العدد : ١٧٦٢٧ - السبت ٢٧ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢٧ - السبت ٢٧ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

إعادة صياغة النظام الإقليمي بعد اتفاق وقف الحرب

بقلم: د. إبراهيم فريحات

السبت ٢٧ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

قد‭ ‬تكون‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬أمام‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬اللحظات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭. ‬فبعيداً‭ ‬عن‭ ‬الضجيج‭ ‬اليومي‭ ‬للأحداث،‭ ‬تلوح‭ ‬في‭ ‬الأفق‭ ‬فرصة‭ ‬نادرة‭ ‬لإعادة‭ ‬موازنة‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬على‭ ‬أسسٍ‭ ‬جديدة،‭ ‬ليس‭ ‬عبر‭ ‬الهيمنة‭ ‬الخارجية‭ ‬أو‭ ‬مشاريع‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬المنطقة‭ ‬بالقوة،‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دور‭ ‬عربي‭ ‬وإقليمي‭ ‬أصيل‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬ملء‭ ‬فراغ‭ ‬أمني‭ ‬وسياسي‭ ‬يتسع‭ ‬يوماً‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭.‬

كيف‭ ‬نشأ‭ ‬الفراغ‭ ‬الأمني؟‭ ‬ينبع‭ ‬هذا‭ ‬الفراغ‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬تحوّلات‭ ‬متزامنة‭: ‬تراجع‭ ‬المشروع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬لإعادة‭ ‬هندسة‭ ‬المنطقة،‭ ‬وانكفاء‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬عن‭ ‬تحمّل‭ ‬أعباء‭ ‬الترتيبات‭ ‬الأمنية‭ ‬التقليدية،‭ ‬وانشغال‭ ‬إيران‭ ‬بتحدّيات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭.‬

تعثّر‭ ‬المشروع‭ ‬الإسرائيلي‭: ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات،‭ ‬قدّم‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬نفسه‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬سيعيد‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬فرضية‭ ‬أساسية،‭ ‬أن‭ ‬تغيير‭ ‬النظام‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬أو‭ ‬إضعافه‭ ‬بصورة‭ ‬حاسمة‭ ‬سيؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬محور‭ ‬المقاومة‭ ‬وإنهاء‭ ‬دوره‭ ‬الإقليمي‭. ‬وهذا‭ ‬سبب‭ ‬رئيس‭ ‬في‭ ‬رفض‭ ‬نتنياهو‭ ‬وقف‭ ‬الحرب‭ ‬بعد‭ ‬غزّة‭ ‬وانطلاقه‭ ‬باتجاه‭ ‬لبنان‭ ‬ثم‭ ‬إيران‭. ‬فلم‭ ‬يتوقف‭ ‬الخطاب‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬بل‭ ‬تجاوزت‭ ‬تصريحات‭ ‬نتنياهو‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬الماضي‭ (‬2026‭) ‬للحديث‭ ‬عن‭ ‬إنشاء‭ ‬تحالف‭ ‬إقليمي‭ ‬ودولي‭ ‬لمواجهة‭ ‬ما‭ ‬وصفه‭ ‬بـ«المحور‭ ‬الشيعي‭ ‬المتطرّف‮»‬‭ (‬محور‭ ‬المقاومة‭) ‬و«المحور‭ ‬السني‭ ‬المتطرّف‭ ‬الناشئ‮»‬،‭ ‬والذي‭ ‬تقوده‭ ‬قوى‭ ‬إقليمية،‭ ‬مثل‭ ‬السعودية‭ ‬وتركيا‭ ‬وباكستان‭ ‬حسب‭ ‬فهمه‭.‬

وفي‭ ‬جوهر‭ ‬هذا‭ ‬التصوّر‭ ‬كانت‭ ‬إسرائيل‭ ‬تتطلع‭ ‬إلى‭ ‬شرق‭ ‬أوسط‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬مراكز‭ ‬قوة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬موازنتها‭ ‬أو‭ ‬الحدّ‭ ‬من‭ ‬نفوذها‭. ‬لكن‭ ‬مسار‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬أظهر‭ ‬حدود‭ ‬هذا‭ ‬المشروع،‭ ‬فلم‭ ‬يتحقق‭ ‬هدف‭ ‬تغيير‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬متوقعاً‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدوائر‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬والأمريكية‭. ‬بل‭ ‬مثّل‭ ‬مجرد‭ ‬بقاء‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬ربط‭ ‬الساحة‭ ‬اللبنانية‭ ‬بالاتفاق‭ ‬الذي‭ ‬وقعه‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬نكسة‭ ‬استراتيجية‭ ‬للرؤية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬التي‭ ‬بُنيت‭ ‬عليها‭ ‬الحرب‭.‬

والأهم‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬أمام‭ ‬واقع‭ ‬مختلف‭ ‬تماماً‭ ‬عما‭ ‬كانت‭ ‬تطمح‭ ‬إليه،‭ ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬الانطلاق‭ ‬نحو‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬المنطقة،‭ ‬باتت‭ ‬تواجه‭ ‬ضغوطاً‭ ‬متزايدة‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬وخلافات‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬مع‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬تطالبها‭ ‬بالانسحاب‭ ‬من‭ ‬لبنان،‭ ‬وتساؤلات‭ ‬متنامية‭ ‬حول‭ ‬جدوى‭ ‬استراتيجيتها‭ ‬الإقليمية‭. ‬وهكذا‭ ‬انتقلت‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬الساعي‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬مكاسب‭ ‬محدودة‭ ‬والسعي‭ ‬للحفاظ‭ ‬عليها‭.‬

انكفاء‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭: ‬ينبع‭ ‬الفراغ‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬التغيرات‭ ‬في‭ ‬الدور‭ ‬الأمريكي‭ ‬نفسه،‭ ‬فالإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الحالية‭ ‬كانت‭ ‬تأمل‭ ‬أن‭ ‬تؤدّي‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬جذري‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬شرق‭ ‬أوسط‭ ‬جديد‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬مشاريع‭ ‬اقتصادية‭ ‬كبرى،‭ ‬وتوسيع‭ ‬دائرة‭ ‬التطبيع،‭ ‬ودمج‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬باعتبارها‭ ‬مركزاً‭ ‬لشبكات‭ ‬اقتصادية‭ ‬وأمنية‭ ‬جديدة‭. ‬لكن‭ ‬النتائج‭ ‬جاءت‭ ‬مختلفة،‭ ‬فقد‭ ‬تعثّرت‭ ‬فرضيات‭ ‬الحرب،‭ ‬وتراجعت‭ ‬جاذبية‭ ‬مشاريع‭ ‬السلام‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وازدادت‭ ‬المسافة‭ ‬السياسية‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬وعدة‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬رئيسية،‭ ‬كما‭ ‬دخلت‭ ‬العلاقات‭ ‬التركية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬أكثر‭ ‬توتراً‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬تبدو‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أقلّ‭ ‬رغبة‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭ ‬في‭ ‬الانخراط‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬التوازنات‭ ‬الأمنية‭ ‬الإقليمية‭. ‬فالأولوية‭ ‬الأمريكية‭ ‬تتجه‭ ‬بصورة‭ ‬متزايدة‭ ‬نحو‭ ‬آسيا‭ ‬والمنافسة‭ ‬مع‭ ‬الصين،‭ ‬فيما‭ ‬يتراجع‭ ‬الاستعداد‭ ‬لتحمّل‭ ‬كلفة‭ ‬إدارة‭ ‬أزمات‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬الحال‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭. ‬والنتيجة‭ ‬فراغ‭ ‬استراتيجي‭ ‬يصعب‭ ‬تجاهله‭.‬

كذلك‭ ‬ليست‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬الهيمنة،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬نظرياً‭: ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬صمود‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬سيقود‭ ‬إلى‭ ‬صعود‭ ‬هيمنة‭ ‬إيرانية‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬ويمكن‭ ‬تفهّم‭ ‬هذا‭ ‬القلق‭ ‬نظريّاً،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أن‭ ‬طهران‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تحقّق‭ ‬واشنطن‭ ‬أو‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬أهدافهما‭ ‬المعلنة،‭ ‬انهيار‭ ‬النظام‭ ‬ومحو‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للبرنامجين،‭ ‬النووي‭ ‬والصاروخي‭ ‬الباليستي،‭ ‬وقطع‭ ‬علاقات‭ ‬إيران‭ ‬مع‭ ‬حلفائها‭. ‬لكن‭ ‬الوقائع‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً،‭ ‬فإيران‭ ‬تواجه‭ ‬تحدّيات‭ ‬اقتصادية‭ ‬ضخمة‭ ‬وأعباء‭ ‬إعادة‭ ‬إعمار‭ ‬وإصلاح‭ ‬تحتاج‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬والاستثمارات‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬أولويات‭ ‬الداخل‭ ‬الإيراني‭ ‬ستفرض‭ ‬نفسها‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أن‭ ‬الرئيس‭ ‬المنتخب‭ ‬جاء‭ ‬أساساً‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬برنامج‭ ‬اقتصادي‭ ‬وتنموي‭ ‬ينتظر‭ ‬المواطنون‭ ‬نتائجه‭.‬

ومن‭ ‬الضروري‭ ‬التذكير‭ ‬بأن‭ ‬إيران،‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬القليلة‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬الحرب،‭ ‬كانت‭ ‬تشهد‭ ‬تظاهرات‭ ‬وقلاقل‭ ‬داخلية‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬ذات‭ ‬جوهر‭ ‬اقتصادي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬عدد‭ ‬ضحاياها‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬غير‭ ‬محدّد،‭ ‬ولكنه‭ ‬يُقدّر‭ ‬بالآلاف‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬هذا،‭ ‬تخمد‭ ‬التوترات‭ ‬الداخلية‭ ‬بالعادة‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬وقع‭ ‬هجوم‭ ‬خارجي‭ ‬على‭ ‬الأمة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬الإيرانية‭ ‬التي‭ ‬وقفت‭ ‬بعض‭ ‬قطاعات‭ ‬المعارضة‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬الإيراني‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الهجوم‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬الإسرائيلي‭.‬

ولكن‭ ‬عندما‭ ‬تتوقف‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬ويتم‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬ما‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الحسابات‭ ‬الداخلية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬منها‭ ‬والسياسية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬ستعود‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة،‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أنها‭ ‬صراعات‭ ‬داخلية‭ ‬مؤجلة،‭ ‬ومن‭ ‬الصعب‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬لتمويل‭ ‬صراعات‭ ‬خارجية‭ ‬جديدة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭ ‬التي‭ ‬تنتظر‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬بعد‭ ‬تجربة‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬طاولت‭ ‬فيها‭ ‬اعتداءات‭ ‬الصواريخ‭ ‬الإيرانية‭ ‬عواصم‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭.‬

أضف‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬أن‭ ‬جزءاً‭ ‬مهماً‭ ‬من‭ ‬شبكة‭ ‬النفوذ‭ ‬الإقليمي‭ ‬الإيرانية‭ ‬تعرّض‭ ‬لاستنزاف‭ ‬كبير‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬تراجع‭ ‬قدرات‭ ‬بعض‭ ‬الحلفاء‭ ‬التقليديين‭. ‬ولذلك‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬هيمنة‭ ‬إيرانية‭ ‬وشيكة‭ ‬مبالغاً‭ ‬فيه‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬الحديث‭ ‬سابقاً‭ ‬عن‭ ‬انهيار‭ ‬وشيك‭ ‬للنظام‭ ‬الإيراني‭. ‬وهذا‭ ‬بدوره‭ ‬يُحدِث‭ ‬فراغاً‭ ‬إضافياً‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭.‬

من‭ ‬سيملأ‭ ‬الفراغ؟‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬الفرصة‭ ‬التاريخية،‭ ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يُملأ‭ ‬الفراغ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬صراعات‭ ‬جديدة‭ ‬أو‭ ‬سباقات‭ ‬نفوذ‭ ‬إقليمية،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬ملؤه‭ ‬عبر‭ ‬ترتيبات‭ ‬أمنية‭ ‬وسياسية‭ ‬تقودها‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬نفسها‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تكتسب‭ ‬اللقاءات‭ ‬أخيراً‭ ‬بين‭ ‬السعودية‭ ‬وتركيا‭ ‬ومصر‭ ‬وباكستان‭ ‬لوزراء‭ ‬الخارجية‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بسبب‭ ‬ما‭ ‬صدر‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬مواقف‭ ‬مشتركة‭ ‬تجاه‭ ‬التطورات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬وإنما‭ ‬لأنها‭ ‬تعكس‭ ‬إدراكاً‭ ‬متزايداً‭ ‬بأن‭ ‬أمن‭ ‬المنطقة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬رهينة‭ ‬للتجاذبات‭ ‬الخارجية‭ ‬أو‭ ‬للمشاريع‭ ‬الأحادية‭.‬

إن‭ ‬تكتلاً‭ ‬يضم‭ ‬قوى‭ ‬إقليمية‭ ‬وازنة‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تشكيل‭ ‬مركز‭ ‬ثقل‭ ‬سياسي‭ ‬وأمني‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬لهذا‭ ‬الإطار‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬مقاربة‭ ‬مختلفة‭ ‬للعلاقة‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬ترتيباتٍ‭ ‬إقليمية‭ ‬توفر‭ ‬الأمن‭ ‬المتبادل‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬سياسات‭ ‬الاحتواء‭ ‬والمواجهة‭ ‬الدائمة‭.‬

فأمن‭ ‬الخليج‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬صيغة‭ ‬مناسبة‭ ‬متوازنة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬أمن‭ ‬إيران‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العمل‭ ‬المضاد‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭. ‬والاستقرار‭ ‬المستدام‭ ‬يحتاج‭ ‬منظومة‭ ‬إقليمية‭ ‬يشعر‭ ‬جميع‭ ‬أطرافها‭ ‬بأنهم‭ ‬جزءٌ‭ ‬منها‭ ‬لا‭ ‬مستهدفون‭ ‬بها‭.‬

يقف‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬لحظة‭ ‬نادرة؛‭ ‬فالمشروع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬لإعادة‭ ‬هندسة‭ ‬المنطقة‭ ‬تعثّر،‭ ‬وربما‭ ‬أصيب‭ ‬بهزيمة‭ ‬استراتيجية،‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬راغبة،‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬لعب‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬لعبته‭ ‬عقوداً،‭ ‬وإيران‭ ‬منشغلة‭ ‬بإعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬أولوياتها‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية،‭ ‬وعلى‭ ‬الدرجة‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬الأهمية‭ ‬إعادة‭ ‬إعمار‭ ‬ما‭ ‬دمّرته‭ ‬الحرب‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬تظهر‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية‭ ‬أمام‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والقوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬الرئيسية‭ ‬لبناء‭ ‬توازن‭ ‬جديد‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الشراكة‭ ‬والتنسيق‭ ‬والأمن‭ ‬الجماعي،‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬تتكرّر‭ ‬هذه‭ ‬الفرصة‭ ‬قريباً‭. ‬فإذا‭ ‬نجحت‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬استثمارها،‭ ‬فقد‭ ‬يكون‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬أمام‭ ‬بداية‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬أكثر‭ ‬توازناً‭ ‬واستقراراً‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬ضاعت،‭ ‬فقد‭ ‬يعود‭ ‬الفراغ‭ ‬نفسه‭ ‬ليفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬جولات‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الصراع‭ ‬والتنافس‭ ‬والفوضى‭. ‬والسؤال‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬فراغ‭ ‬استراتيجي‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬سيكون‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬ملئه،‭ ‬وبأي‭ ‬رؤية،‭ ‬ولمصلحة‭ ‬من؟

{‭ ‬أكاديمي‭ ‬مختص‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا