تشير غالبية التقديرات الصادرة عن المحللين والمراقبين المتابعين عن قرب إلى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي انطلقت في 28 فبراير 2026، تتجه نحو وضع النهاية، سواء عبر وقف ممتد نسبيًا زمنيًا لإطلاق النار يتزامن مع بدء المفاوضات حول المسائل المتنازع عليها، أو عبر تسويات، مؤقتة أو نهائية، للمسائل العالقة أو بعضها، أو عبر هدنة، قد تطول مدتها أو تقصر، ولكن ربما تستأنف آلة الحرب نشاطها من جديد، أسوة بما حدث في الفترة ما بين حرب يونيو 2025 على إيران واندلاع حرب فبراير 2026 عليها أيضًا، ويتم إعلان هذه التقديرات على الرغم من توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية عمليا.
ودفع ذلك بالعديد من مراكز الفكر والأبحاث العامة والخاصة، سواء داخل منطقة الشرق الأوسط والخليج أو على الصعيد العالمي بما في ذلك في عواصم القوى الدولية الكبرى ذات التأثير والثقل والدور في الشرق الأوسط والخليج، إلى بدء التناول بالتحليل والتقدير والتقييم لنتائج هذه الحرب، ليس فقط على أطرافها المباشرة الثلاثة: الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران، بل على بقية الأطراف الإقليمية الأخرى مثل الدول العربية في منطقة الخليج والأردن والعراق واليمن ولبنان، وأيضًا على بقية الأطراف الدولية المهمة فى مقدمتها روسيا والصين والهند وباكستان والاتحاد الأوروبي وبقية الدول الأوروبية وكذلك اليابان والكوريتين وبلدان آسيا، وذلك في ضوء واقع وحقيقة ما رأيناه جميعًا من تأثيرات الحرب وتداعياتها وانعكاساتها المباشرة وغير المباشرة التي مست مصالح كل بلدان العالم تقريبًا.
وقد يرى البعض أن الوقت مبكر للغاية للحديث عن القيام بعملية تحليل شاملة وجادة وعميقة وموضوعية لنتائج الحرب وتقييم تأثيراتها الإقليمية والعالمية، باعتبار أن معالم تفاهمات كتابة فصل النهاية للحرب وكذلك ترتيبات ما بعد الحرب، أو حتى إطارها العام، لم تتضح أو تتبلور في صيغها النهائية والكاملة بعد، إلا أن عدم بدء القيام بمهمة التحليل والتقييم تلك كان سوف يعني ويفسر على أنه تقصير من مراكز الفكر والأبحاث تلك وربما أيضًا تقاعسًا عن أداء مهامها الأساسية والبديهية إزاء أزمة عصفت بالعالم بأسره وهددت ليس فقط أمنه وسلامه واستقراره، بل مقدراته الاقتصادية وشرايين حياته من خلال المساس بسلاسل إمدادات الطاقة والأسمدة والغذاء وغيرها.
والواقع أن القيام بتحليل النتائج والآثار لهذه الحرب بدأ مبكرًا جدًا، وربما مباشرة في بعض الحالات عقب إعلان الولايات المتحدة الأمريكية، من جانب واحد، وقف لإطلاق النار في 8 أبريل 2026، حيث إنه في ذلك الوقت بدأت تتردد على مسامعنا العديد من التقديرات، ربما كان من أهمها آنذاك تقديرات عن أن إغلاق مضيق هرمز سيزداد شعور العالم بآثاره الكارثية على سلاسل إمدادات الطاقة والغذاء والأسمدة وغيرها بعد فترة زمنية ممتدة، وذلك في نفس التوقيت تقريبًا الذى بدأت فيه تقديرات أخرى تشير إلى توقعات المدد الزمنية التي قد تحتاج إليها إيران أو الدول العربية في الخليج أو إسرائيل لإصلاح وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، بالإضافة إلى تقديرات أخرى بشأن الفترة التي تحتاج إليها الصناعات العسكرية الأمريكية أو الإسرائيلية لتعويض ما تم استخدامه من جانب الدولتين من أسلحة وذخائر خلال الحرب، فضلًا عن إرهاصات لإطلاق دراسات وأبحاث ذات طابع ورؤية مستقبلية بشأن الدور المتصاعد لمنتجات التكنولوجيا المتقدمة، خاصة معطيات الذكاء الاصطناعي، في المجالات العسكرية والاستخبارية والأمنية في المستقبل القريب في حالة نشوب أي حرب جديدة، سواء كانت محدودة أو شاملة، وأيًّا كان موقعها على خارطة العالم، وأيًّا كان أطرافها.
ولكن ما بدأ يحدث في الآونة الأخيرة هو أن مراكز الفكر والأبحاث الموجودة في العديد من دول المنطقة والعالم، بما في ذلك بالطبع داخل الدول الثلاث الأطراف المباشرة في الحرب، عرجت على تحليل التأثيرات المحتملة المتوقعة التي قد تنجم عن نتائج الحرب وصيغ التسوية السلمية، سواء اتصفت بأنها مؤقتة أو دائمة، التي من المفترض أن تنهي حالة الحرب الراهنة، على الأوضاع الداخلية وعلى السياسات الخارجية، ليس فقط للولايات المتحدة الأمريكية وإيران وإسرائيل، ولكن على بقية دول الشرق الأوسط ومنطقة الخليج، وكذلك على القوى الدولية الفاعلة، سواء أخذت شكل بلدانًا منفردة أو تجمعات وتكتلات، ذات المصالح الحيوية في المنطقة وذات التأثير عليها والدور فيها أيضًا.
إلا أن المسائل والقضايا موضع اهتمام تلك المراكز لا تقف عند حدود الأوضاع الداخلية والسياسات الخارجية للدول أو التكتلات أو التجمعات ذات الصلة أو المصلحة أو التأثير، بل تمتد إلى معالجة موضوعات ذات طابع إقليمي أو دولي عام تشترك في الاهتمام بها دول عديدة، قد يزداد عددها أو يقل من حالة إلى أخرى.
ويدخل في إطار الموضوعات المذكورة في الفقرة السابقة طائفة كبيرة وواسعة ومتنوعة من الموضوعات المهمة الآن وفى المستقبل، مثل مستقبل الترتيبات الأمنية متعددة الأطراف، سواء في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، أو في منطقة الخليج فقط، أو فيما يتعلق بمضيق هرمز بشكل أكثر تحديدًا، وكذلك مستقبل أوضاع قضايا التسليح وعدم الانتشار، سواء للأسلحة النووية أو لمجمل أسلحة الدمار الشامل، وسواء على الصعيد العالمي بأسره أو فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط على سبيل التحديد، وما يرتبط بها من مطالب تفعيل وتنشيط جهود نزع السلاح لمثل هذه النوعيات من الأسلحة الفتاكة، وكذلك إحياء جهود إقامة منطقة خالية من السلاح النووي ومن أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، وهو من الموضوعات التي كان لكل من مصر الريادة والسبق في الدعوة إليها والعمل من أجلها، ومنذ عقد السبعينيات من القرن العشرين. ويتصل بذلك أيضًا كيفية التعامل مع التنظيمات والجماعات السياسية المسلحة التي تعاظم دورها، وكذلك مع غيرها من الأطراف الفاعلة على المستويين الإقليمي والدولي من غير الدول والحكومات.
كذلك يندرج تحت نفس هذه النوعية من القضايا مسائل تأمين إمدادات الطاقة وتقديم ضمانات بشأن عدم المساس بها في المستقبل، وما يتصل بذلك أيضًا من اعتبارات تتطلب تحقيق الأمن المائي والأمن الغذائي في منطقة بها الكثير من البلدان التي لا توجد لديها ضمانات حاليًا بشأن استدامة ما يصل إليها من موارد مائية ومواد غذائية من خارج حدودها الوطنية، ويتصل بذلك ضرورة الاتفاق على ترتيبات وضمانات إقليمية ودولية لضمان أمن الملاحة البحرية وطرق المواصلات الحيوية في مناطق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والخليج، والتي تهم العالم بأسره وتؤثر على مصالحه الحيوية بشكل مباشر.
إلا أنه يتعين أن يكون في المقدمة من أولويات دول المنطقة والمجتمع الدولي في حقبة ما بعد انتهاء الحرب العمل الجاد لإيجاد تسوية عادلة ونهائية وشاملة للقضية الفلسطينية ولتحرير كل الأراضي العربية التي تحتلها إسرائيل على أسس الشرعية الدولية والقانون الدولي، وكذلك معالجة حالات بعض الدول الموجودة في المنطقة التي أدخلتها مرحلة الربيع العربي في بدايات العقد الثاني من الألفية الثالثة.
وهكذا يتسع المجال ويبقى الباب مفتوحًا على ميادين كثيرة يتعين الاهتمام بدراسة تأثيرات نتائج الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عليها، ليس فقط على المدى القصير، بل أيضًا على المدى المتوسط والمدى البعيد، وما ذكرناه فيما سبق هو مجرد موضوعات عرضنا لها على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر.
{ كاتب ودبلوماسي سابق.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك