العدد : ١٧٦٢٨ - الأحد ٢٨ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢٨ - الأحد ٢٨ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

أي مستقبل للعلاقات بين العرب وإيران؟!

بقلم: د. رضوان السيد

الأحد ٢٨ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

منذ‭ ‬أواسط‭ ‬الثمانينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬كتاباتنا‭ ‬عن‭ ‬إيران،‭ ‬كان‭ ‬يعتقد‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬العرب،‭ ‬أنه‭ ‬لولا‭ ‬الحرب‭ ‬العراقية‭ ‬الإيرانية‭ ‬لما‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬مشكلات‭ ‬كبيرة‭ ‬مع‭ ‬طهران‭. ‬ثم‭ ‬ظهرت‭ ‬بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬على‭ ‬نهاية‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭ ‬مشكلات‭ ‬أخرى‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬أحدٌ‭ ‬منا‭ ‬يحسب‭ ‬لها‭ ‬حساباً‭.‬‭ ‬فقد‭ ‬ظهرت‭ ‬المليشيات‭ ‬الإيرانية‭ ‬والمتحزبة‭ ‬لإيران‭ ‬في‭ ‬دولٍ‭ ‬عربية‭ ‬عدة،‭ ‬و«ازدهرت‮»‬‭ ‬الخلايا‭ ‬السرية‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬بالمنطقة‭. ‬وأُضيف‭ ‬لذلك‭ ‬الملف‭ ‬النووي‭ ‬الذي‭ ‬أثار‭ ‬انزعاج‭ ‬إسرائيل‭ ‬وأمريكا‭ ‬بأكثر‭ ‬مما‭ ‬أثار‭ ‬اهتمام‭ ‬العرب،‭ ‬وما‭ ‬اعتبر‭ ‬أحد‭ ‬منا‭ ‬أنها‭ ‬سياسات‭ ‬أصيلة‭ ‬أو‭ ‬ستتابعها‭ ‬إيران‭ ‬بجدية‭.‬

لقد‭ ‬تأخرتُ‭ ‬شخصيا‭ ‬في‭ ‬إدراك‭ ‬الحقيقة‭ ‬حتى‭ ‬توصلت‭ ‬وأنا‭ ‬أُتابع‭ ‬طريقة‭ ‬التفكير‭ ‬الإيرانية،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الهضبة‭ ‬الإيرانية‭ ‬ذات‭ ‬الدولة‭ ‬الواحدة‭ ‬وباسم‭ ‬القومية‭ ‬أو‭ ‬المذهب‭ ‬أو‭ ‬هما‭ ‬معاً‭ ‬تملك‭ ‬طموحات‭ ‬إمبراطورية‭. ‬وقد‭ ‬بدا‭ ‬ذلك‭ ‬واضحاً‭ ‬في‭ ‬افتخارهم‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬2008‭ ‬بأنهم‭ ‬يسيطرون‭ ‬على‭ ‬أربع‭ ‬عواصم‭ ‬عربية‭.‬

لكن‭ ‬ظللنا‭ ‬نعزّي‭ ‬النفس‭ ‬بأنّ‭ ‬تكلفة‭ ‬المليشيات‭ ‬وتكلفة‭ ‬النووي‭ ‬مرتفعة‭ ‬جداً‭ ‬ولا‭ ‬تبدو‭ ‬ذات‭ ‬شعبية‭ ‬لدى‭ ‬الجمهور‭ ‬الإيراني‭. ‬والمتفائلون‭ ‬منا‭ ‬أكثر‭ ‬ظلوا‭ ‬يخمنون‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬كلّه‭ ‬للابتزاز‭ ‬لأمريكا‭ ‬وللعرب‭ ‬وأنه‭ ‬سينتهي‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬ولاية‭ ‬رئيس‭ ‬متشدد‭ ‬مثل‭ ‬محمود‭ ‬أحمدي‭ ‬نجاد‭ ‬أو‭ ‬بعد‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬النووي‭ ‬مع‭ ‬إدارة‭ ‬أوباما‭ ‬عام‭ ‬2015‭.‬

لماذا‭ ‬كان‭ ‬يصعب‭ ‬التصديق‭ ‬بثقافة‭ ‬وسياسات‭ ‬المليشيات،‭ ‬وسياسات‭ ‬النووي؟‭ ‬لأنّ‭ ‬المليشيات‭ ‬المذهبية‭ ‬النشأة‭ ‬أو‭ ‬المدعومة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬ولبنان‭ ‬واليمن‭ ‬تعاني‭ ‬دائماً‭ ‬خسائر‭ ‬كبرى‭ ‬مع‭ ‬الخصوم‭ ‬أو‭ ‬فيما‭ ‬بينها،‭ ‬وفي‭ ‬العراق‭ ‬والبلاد‭ ‬ذات‭ ‬الأكثرية‭ ‬الشيعية‭ ‬ما‭ ‬مصلحة‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬تدمير‭ ‬المجتمع‭ ‬والدولة‭ ‬والاستقرار؟‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬فقد‭ ‬دُمِّر‭ ‬الجنوب‭ ‬اللبناني‭ ‬مراراً‭ ‬وفقد‭ ‬الحزب‭ ‬المسلَّح‭ ‬الألوف‭ ‬والألوف‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬وسوريا‭. ‬أما‭ ‬المشروع‭ ‬النووي،‭ ‬فقد‭ ‬تسبَّب‭ ‬بأضرارٍ‭ ‬كبرى‭ ‬بسبب‭ ‬الإنفاق‭ ‬والحصار،‭ ‬وواضحٌ‭ ‬أن‭ ‬التمسك‭ ‬به‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬عندما‭ ‬لا‭ ‬تعود‭ ‬الأذرُع‭ ‬كافية‭! ‬والمسألة‭ ‬الثالثة‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬كلها‭ ‬ومنذ‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬العراق،‭ ‬أرادت‭ ‬وحاولت‭ ‬إقامة‭ ‬علاقات‭ ‬ودّ‭ ‬وتعاون‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬وحاولت‭ ‬بعضها‭ ‬الإسهام‭ ‬في‭ ‬تخفيف‭ ‬الحصار‭ ‬والتوسط‭ ‬في‭ ‬علاقاتٍ‭ ‬أخرى‭ ‬مع‭ ‬الغرب‭. ‬وهناك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليون‭ ‬إيراني‭ ‬يستثمرون‭ ‬ويعملون‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭.‬

ولاحظت‭ ‬مؤخرا‭ ‬أن‭ ‬‮«‬وليّ‭ ‬نصر‮»‬،‭ ‬الأستاذ‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬الأمريكية‭ ‬ذا‭ ‬الأصل‭ ‬الإيراني،‭ ‬يُطْلعنا‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الأخير‭ ‬‮«‬الاستراتيجية‭ ‬الإيرانية‮»‬‭ ‬ومقالاته‭ ‬أثناء‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬تفكير‭ ‬إيرانية‭ ‬مختلفة‭. ‬فالتوسع‭ ‬الإيراني‭ ‬مسوَّغ‭ ‬بسبب‭ ‬الموقع‭ ‬والتاريخ‭ ‬والقدرات‭. ‬لكنه‭ ‬صار‭ ‬ضرورياً‭ ‬للحماية،‭ ‬فلو‭ ‬كان‭ ‬لدى‭ ‬إيران‭ ‬سلاح‭ ‬نووي‭ ‬لما‭ ‬تجرأ‭ ‬أحدٌ‭ ‬على‭ ‬مهاجمتها‭ ‬هكذا‭ ‬يعتقدون‭ ‬في‭ ‬طهران،‭ ‬ونموذج‭ ‬باكستان‭ ‬النووي‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭.‬

أما‭ ‬سياسات‭ ‬الأذرع‭ ‬المليشياوية،‭ ‬فصحيح‭ ‬أنها‭ ‬مكلفة‭ ‬لتلك‭ ‬الأذرع‭ ‬ولإيران،‭ ‬لكنها‭ ‬أيضاً‭ ‬وسيلة‭ ‬حماية‭ ‬ونفوذ‭ ‬وإيذاء‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الرادع‭ ‬النووي‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الباليستيات‭ ‬والمسيَّرات‭. ‬ومن‭ ‬الوسائل‭ ‬الدفاعية‭ ‬الإيرانية‭ ‬عند‭ ‬الأكاديمي‭ ‬وليّ‭ ‬نصر‭ ‬هي‭ ‬مسالة‭ ‬التحرش‭ ‬بإسرائيل،‭ ‬وإزعاج‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬المستقرة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إزعاج‭ ‬أمريكا،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬دفعها‭ ‬إلى‭ ‬السعي‭ ‬لدى‭ ‬أمريكا‭ ‬لعدم‭ ‬إثارة‭ ‬الحروب‭ ‬ضدها‭. ‬وكان‭ ‬وليّ‭ ‬نصر‭ ‬نفسه‭ ‬قد‭ ‬ذكر‭ ‬في‭ ‬كتابه‭: ‬‮«‬صحوة‭ ‬الشيعة‮»‬‭ (‬2006‭) ‬أنّ‭ ‬المظلومية‭ ‬الشيعية‭ ‬العتيقة‭ ‬من‭ ‬أسباب‭ ‬النهوض‭ ‬الشيعي‭ ‬الكبير‭.‬

فلندع‭ ‬هذا‭ ‬الركام‭ ‬كلّه‭ ‬ولننصرف‭ ‬للتفكير‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬إيران‭ ‬مع‭ ‬العرب‭ ‬كما‭ ‬بدت‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬الأخيرة‭. ‬لماذا‭ ‬نغالطُ‭ ‬أنفسنا‭ ‬وعقولنا‭ ‬ومعرفتنا‭ ‬بإيران‭ ‬وبالعالم‭ ‬الدولي‭. ‬فحتى‭ ‬المليشيات‭ ‬التي‭ ‬اصطنعتها‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬ديارنا‭ ‬تتعرض‭ ‬لضغوطٍ‭ ‬هائلة‭ ‬وقد‭ ‬تضعُف‭ ‬أو‭ ‬تزول‭ ‬ويبقى‭ ‬أهمُّها‭ ‬وهو‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬خراب‭ ‬الدولة‭ ‬اللبنانية‭. ‬

لكنّ‭ ‬إيران‭ ‬الدولة‭ ‬والنظام‭ ‬باقية‭ ‬في‭ ‬الجوار،‭ ‬وما‭ ‬دامت‭ ‬أمريكا‭ ‬قد‭ ‬عجزت‭ ‬عن‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬في‭ ‬طهران‭ ‬فهل‭ ‬سيتم‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬سياسة‭ ‬الاستيعاب‭ ‬أو‭ ‬الاحتواء؟‭ ‬وهل‭ ‬نستطيع‭ ‬نحن‭ ‬العرب‭ ‬التوحد‭ ‬حول‭ ‬مقاربةٍ‭ ‬للمشكل‭ ‬الإيراني‭ ‬الذي‭ ‬دأب‭ ‬على‭ ‬نهج‭ ‬الاختراق‭ ‬والابتزاز‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الماضية؟‭.‬

‭ ‬لقد‭ ‬تعوَّد‭ ‬الإيرانيون‭ ‬منا‭ ‬على‭ ‬النمط‭ ‬الثنائي‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬وهو‭ ‬نمطٌ‭ ‬ثبت‭ ‬عدم‭ ‬جدواه‭. ‬فلن‭ ‬يكون‭ ‬سهلاً‭ ‬نسيان‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬الأخيرة‭ ‬تعمدت‭ ‬قصف‭ ‬سائر‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬بأشد‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬قصفت‭ ‬به‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وللعجب‭ ‬كان‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬المقصوفة‭ ‬من‭ ‬كانوا‭ ‬يعتقدون‭ ‬أنهم‭ ‬على‭ ‬علاقاتٍ‭ ‬جيدة‭ ‬مع‭ ‬إيران‭.‬

إنّ‭ ‬المقاربة‭ ‬الأخرى‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬الحرب،‭ ‬كما‭ ‬أنّ‭ ‬الشجاعة‭ ‬ليست‭ ‬ضد‭ ‬الحكمة،‭ ‬ولكلٍ‭ ‬زمانه‭ ‬وظروفه‭.‬؛‭ ‬إذ‭ ‬ماذا‭ ‬تستفيد‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬نشر‭ ‬الاضطراب‭ ‬من‭ ‬حولها‭ ‬إلاّ‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬عقائدياً‭ ‬فستكون‭ ‬هذه‭ ‬مصيبة‭. ‬والسؤال‭ ‬المطروح‭: ‬ماذا‭ ‬استفادت‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬سياسات‭ ‬العداء‭ ‬تجاه‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭ ‬غير‭ ‬الخراب‭ ‬للجميع؟‭!.‬

 

{‭ ‬كاتب‭ ‬ومفكر‭ ‬لبناني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا