭ ‬روسيا‭ ‬باستخدامها‭ ‬تحت‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬جيران‭-‬2‮»‬‭ ‬–‭ ‬بموجب‭ ‬ترخيص‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬–‭ ‬فأطلقت‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬المدن‭ ‬الأوكرانية‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬الحرب‭ ‬عام‭ ‬2022‭ ‬وحتى‭ ‬الآن‭. ‬وبحسب‭ ‬مصادر‭ ‬عامة،‭ ‬فإن‭ ‬تكلفة‭ ‬الطائرة‭ ‬الواحدة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الطائرات‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬20‭ ‬و50‭ ‬ألف‭ ‬دولار‭ ‬أمريكي،‭ ‬ويبلغ‭ ‬مداها‭ ‬ألفي‭ ‬كيلومتر،‭ ‬وتتميز‭ ‬بدقة‭ ‬توجيه‭ ‬كافية‭ ‬لإصابة‭ ‬أهدافها‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬إسقاطها‭. ‬واستخدمت‭ ‬إيران‭ ‬السلاح‭ ‬نفسه‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل‭ ‬والمصالح‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬أثبتته‭ ‬أوكرانيا‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2022‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬ذات‭ ‬الموارد‭ ‬المتواضعة‭ ‬ربما‭ ‬تكون‭ ‬أحياناً‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬تكاليف‭ ‬استراتيجية‭ ‬على‭ ‬خصوم‭ ‬أكثر‭ ‬تقدماً‭ ‬بكثير؛‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إغراق‭ ‬الأجواء‭ ‬بذخائر‭ ‬موجهة‭ ‬رخيصة‭ ‬الثمن‭.‬

إن‭ ‬التفاوت‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬كلتا‭ ‬الحربين‭ -‬الأوكرانية‭ ‬والإيرانية‭- ‬فادح؛‭ ‬إذ‭ ‬تبلغ‭ ‬تكلفة‭ ‬إطلاق‭ ‬صواريخ‭ ‬باتريوت‭ ‬الاعتراضية‭ ‬نحو‭ ‬4‭ ‬ملايين‭ ‬دولار‭ ‬لكل‭ ‬صاروخ؛‭ ‬وذلك‭ ‬لإسقاط‭ ‬طائرة‭ ‬مسيّرة‭ ‬واحدة‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬قيمتها‭ ‬35‭ ‬ألف‭ ‬دولار،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬صاروخ‭ ‬كويوت‭ ‬الاعتراضي‭ ‬الأرخص‭ ‬ثمناً‭ ‬يكلف‭ ‬125‭ ‬ألف‭ ‬دولار‭ ‬لكل‭ ‬طلقة‭.‬

هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬ربما‭ ‬كانت‭ ‬ستبدو‭ ‬مقبولة‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬ستدوم‭ ‬الحرب‭ ‬يوما‭ ‬أو‭ ‬يومين،‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬استمرت‭ ‬عدة‭ ‬أشهر‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الحسابات‭ ‬ستنهار‭ ‬بشكل‭ ‬كلي‭. ‬فبحسب‭ ‬مصادر‭ ‬عامة،‭ ‬أنتجت‭ ‬شركة‭ ‬لوكهيد‭ ‬نحو‭ ‬600‭ ‬صاروخ‭ ‬اعتراضي‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬باتريوت‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬وتأمل‭ ‬الشركة‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬إنتاجها‭ ‬إلى‭ ‬ألفي‭ ‬صاروخ‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2027‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬صرّحت‭ ‬روسيا‭ ‬أنها‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬إنتاج‭ ‬ما‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬ألف‭ ‬طائرة‭ ‬مسيّرة‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬‮«‬جيران‭-‬2‮»‬‭ ‬يومياً‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2026‭. ‬وهكذا‭ ‬فإن‭ ‬فجوة‭ ‬الإنتاج‭ ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬خطأ‭ ‬تقريبي،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬جوهر‭ ‬المشكلة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬برمتها‭.‬

ولذلك‭ ‬وبسبب‭ ‬هذه‭ ‬الفجوة‭ ‬في‭ ‬الإنتاج،‭ ‬فبعد‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬يومين‭ ‬على‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬بدأت‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬الإبلاغ‭ ‬عن‭ ‬احتمال‭ ‬حدوث‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬صواريخ‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬الاعتراضية‭. ‬وحينها‭ ‬لجأت‭ ‬واشنطن‭ ‬لأوكرانيا‭ ‬طلباً‭ ‬للمساعدة‭.. ‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬الدرس‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬ينبغي‭ ‬للمجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬أن‭ ‬يتعلمه‭ ‬من‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬ولكنه‭ ‬اضطر‭ ‬إلى‭ ‬تعلمه‭ ‬واستيعابه‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬إيران‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭: ‬إن‭ ‬سعة‭ ‬مخازن‭ ‬الذخيرة‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬تطور‭ ‬الصواريخ‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭.‬

الكتلة‭ ‬الحرجة‭ ‬وتغير‭ ‬القوة‭: ‬يقوم‭ ‬المحللون‭ ‬اليوم‭ ‬بتأطير‭ ‬الحربين‭ ‬الأوكرانية‭ ‬والإيرانية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الكتلة‭ ‬الحرجة»؛‭ ‬أي‭ ‬قدرة‭ ‬الدول‭ ‬والجهات‭ ‬الفاعلة‭ ‬غير‭ ‬الحكومية‭ ‬على‭ ‬نشر‭ ‬أسلحة‭ ‬دقيقة‭ ‬منخفضة‭ ‬التكلفة‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع؛‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬التكنولوجي‭ ‬بات‭ ‬محورياً؛‭ ‬لأنه‭ ‬يُغير‭ ‬المفاهيم‭ ‬والافتراضات‭ ‬القديمة‭ ‬حول‭ ‬شكل‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭.‬

فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬أوكرانيا‭ ‬أن‭ ‬استخدام‭ ‬الطائرات‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬طيار‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬يحل‭ ‬محل‭ ‬المدفعية‭ ‬وصواريخ‭ ‬كروز‭ ‬والطوربيدات‭ ‬والقاذفات‭ ‬وطائرات‭ ‬الاستطلاع‭. ‬وتُظهر‭ ‬إيران‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬أن‭ ‬المنطق‭ ‬نفسه‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬إقليمية‭ ‬تسعى‭ ‬لتوجيه‭ ‬ضربات‭ ‬عبر‭ ‬مسافة‭ ‬ألفي‭ ‬كيلومتر‭.‬

لقد‭ ‬قامت‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬روسيا‭ ‬وأوكرانيا‭ ‬وإيران‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2022‭ ‬بإنتاج‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬يومياً‭ ‬ليصل‭ ‬إنتاجهم‭ ‬إلى‭ ‬ملايين‭ ‬الطائرات‭ ‬سنوياً‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الجدير‭ ‬بالذكر‭ ‬والمثير‭ ‬للقلق‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تقوم‭ ‬بإنفاق‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬0‭.‬5‭%‬‭ ‬من‭ ‬ميزانيتها‭ ‬الدفاعية‭ ‬على‭ ‬نشر‭ ‬قدرات‭ ‬دفاعية‭ ‬دقيقة‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭.‬

على‭ ‬مدى‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات،‭ ‬شاهدت‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدفاعية‭ ‬الغربية‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬وهي‭ ‬تستهلك‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬وقذائف‭ ‬المدفعية‭ ‬والصواريخ‭ ‬الاعتراضية‭ ‬بمعدلات‭ ‬كافية‭ ‬لتفريغ‭ ‬مخزونات‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬أسابيع‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬الرد‭ ‬في‭ ‬معظمه‭ ‬خطابياً‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر،‭ ‬وكذلك‭ ‬ظلت‭ ‬جداول‭ ‬شرائهم‭ ‬للأسلحة‭ ‬مُقاسة‭ ‬بالسنوات‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬توسيع‭ ‬خطوط‭ ‬إنتاجهم‭ ‬للذخائر‭ ‬الحيوية‭ ‬بشكل‭ ‬ملموس‭. ‬والسبب‭ ‬وراء‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬الاعتقاد‭ ‬السائد‭ ‬بأن‭ ‬أوكرانيا‭ ‬تُعد‭ ‬حالة‭ ‬غريبة‭ ‬ومختلفة‭ ‬تمثل‭ ‬حرباً‭ ‬برية‭ ‬ذات‭ ‬خصائص‭ ‬استثنائية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تعميمها‭.‬

ولكن‭ ‬جاءت‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬لتهدم‭ ‬هذا‭ ‬الاعتقاد‭ ‬برمته‭. ‬فقد‭ ‬ظهرت‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬نفسها،‭ ‬ومشكلة‭ ‬التكلفة‭ ‬والعائد‭ ‬نفسها،‭ ‬ونقص‭ ‬الصواريخ‭ ‬الاعتراضية‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬مسرح‭ ‬عمليات‭ ‬مختلف‭ ‬تماماً‭ ‬ضد‭ ‬جهات‭ ‬دفاعية‭ ‬مختلفة‭ ‬أيضاً‭. ‬وما‭ ‬بدا‭ ‬غريباً‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬أصبح‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬خط‭ ‬الأساس‭ ‬والوضع‭ ‬الراهن‭ ‬الجديد‭.‬

لقد‭ ‬قامت‭ ‬روسيا‭ ‬بإعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬قوتها‭ ‬وصناعتها‭ ‬الدفاعية‭ ‬بشكل‭ ‬جذري‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬الدروس‭ ‬المستفادة‭ ‬من‭ ‬حربها‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭. ‬والسؤال‭ ‬المطروح‭ ‬أمام‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬وبقية‭ ‬التحالفات‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬هم‭ ‬على‭ ‬استعداد‭ ‬لفعل‭ ‬الشيء‭ ‬نفسه‭ ‬مثل‭ ‬روسيا،‭ ‬أم‭ ‬أنهم‭ ‬سيستمرون‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬‮«‬الكتلة‭ ‬الحرجة‮»‬‭ ‬باعتبارها‭ ‬حالة‭ ‬شاذة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬السمة‭ ‬المميزة‭ ‬للصراعات‭ ‬الحديثة؟

وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمسألة‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة،‭ ‬فالوضع‭ ‬أسوأ‭ ‬بلا‭ ‬شك‭. ‬فقد‭ ‬ظلت‭ ‬أوكرانيا‭ ‬ترسل‭ ‬رسائل‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬حول‭ ‬اقتصاديات‭ ‬الطائرات‭ ‬الاعتراضية،‭ ‬والقدرة‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬ومشكلة‭ ‬منحنى‭ ‬التكلفة‭. ‬ثم‭ ‬أتى‭ ‬طلب‭ ‬واشنطن‭ ‬للمساعدة‭ ‬من‭ ‬أوكرانيا‭ ‬لصد‭ ‬الطائرات‭ ‬الإيرانية‭ ‬المسيرة‭ ‬كاعتراف‭ ‬ضمني‭ ‬بالتحدي‭ ‬الذي‭ ‬تمثله‭ ‬روسيا‭ ‬وإيران‭ ‬للدولة‭ ‬صاحبة‭ ‬أكبر‭ ‬ميزانية‭ ‬دفاعية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬وتطوير‭ ‬الأسلحة،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬فئة‭ ‬الأسلحة‭ ‬الأكثر‭ ‬أهمية‭ ‬بالوقت‭ ‬الراهن‭.‬

المساءلة‭ ‬الغائبة‭: ‬إن‭ ‬القدرة‭ ‬الصناعية‭ ‬الدفاعية‭ ‬باتت‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬من‭ ‬التطور‭ ‬الصناعي‭ ‬الدفاعي‭. ‬فطموح‭ ‬شركة‭ ‬لوكهيد‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬إنتاج‭ ‬ألفي‭ ‬صاروخ‭ ‬باتريوت‭ ‬اعتراضي‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2027‭ ‬يتضاءل‭ ‬أمام‭ ‬طموح‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬ألف‭ ‬طائرة‭ ‬مسيّرة‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬‮«‬جيران‮»‬‭ ‬يومياً‭.‬

إن‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬وإيران‭ ‬ليستا‭ ‬حرباً‭ ‬واحدة‭. ‬فالحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬تُعد‭ ‬تدخلاً‭ ‬عسكرياً‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬دولة‭ ‬مجاورة‭ ‬تمتلك‭ ‬أسلحة‭ ‬نووية،‭ ‬بينما‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬تُعد‭ ‬محاولة‭ ‬أمريكية‭ ‬وإسرائيلية‭ ‬لتدمير‭ ‬القدرات‭ ‬النووية‭ ‬والصاروخية‭ ‬لإيران‭. ‬وهكذا‭ ‬تختلف‭ ‬الجهات‭ ‬الفاعلة،‭ ‬والمخاطر،‭ ‬والجغرافيا‭ ‬الاستراتيجية‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬البنية‭ ‬العملياتية‭ ‬متقاربة‭ ‬في‭ ‬كلا‭ ‬الحربين‭. ‬ففي‭ ‬الحربين‭ ‬تُستخدم‭ ‬طائرات‭ ‬مسيّرة‭ ‬رخيصة‭ ‬بأعداد‭ ‬كبيرة‭ ‬وطائرات‭ ‬اعتراضية‭ ‬باهظة‭ ‬الثمن‭ ‬بأعداد‭ ‬قليلة،‭ ‬وهناك‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬نووية‭ ‬تُستخدم‭ ‬كهدف‭ ‬وأداة‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬وهناك‭ ‬أيضاً‭ ‬حرب‭ ‬معلوماتية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬كوارث‭ ‬قد‭ ‬تحدث‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬تحدث؛‭ ‬ولذا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬تخطط‭ ‬للدخول‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬القادم‭ -‬سواء‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬تايوان،‭ ‬أو‭ ‬شبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬الكورية،‭ ‬أو‭ ‬دول‭ ‬البلطيق،‭ ‬أو‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭- ‬فإنها‭ ‬بالتأكيد‭ ‬ستواجه‭ ‬شكلاً‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الصراع‭ ‬الجاري‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬أو‭ ‬إيران‭.‬

ومن‭ ‬الواضح‭ ‬جداً‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الكتلة‭ ‬الحرجة‮»‬‭ ‬ستصبح‭ ‬سمة‭ ‬منتظمة‭ ‬للحرب‭ ‬من‭ ‬الآن‭ ‬فصاعداً‭ ‬‮«‬تماماً‭ ‬مثل‭ ‬المدافع‭ ‬الرشاشة‭ ‬أو‭ ‬الدبابات‭ ‬في‭ ‬العصور‭ ‬السابقة»؛‭ ‬لذا‭ ‬فعلى‭ ‬كل‭ ‬جيش‭ ‬أن‭ ‬يأخذ‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬محمل‭ ‬الجد‭. ‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬الدرس‭ ‬المستفاد‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬متاحاً‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬أما‭ ‬الدرس‭ ‬المستفاد‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬فيُكتب‭ ‬الآن‭. ‬فالدول‭ ‬التي‭ ‬ستتعلم‭ ‬وتستفيد‭ ‬من‭ ‬كلا‭ ‬الدرسين‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬ستحدد‭ ‬ملامح‭ ‬العقد‭ ‬القادم،‭ ‬أما‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬لن‭ ‬تتعلم‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬منهما‭ ‬فستقضي‭ ‬وقتها‭ ‬في‭ ‬تبرير‭ ‬أسباب‭ ‬خسارتها‭ ‬ونفاد‭ ‬أسلحتها‭.‬

 

{‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬الجديد‭ ‬

لجامعة‭ ‬الدول‭ ‬العربية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا