قبل الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران، كان النظام الإيراني على وشك الانهيار والسقوط نتيجة اندلاع أكبر موجة احتجاجات شهدتها إيران منذ «ثورة عام 1979»؛ إذ شهدت طهران وعدد من المدن الإيرانية في أواخر ديسمبر 2025 حركة احتجاجات واسعة، واستمرت هذه الاحتجاجات بوتيرة متصاعدة حتى مطلع عام 2026، بسبب عدة عوامل في مقدمتها الانهيار التاريخي في قيمة العملة الايرانية، وتفشي الفقر، وسوء الأوضاع المعيشية، الأمر الذي أدى إلى مواجهة مباشرة بين السلطات والمحتجين.
ونتيجة للقمع والعنف الشديدين اللذين مارستهما السلطات الإيرانية ضد المحتجين، ساد في الشارع الإيراني غضب شعبي طال معظم المحافظات الإيرانية، ولكن رغم العنف والبطش الذي مارسته السلطات الإيرانية ضد المحتجين فإن شعلة الاحتجاجات ظلت متقدة، وبزخم مستمر، وهذا ما جعل النظام في موقف حرج، وكاد يفقد السيطرة على تلك الاحتجاجات، وكان قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، ولولا قيام الولايات الأمريكية وإسرائيل بشن حربهما على إيران لربما تغير المشهد الإيراني؛ فجاءت هذه الحرب لتنقذ النظام من نهايته المحتومة.
إن المراقب لمشهد الاحتجاجات الأخيرة قبل الحرب، سيلاحظ عدة ملاحظات، أولها أنها شملت فئات وشرائح مختلفة من الشعب الإيراني يتقدمهم تجار البازار وطلبة الجامعات إضافة إلى مشاركة واسعة من النساء الإيرانيات، ثانيهما أنها شملت أكثر من 200 مدينة، ثالثها أنها تزامنت مع مساعي واشنطن وطهران لعقد مفاوضات سلام نووية قبل التصعيد العسكري الأمريكي. رابعها - وهذه أهم ميزة في نظري - لأنها رفعت شعار «رحيل النظام» وهذا تطور كبير ونوعي في خطاب الاحتجاجات، وفي اعتقادي أن هذا الشعار هو القشة التي قصمت ظهر النظام. وبسببه كانت ردود فعل الملالي والحرس الثوري بالغة الشدة، وقد تجسدت في الإفراط في استخدام أقصى درجات العنف ضد المحتجين.
من خلال الملاحظات السابقة، نستنتج أن الشعب الإيراني يئس من النظام، ووصل إلى مرحلة «الضيق الشديد تجاه نظام الملالي»، وهذا هو الطبيعي لتراكم تدني مستوى المعيشة، والقمع واستئثار الملالي والحرس الثوري بخيرات البلاد، ووصل إلى قناعة تامة بأن تغيير النظام هو المطلوب، لأنه فاقد للشرعية.
من هنا نقول: إن توقيت اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لم يكن مناسباً، إذ جاءت في وقت كانت الاحتجاجات في ذروتها، وأن إرهاصات تداعي النظام وانهياره بدأت تظهر في الأفق الإيراني لكن القرار الأمريكي بالموافقة على شن الحرب أنقذ النظام الإيراني؛ حيث وجد النظام في هذه الحرب ضالته، وفرصته الأخيرة في البقاء على قيد الحياة.
وراح كعادته يعبء الشعب، ويدعو إلى توحيد صفوفه لمواجهة «الشيطان الأكبر» وحليفه «الشيطان الأصغر» وبذلك انطفأت جذوة الانتفاضة، وتحول الشعار من «رحيل النظام» إلى مواجهة العدوان الخارجي. وبهذه النتيجة تنفس النظام الصعداء بعد أن كان على شفا حفرة من السقوط.
هنا يتبادر إلى أذهاننا سؤال مهم وجوهري هو: لماذا اختار الرئيس ترامب هذا الوقت بالذات لبدء الحرب؟ مع أنه يعلم أن الانتفاضة كانت في أوج وهجها، وأن استمرارها قد يأتي بنتائج مثمرة، وكان بإمكان الولايات المتحدة دعم الاحتجاجات حتى تحقق أهدافها، لكنه لم يدعمها إلا بالأقوال، ولم يقرن أقواله بالأفعال، ولم تتجاوز خطوات ترامب إطار التصريحات والتحذيرات، حيث اقتصر تعامله مع الانتفاضات والاحتجاجات على إبداء «الدعم المعنوي والتهديد، وتركها وحيدة في مواجهة جلاوزة النظام، وأدوات بطشه.
إن المدقق في المشهد الإيراني في الفترة التي سبقت الحرب سيخرج باستنتاج ربما يكون مفاجئا، هو أن الولايات المتحدة لا تريد إسقاط النظام الإيراني على الرغم من إعلانها على لسان ترامب في بداية الحرب أنه كان أحد الأهداف الرئيسية لها، فلو قامت الإدارة الامريكية بدعم تلك الاحتجاجات لربما تغير المشهد وسقط النظام على يد قوى الشعب، وهذا أفضل بالنسبة للولايات المتحدة، لأن التغيير سيكون داخلياً، لكن سيظل فهم ما وراء القرار الأمريكي بشن الحرب يحتاج ايضاحات.
وفي محاولة لتفسير هذه الحالة، نلجأ للتاريخ ليقدم لنا إجابة شافية، وليشرح لنا الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران، وأن هذه الاستراتيجية ثابتة ولم تتغير بالرغم من تغير الزمن والظروف.
خذ مثلاً كيف تعاملت الحكومة الأمريكية مع إيران في عهد الشاه في خمسينيات القرن الماضي. وكيف أنها تدخلت في اسقاط حكومة مصدق في عام 1953، وقامت بإرجاع الشاه إلى الحكم بعد هروبه إلى إيطاليا مع أن ما قام به الزعيم الوطني محمد مصدق بقرار (تأميم شركات النفط) الذي كان ينسجم مع رغبات الشعب، وكيف تعاملت مع الثورة الإيرانية بقيادة الخميني عام 1979، ومع من جاء من بعده.
يذهب بعض المحللين إلى القول: إن الأمريكيين ينطلقون في تعاملهم مع إيران من استراتيجية «الدولة الوظيفية»، وظلوا متمسكين بهذه الاستراتيجية طوال السنوات الماضية وإلى الآن، وهذا ما نلمسه بوضوح في الدور الذي قامت به إيران إبان فترة الاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق وهو الأمر الذي يؤكد «استراتيجية الدور الوظيفي لها»؛ ونتيجة لذلك أبقى الرئيس ترامب على هذا الدور لإيران من خلال مذكرة التفاهم الأخيرة التي وقعها في 18يونيو 2026، ولم يخرج عن هذه الاستراتيجية، وتراجع عن هدفه المعلن من وراء الحرب وهو «إسقاط النظام» وهذا يعني أنه حافظ على بقاء النظام الملالي وتثبيت أركانه.
وهذه السياسة ليست الأولى في تاريخ الولايات المتحدة إذ أن كل تدخلاتها العسكرية في العالم هو أن تجعل كل دول العالم في خدمتها؛ فتدخلها في إيران في عام 1953، وقيامها بمشاركة بريطانيا بالانقلاب على حكومة مصدق في العملية التي عرفت بـ«عملية أجاكس» التي انتهت بعزل محمد مصدق، ووضعه تحت الإقامة الجبرية حتى وفاته 1967 ومن ثم عودة الشاه محمد بهلوي إلى الحكم تصب في هذا الاتجاه.
إن ترامب قبل بنتيجة غير حاسمة في هذه الحرب مقابل «الدور الوظيفي» لإيران في المستقبل في ظل النظام الحالي، بل ذهب في هذا الاتجاه إلى أبعد من ذلك من خلال أحد نصوص الاتفاق الذي يقضي بإنشاء صندوق بقيمة 300 مليار دولار مع شركاء إقليميين هدفه إعادة إعمار إيران وتنميتها اقتصادياً فضلاً عن الإفراج عن الأموال المجمدة، ورفع «جميع أنواع العقوبات» المفروضة على إيران فور توقيع الاتفاق النهائي.
الخلاصة، إن هذه الأمور ستجعل النظام في إيران يبعث من جديد وفي ثوب أنيق، بعد أن تعهدت له الولايات المتحدة بتقديم حزمة من الحوافز الاقتصادية بقصد تشجيعه على توقيع الاتفاق النهائي، وبذلك تكون الولايات المتحدة ممثلة في ادارة ترامب قدمت هدية (مكافأة كبيرة) لا تعادلها أي مكافأة أخرى وهي بقاء نظام الملالي على قيد الحياة، وهو الذي أوشك على السقوط لولا قرارات الرئيس ترامب شخصياً من خلال حصاد هذه الحرب، وإنقاذ النظام، وحقنه بملايين الدولارات التي ستنهال عليه، وستساعده على استرجاع العافية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك