لم يكن فشل محاولات الإصلاح الاقتصادي في إيران نتاج عامل واحد أو ظرف عابر، بقدر ما هو نتيجة تفاعل معقد بين بنية اقتصادية شديدة التسييس، وتوازنات داخلية متشابكة، وضغوط خارجية متراكمة.
فمنذ سنوات، تحاول الحكومات الإيرانية المتعاقبة تمرير سياسات إصلاحية جزئية تستهدف معالجة الاختلالات الاقتصادية المزمنة، غير أن هذه المحاولات غالبًا ما تصطدم بجدران صلبة تتمثل في هيمنة الدولة والمؤسسات شبه العسكرية والحرس الثوري على مفاصل الاقتصاد، وارتباط القرار الاقتصادي بالاعتبارات الأمنية والأيديولوجية، فضلًا عن التأثير العميق للعقوبات الدولية.
في هذا السياق، نحاول هنا تحليل أسباب تعثر الإصلاح الاقتصادي في إيران، من خلال الجمع بين قراءة بنيوية لطبيعة الاقتصاد السياسي الإيراني، ورصد ميداني لتداعيات الأزمة الاقتصادية على الشارع، ولا سيما في العاصمة طهران، بما يكشف عن العلاقة الوثيقة بين البازار والاحتجاج، وبين إدارة الأزمة الاقتصادية وإدارة الاستقرار الأمني.
بنية الاقتصاد السياسي وحدود الإصلاح
يعود أحد أهم أسباب فشل الإصلاحات الاقتصادية في إيران إلى هيمنة الدولة، والمؤسسات المرتبطة بها، ولا سيما الحرس الثوري، على قطاعات اقتصادية حيوية تشمل النفط والغاز، والاتصالات، والبناء، والموانئ، والتجارة الخارجية.
لعل هذه الهيمنة لا تقتصر على الملكية أو الإدارة فحسب، بل تمتد إلى التحكم في شبكات التوزيع والتمويل، ما يحدّ من فرص المنافسة الحرة ويقوّض أي دور فعلي ومستقل للقطاع الخاص.
يضاف إلى ذلك أن الاقتصاد الإيراني لا يعمل بوصفه مجالًا تقنيًا مستقلًا، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالسياسات الإقليمية والتوجهات الأيديولوجية للنظام.
ونتيجة لذلك، تصبح أي محاولة للإصلاح الاقتصادي رهينة لمعادلات الأمن القومي، والصراعات الإقليمية، وتوازنات القوى داخل مؤسسات الحكم، الأمر الذي يفرغ الكثير من السياسات الإصلاحية من مضمونها العملي.
غياب الاستقرار التشريعي وتآكل الثقة
تعاني البيئة الاقتصادية الإيرانية من غياب مزمن للاستقرار التشريعي والمؤسسي، إذ تتغير القوانين واللوائح الاقتصادية بتغير الحكومات، أو استجابة للأزمات السياسية والمالية، ما يخلق حالة من عدم اليقين لدى الفاعلين الاقتصاديين.
كنتيجة حتمية يؤدي هذا التذبذب التشريعي إلى فقدان الثقة لدى المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء، ويحول دون بناء سياسات اقتصادية طويلة الأمد، تكون قادرة على تحقيق استقرار نسبي في السوق.
وفي ظل هذه الأوضاع، يصبح الاقتصاد أكثر هشاشة أمام الصدمات الخارجية، وأكثر عرضة للتقلبات الحادة في أسعار العملات والسلع، وهو ما ينعكس مباشرة على مستويات المعيشة وقدرة الفئات الوسطى والدنيا على التكيف مع الأزمات المتلاحقة.
العقوبات الدولية وتعميق الأزمة:
لا يمكن تجاهل الدور المحوري الذي لعبته العقوبات الدولية، ولا سيما الأمريكية، في تعميق الأزمة الاقتصادية الإيرانية، خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018م، ثم انضمام أوروبا على العقوبات في نوفمبر 2025م.
فقد أدت هذه العقوبات إلى تقليص حاد في صادرات النفط، المصدر الرئيسي للعملة الصعبة، وعزل إيران عن النظام المالي العالمي تماما، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، إلى جانب التدهور الكبير في قيمة الريال وارتفاع معدلات التضخم.
على سبيل المثال: سجل الريال الإيراني في عام 2022، مستويات قياسية من التراجع أمام الدولار، ما تسبب في تعطيل الأنشطة التجارية وارتفاع غير مسبوق في الأسعار.
بالرغم من ذلك، اتسم رد الفعل الشعبي فترة من الزمن بحالة من الصمت أو الصبر الحذر، قبل أن تتفاقم الأوضاع بصورة أكثر حدة في السنوات اللاحقة، مع تزايد الضغوط الاقتصادية والنفسية على السوق والشارع معًا.
وفي الربع الرابع من 2025م، شهد الريال الإيراني موجة جديدة حادة للغاية من الهبوط أمام الدولار جعلت كل دولار أمريكي يضاهي نحو مليون ونصف المليون ريال إيراني، ما أدى إلى اندلاع احتجاجات البازار التي بدأت في صباح الأحد 28 ديسمبر 2025 وامتدت إلى 15 يناير 2026م.
مع دخول شهر ديسمبر 2025، شهدت طهران احتجاجات على خلفية التقلبات الحادة في أسعار العملات وارتفاع الأسعار، وتأثير ذلك المباشر على قدرة التجار على شراء وبيع السلع.
وقد تركزت أسباب هذه الاحتجاجات في التذبذب الكبير بين سعر الدولار في السوق الرسمية وغير الرسمية، حيث بلغ في بعض الفترات نحو 147 ألف تومان (مليون وأربعمئة وسبعون ألف ريال)، فضلًا عن التأثير النفسي والسياسي المتزايد للأزمة على سوق العمل.
وأعرب تجار، خاصة في قطاع الهواتف المحمولة، عن قلقهم المتزايد من الارتباط الوثيق بين الأسعار وسعر الصرف، وصعوبات الاستيراد والتصدير، في حين وجد صغار التجار أنفسهم عاجزين عن التكيف ماليًا مع هذه التغيرات السريعة، ما أسهم في تعميق حالة الاحتقان الاقتصادي والاجتماعي، وبالطبع ستكون لآثار الحرب الأخيرة التي شنها التحالف الأمريكي الإسرائيلي على ايران تأثيرات كبيرة في تدهور الاقتصاد الإيراني ستظهر نتائجها تباعا في المرحلة القادمة، وسيترقب المجتمع الإيراني أي تحسن في مستوى الأوضاع المعيشية، وذلك في أعقاب التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب مؤخرا، وسيكون المعيار لإعادة التوازن مدى النجاح في رفع العقوبات عن الاقتصاد الإيراني بموجب الاتفاق.
والخلاصة، كشفت التجربة الإيرانية في الفترة التي سبقت اندلاع الحرب الأخيرة أن فشل الإصلاح الاقتصادي لا يعود فقط إلى العقوبات الخارجية، بل يرتبط أساسًا بطبيعة الاقتصاد السياسي القائم، الذي يقيّد السوق باعتبارات أمنية وأيديولوجية، ويحدّ من قدرة الدولة على تنفيذ إصلاحات حقيقية ومستدامة.
كما أظهرت الخبرات السابقة أن الأزمات الاقتصادية، حين تتراكم دون حلول جذرية، تتحول تدريجيًا إلى احتجاجات حضرية مرتبطة بالسوق والمعيشة، أكثر من ارتباطها بالشعارات السياسية الكبرى.
وفي هذا الإطار، يبدو أن السلطات الإيرانية تتبنى سياسة احتواء أمني تقوم على التشديد في نقاط التوتر الرئيسية، مقابل تخفيف محسوب في الأطراف، بهدف منع تصاعد الاحتجاجات مرة أخرى، مع الحفاظ على قدر من الاستقرار الظاهري.
غير أن استمرار الاختلالات البنيوية، وغياب إصلاح اقتصادي حقيقي، يجعلان هذا الاستقرار هشًا وقابلًا للاهتزاز مع كل صدمة اقتصادية جديدة.
{ باحثة مختصة في الشؤون الإيرانية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك