العدد : ١٧٦٢٩ - الاثنين ٢٩ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢٩ - الاثنين ٢٩ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

المرأة البحرينية والفن.. ورسالة الوطن الحضارية

بقلم: نبيلة رجب

الاثنين ٢٩ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

هناك‭ ‬لحظات‭ ‬تعجز‭ ‬فيها‭ ‬الكلمة‭ ‬عن‭ ‬نقل‭ ‬ما‭ ‬تشعر‭ ‬به‭ ‬الروح،‭ ‬فتمتد‭ ‬اليد‭ ‬نحو‭ ‬الريشة‭ ‬أو‭ ‬القلم‭ ‬أو‭ ‬الإبرة،‭ ‬لتقول‭ ‬ما‭ ‬يصعب‭ ‬التعبير‭ ‬عنه‭ ‬بصوت‭. ‬هكذا‭ ‬وجدت‭ ‬المرأة‭ ‬البحرينية‭ ‬في‭ ‬الفن‭ ‬مساحتها‭ ‬الخاصة،‭ ‬ليس‭ ‬هروبا‭ ‬من‭ ‬الواقع،‭ ‬إنما‭ ‬نافذة‭ ‬صادقة‭ ‬عليه‭.‬

في‭ ‬كل‭ ‬لوحة‭ ‬ترسمها،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬قطعة‭ ‬تطرّزها،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬لحن‭ ‬تعزفه،‭ ‬تحمل‭ ‬المرأة‭ ‬البحرينية‭ ‬رسالة‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬الجمال‭ ‬البصري؛‭ ‬تحمل‭ ‬هوية‭ ‬أمة‭ ‬بأكملها،‭ ‬وتاريخاً‭ ‬عريقاً،‭ ‬وقيما‭ ‬تربَّت‭ ‬عليها‭ ‬أجيال‭ ‬متعاقبة‭ ‬من‭ ‬نساء‭ ‬هذه‭ ‬الجزيرة‭ ‬الصغيرة‭ ‬بأرضها‭ ‬والكبيرة‭ ‬بعطائها‭.‬

للفن‭ ‬في‭ ‬حياتها‭ ‬جذور‭ ‬ضاربة‭ ‬في‭ ‬القدم،‭ ‬لا‭ ‬بداية‭ ‬طارئة‭. ‬فمنذ‭ ‬حضارة‭ ‬دلمون،‭ ‬عرفت‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬حرفاً‭ ‬يدوية‭ ‬أنيقة‭ ‬كالفخار‭ ‬والنسيج،‭ ‬والتطريز‭ ‬بالخيوط‭ ‬الفضية‭ ‬والزري‭ ‬الذهبية‭ ‬التي‭ ‬زانت‭ ‬الثوب‭ ‬البحريني‭ ‬التقليدي،‭ ‬صنعتها‭ ‬يد‭ ‬المرأة‭ ‬بصبر‭ ‬وذائقة‭. ‬وهذه‭ ‬الحرف‭ ‬القديمة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬إنما‭ ‬كانت‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬قامت‭ ‬عليه‭ ‬الفنون‭ ‬اللاحقة‭.‬

مع‭ ‬ظهور‭ ‬الحركة‭ ‬الفنية‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وجدت‭ ‬المرأة‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬اللوحة‭ ‬والمعرض،‭ ‬بأساليب‭ ‬متعددة‭ ‬تعكس‭ ‬اتساع‭ ‬أفقها؛‭ ‬فمنهن‭ ‬من‭ ‬تبدع‭ ‬في‭ ‬التجريد،‭ ‬ومنهن‭ ‬من‭ ‬تستلهم‭ ‬من‭ ‬الخط‭ ‬العربي،‭ ‬ومنهن‭ ‬من‭ ‬تمزج‭ ‬بين‭ ‬دقة‭ ‬التخصص‭ ‬العلمي‭ ‬وحرية‭ ‬الريشة‭. ‬هذا‭ ‬التنوع‭ ‬نفسه‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يميّزها‭: ‬فهي‭ ‬تتسع‭ ‬لقوالب‭ ‬كثيرة،‭ ‬تماماً‭ ‬كما‭ ‬يتسع‭ ‬وطنها‭ ‬لصور‭ ‬متعددة‭ ‬من‭ ‬الهوية‭ ‬الواحدة‭. ‬وكل‭ ‬فنانة‭ ‬من‭ ‬هؤلاء،‭ ‬عُرف‭ ‬اسمها‭ ‬أم‭ ‬لم‭ ‬يُعرف‭ ‬بعد،‭ ‬شريكة‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة،‭ ‬فالعطاء‭ ‬الفني‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬قيمته‭ ‬بالشهرة،‭ ‬إنما‭ ‬بصدق‭ ‬الأثر‭ ‬الذي‭ ‬يتركه‭.‬

الفن‭ ‬لغة‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬ترجمة،‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬أصدق‭ ‬الوسائل‭ ‬لتعريف‭ ‬العالم‭ ‬بنا‭. ‬تقف‭ ‬اللوحة‭ ‬البحرينية‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬دولي‭ ‬فتحمل‭ ‬خطوطاً‭ ‬وألواناً،‭ ‬وتحمل‭ ‬أيضاً‭ ‬بصمة‭ ‬شعب‭ ‬يقدّر‭ ‬التسامح‭ ‬ويعتزّ‭ ‬بجذوره‭ ‬ويحترم‭ ‬تنوّعه‭.‬

تتحول‭ ‬الريشة‭ ‬بهذا‭ ‬إلى‭ ‬سفيرة‭ ‬صامتة،‭ ‬تقول‭ ‬للآخر‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تبلغه‭ ‬ورقة‭ ‬رسمية‭ ‬أو‭ ‬خطاب‭ ‬دبلوماسي‭: ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬الصغير‭ ‬في‭ ‬الخريطة‭ ‬كبير‭ ‬بقيمه‭ ‬وثقافته‭ ‬وإنسانيته‭. ‬المرأة‭ ‬البحرينية،‭ ‬بمشاركتها‭ ‬الفاعلة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المشهد،‭ ‬تُعبّر‭ ‬عن‭ ‬ذاتها،‭ ‬وتحمل‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬طيفاً‭ ‬من‭ ‬هوية‭ ‬وطنها‭ ‬إلى‭ ‬العالم،‭ ‬فيصبح‭ ‬فنّها‭ ‬امتداداً‭ ‬لدبلوماسية‭ ‬ناعمة‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أثرها‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬جهد‭ ‬رسمي‭. ‬وما‭ ‬كان‭ ‬لهذا‭ ‬المشهد‭ ‬أن‭ ‬يزدهر‭ ‬لولا‭ ‬دعم‭ ‬راسخ،‭ ‬تمثّل‭ ‬في‭ ‬رعاية‭ ‬المجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للمرأة‭ ‬لمعارض‭ ‬حملت‭ ‬اسم‭ ‬البحرين‭ ‬إلى‭ ‬عواصم‭ ‬عالمية‭ ‬مثل‭ ‬العاصمة‭ ‬الفرنسية‭ ‬باريس،‭ ‬فأصبحت‭ ‬الفنانة‭ ‬شريكة‭ ‬في‭ ‬رسالة‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬موهبة‭ ‬فردية‭ ‬منعزلة‭.‬

ولأن‭ ‬الصدق‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬الفن‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬تذكّرتُ‭ ‬وقفتي‭ ‬الطويلة‭ ‬أمام‭ ‬لوحات‭ ‬فان‭ ‬جوخ‭ ‬في‭ ‬أمستردام‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تلك‭ ‬اللوحات‭ ‬ألواناً‭ ‬موزّعة‭ ‬بمهارة‭ ‬فحسب،‭ ‬كانت‭ ‬سوداوية‭ ‬رجل‭ ‬صادقته‭ ‬الفرشاة‭ ‬عندما‭ ‬خذله‭ ‬الناس،‭ ‬فحملت‭ ‬كل‭ ‬ضربة‭ ‬منها‭ ‬وجعاً‭ ‬لم‭ ‬يقله‭ ‬بكلمة‭. ‬هناك‭ ‬فهمتُ‭ ‬أن‭ ‬الفن‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يُزيّف‭ ‬صاحبه،‭ ‬وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬تفعله‭ ‬المرأة‭ ‬البحرينية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عمل‭ ‬تُنجزه‭: ‬تظهر‭ ‬فيه‭ ‬كما‭ ‬هي،‭ ‬بقيمها‭ ‬وبيئتها‭ ‬وصدقها‭.‬

فالعمل‭ ‬الفني‭ ‬الذي‭ ‬تنتجه‭ ‬المرأة‭ ‬البحرينية،‭ ‬أياً‭ ‬كانت‭ ‬مدرسته‭ ‬أو‭ ‬أسلوبه،‭ ‬ينبع‭ ‬من‭ ‬بيئة‭ ‬تربّت‭ ‬على‭ ‬الكرم‭ ‬والاحتشام‭ ‬والتقدير‭ ‬للأسرة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬فتنعكس‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬الموضوع‭ ‬وفي‭ ‬طريقة‭ ‬المعالجة،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تقصد‭ ‬الفنانة‭ ‬ذلك‭ ‬بالضرورة‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يميّز‭ ‬الفن‭ ‬الصادق‭ ‬عن‭ ‬غيره‭: ‬أنه‭ ‬يحمل‭ ‬نبض‭ ‬صاحبته‭ ‬ونبض‭ ‬بيئتها‭ ‬معاً،‭ ‬فيكون‭ ‬شاهداً‭ ‬على‭ ‬إنسانة‭ ‬وعلى‭ ‬أمة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭.‬

تتشابه‭ ‬المدن‭ ‬اليوم‭. ‬تتكرر‭ ‬الصور‭ ‬عبر‭ ‬الشاشات‭ ‬حتى‭ ‬تكاد‭ ‬الهويات‭ ‬أن‭ ‬تذوب‭ ‬في‭ ‬قالب‭ ‬واحد‭. ‬لذلك‭ ‬تصبح‭ ‬حاجتنا‭ ‬إلى‭ ‬فنّ‭ ‬يحمل‭ ‬توقيعاً‭ ‬محلياً‭ ‬أكثر‭ ‬إلحاحاً‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬سابق‭. ‬الفنانة‭ ‬البحرينية‭ ‬التي‭ ‬تختار‭ ‬موضوعها‭ ‬وتقنيتها‭ ‬وألوانها‭ ‬لا‭ ‬تنافس‭ ‬فناً‭ ‬عالمياً‭ ‬بمعايير‭ ‬مستوردة‭. ‬إنها‭ ‬تضيف‭ ‬صوتاً‭ ‬أصيلاً‭ ‬إلى‭ ‬الحوار‭ ‬الإنساني‭ ‬الواسع،‭ ‬نابعاً‭ ‬من‭ ‬تجربتها‭ ‬الخاصة‭ ‬كامرأة‭ ‬خليجية‭ ‬تعيش‭ ‬بين‭ ‬الحداثة‭ ‬والأصالة‭.‬

هذا‭ ‬التوازن‭ ‬نفسه‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬لفنها‭ ‬قيمة‭ ‬مضاعفة،‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يرضي‭ ‬ذائقة‭ ‬الآخر‭ ‬تقليداً‭ ‬له،‭ ‬ولا‭ ‬ينغلق‭ ‬على‭ ‬الماضي‭ ‬خوفاً‭ ‬من‭ ‬الانفتاح،‭ ‬إنما‭ ‬يصنع‭ ‬لغة‭ ‬جديدة‭ ‬تخصّها‭ ‬وتخصّ‭ ‬وطنها‭ ‬معاً‭.‬

المرأة‭ ‬البحرينية،‭ ‬عندما‭ ‬تمسك‭ ‬ريشتها‭ ‬أو‭ ‬إبرتها‭ ‬أو‭ ‬آلتها‭ ‬الموسيقية،‭ ‬لا‭ ‬تصنع‭ ‬جمالاً‭ ‬عابراً‭ ‬تُعلّقه‭ ‬الجدران‭ ‬أو‭ ‬تُلتقط‭ ‬له‭ ‬الصور‭. ‬إنها‭ ‬تكتب‭ ‬فصلاً‭ ‬جديداً‭ ‬من‭ ‬سيرة‭ ‬وطن‭ ‬يؤمن‭ ‬بأن‭ ‬الإبداع‭ ‬حق‭ ‬إنساني،‭ ‬وأن‭ ‬القيم‭ ‬تُروى‭ ‬بالصورة‭ ‬كما‭ ‬تُروى‭ ‬بالكلمة‭. ‬وما‭ ‬دامت‭ ‬هذه‭ ‬اليد‭ ‬المبدعة‭ ‬تواصل‭ ‬عملها،‭ ‬فإن‭ ‬البحرين‭ ‬ستظل‭ ‬تتحدث‭ ‬للعالم‭ ‬بلغة‭ ‬إبداعية‭ ‬حضارية‭ ‬لا‭ ‬تخطئها‭ ‬عين‭: ‬لغة‭ ‬الفن‭ ‬الصادق،‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬خط‭ ‬منه‭ ‬وطناً‭ ‬كاملاً‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا