هناك لحظات تعجز فيها الكلمة عن نقل ما تشعر به الروح، فتمتد اليد نحو الريشة أو القلم أو الإبرة، لتقول ما يصعب التعبير عنه بصوت. هكذا وجدت المرأة البحرينية في الفن مساحتها الخاصة، ليس هروبا من الواقع، إنما نافذة صادقة عليه.
في كل لوحة ترسمها، وفي كل قطعة تطرّزها، وفي كل لحن تعزفه، تحمل المرأة البحرينية رسالة أعمق من الجمال البصري؛ تحمل هوية أمة بأكملها، وتاريخاً عريقاً، وقيما تربَّت عليها أجيال متعاقبة من نساء هذه الجزيرة الصغيرة بأرضها والكبيرة بعطائها.
للفن في حياتها جذور ضاربة في القدم، لا بداية طارئة. فمنذ حضارة دلمون، عرفت هذه الأرض حرفاً يدوية أنيقة كالفخار والنسيج، والتطريز بالخيوط الفضية والزري الذهبية التي زانت الثوب البحريني التقليدي، صنعتها يد المرأة بصبر وذائقة. وهذه الحرف القديمة لم تكن نهاية المطاف، إنما كانت الأساس الذي قامت عليه الفنون اللاحقة.
مع ظهور الحركة الفنية الحديثة في البحرين في منتصف القرن الماضي، وجدت المرأة طريقها إلى اللوحة والمعرض، بأساليب متعددة تعكس اتساع أفقها؛ فمنهن من تبدع في التجريد، ومنهن من تستلهم من الخط العربي، ومنهن من تمزج بين دقة التخصص العلمي وحرية الريشة. هذا التنوع نفسه هو ما يميّزها: فهي تتسع لقوالب كثيرة، تماماً كما يتسع وطنها لصور متعددة من الهوية الواحدة. وكل فنانة من هؤلاء، عُرف اسمها أم لم يُعرف بعد، شريكة كاملة في هذه الرسالة، فالعطاء الفني لا تُقاس قيمته بالشهرة، إنما بصدق الأثر الذي يتركه.
الفن لغة لا تحتاج ترجمة، فهو من أصدق الوسائل لتعريف العالم بنا. تقف اللوحة البحرينية في معرض دولي فتحمل خطوطاً وألواناً، وتحمل أيضاً بصمة شعب يقدّر التسامح ويعتزّ بجذوره ويحترم تنوّعه.
تتحول الريشة بهذا إلى سفيرة صامتة، تقول للآخر ما قد لا تبلغه ورقة رسمية أو خطاب دبلوماسي: إن هذا البلد الصغير في الخريطة كبير بقيمه وثقافته وإنسانيته. المرأة البحرينية، بمشاركتها الفاعلة في هذا المشهد، تُعبّر عن ذاتها، وتحمل في الوقت نفسه طيفاً من هوية وطنها إلى العالم، فيصبح فنّها امتداداً لدبلوماسية ناعمة لا يقل أثرها عن أي جهد رسمي. وما كان لهذا المشهد أن يزدهر لولا دعم راسخ، تمثّل في رعاية المجلس الأعلى للمرأة لمعارض حملت اسم البحرين إلى عواصم عالمية مثل العاصمة الفرنسية باريس، فأصبحت الفنانة شريكة في رسالة الدولة لا موهبة فردية منعزلة.
ولأن الصدق هو جوهر الفن قبل كل شيء، تذكّرتُ وقفتي الطويلة أمام لوحات فان جوخ في أمستردام. لم تكن تلك اللوحات ألواناً موزّعة بمهارة فحسب، كانت سوداوية رجل صادقته الفرشاة عندما خذله الناس، فحملت كل ضربة منها وجعاً لم يقله بكلمة. هناك فهمتُ أن الفن الحقيقي لا يُزيّف صاحبه، وهذا بالضبط ما تفعله المرأة البحرينية في كل عمل تُنجزه: تظهر فيه كما هي، بقيمها وبيئتها وصدقها.
فالعمل الفني الذي تنتجه المرأة البحرينية، أياً كانت مدرسته أو أسلوبه، ينبع من بيئة تربّت على الكرم والاحتشام والتقدير للأسرة والمجتمع، فتنعكس هذه القيم في اختيار الموضوع وفي طريقة المعالجة، دون أن تقصد الفنانة ذلك بالضرورة. وهذا ما يميّز الفن الصادق عن غيره: أنه يحمل نبض صاحبته ونبض بيئتها معاً، فيكون شاهداً على إنسانة وعلى أمة في الوقت نفسه.
تتشابه المدن اليوم. تتكرر الصور عبر الشاشات حتى تكاد الهويات أن تذوب في قالب واحد. لذلك تصبح حاجتنا إلى فنّ يحمل توقيعاً محلياً أكثر إلحاحاً من أي وقت سابق. الفنانة البحرينية التي تختار موضوعها وتقنيتها وألوانها لا تنافس فناً عالمياً بمعايير مستوردة. إنها تضيف صوتاً أصيلاً إلى الحوار الإنساني الواسع، نابعاً من تجربتها الخاصة كامرأة خليجية تعيش بين الحداثة والأصالة.
هذا التوازن نفسه هو ما يجعل لفنها قيمة مضاعفة، فهو لا يرضي ذائقة الآخر تقليداً له، ولا ينغلق على الماضي خوفاً من الانفتاح، إنما يصنع لغة جديدة تخصّها وتخصّ وطنها معاً.
المرأة البحرينية، عندما تمسك ريشتها أو إبرتها أو آلتها الموسيقية، لا تصنع جمالاً عابراً تُعلّقه الجدران أو تُلتقط له الصور. إنها تكتب فصلاً جديداً من سيرة وطن يؤمن بأن الإبداع حق إنساني، وأن القيم تُروى بالصورة كما تُروى بالكلمة. وما دامت هذه اليد المبدعة تواصل عملها، فإن البحرين ستظل تتحدث للعالم بلغة إبداعية حضارية لا تخطئها عين: لغة الفن الصادق، الذي يحمل في كل خط منه وطناً كاملاً.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك