تحتفي الولايات المتحدة الأمريكية في شهر يونيو من كل سنة بشهر التراث الوطني للهجرة، وهي مناسبة مهمة للاحتفال بالشعوب والثقافات المتنوعة التي جعلت الولايات المتحدة الأمريكية دولة عظيمة.
تتعرض هذا العام مسألة الهجرة والتنوع الثقافي إلى تحديات كبيرة، بل يتم أيضًا محو التاريخ المعقد لهذا البلد، لذلك فإنه من المهم أكثر من أي وقت مضى أن نتوقف ونتأمل في هويتنا ونتساءل عن سبب وصولنا إلى ما نحن عليه كدولة وشعب أمريكي.
أولًا، لا ينبغي لنا أبدًا أن ننسى أن هذا البلد وُلد مثقلًا بخطيئتين أصليتين: العبودية والإبادة الجماعية. تسعى الإدارة الحالية في واشنطن إلى إعادة كتابة تاريخنا من خلال حذف أي إشارة إلى تلك الأحداث والممارسات السلبية التي طبعت ماضينا، والتركيز بدلًا من ذلك على «عظمة وجدّية» مؤسسينا و«انتصاراتهم المجيدة».
وفي الواقع، فإنه ما كانت لتوجد أمريكا لولا الثروة الفائضة التي خلقها عمل المستعبدين في جميع أنحاء الجنوب والثروات التي تراكمت لدى أولئك الذين استفادوا من سرقة أراضي السكان الأصليين.
ولا ينبغي أن ننسى (على الرغم من أن الأمر يُنسى) أن إعلان الاستقلال يذكر أحد أسباب حرب الاستقلال ضد الإمبراطورية البريطانية وهو تظلم المستوطنين الأمريكيين من أن الملك جورج لم يدافع عنهم ضد «الهنود المتوحشين عديمي الرحمة»، الذين كانوا يقاومون أخذ أراضيهم منهم.
وبالطبع، فقد خضنا حرباً أهلية ليس لإنهاء الممارسة البشعة للعبودية البشرية، ولكن لكبح جماح قوة واستقلال الولايات الجنوبية الانفصالية التي كانت تكدس الثروات من استغلال العبيد.
ومع نمو البلاد ودخولنا العصر الصناعي، أصبحت الحاجة إلى بناء البنية التحتية لنقل الأشخاص والبضائع، واستخراج الفحم لتوليد الطاقة، وتشغيل المصانع، تفتح الأبواب أمام مهاجرين جدد من بلدان بعيدة.
لقد قام الصينيون ببناء خطوط السكك الحديدية؛ وحفر الأيرلنديون القنوات؛ وعمل الأيرلنديون وسكان أوروبا الشرقية والوسطى في المناجم، وانضم إليهم في المناجم والمصانع الإيطاليون واليونانيون والعرب.
وعلى الرغم من أن هؤلاء المهاجرين الجدد كانوا ضروريين لنمو أمريكا وازدهارها، إلا أن وجودهم وأعدادهم المتزايدة وثقافاتهم الفريدة أثارت رد فعل عنيف بين المستوطنين الأوروبيين الشماليين الغربيين الأوائل الذين كانوا يرون أنفسهم على أنهم الأمريكيون الأصليون و«الحقيقيون».
لقد تعرض «المهاجرون الجدد» للإهانة والتمييز والعنف من قبل الدولة والجماعات المسلحة. وللأسف، نشهد اليوم نفس نمط السلوكيات يتكرر مع تعامل الأمريكيين مع أحدث المهاجرين.
في ورقة بحثية رائعة كتبها قبل خمسة عشر عاماً لمركز سياسات الهجرة، يتناول جيفري كاي تاريخ الهجرة في إحدى مدن ولاية بنسلفانيا، حيث يشير إلى أنه عندما بدأ الإيرلنديون والإيطاليون وسكان أوروبا الشرقية والوسطى بالانتقال إلى المجتمع، وصفت مقالات الصحف وخطابات أعضاء مجلس المدينة الإيرلنديين بأنهم «سكارى»، والسلاف بأنهم «غريبو الأطوار»، والمجريين بأنهم «جاهلون وغير أخلاقيين وقذرون»، والإيطاليين بأنهم «الأكثر سوء سمعة».
لقد تعرض الجميع للسخرية والازدراء بسبب «لغاتهم الغريبة» وعدم انسجامهم مع المجتمع. أما المفارقة المأساوية فهي أنه بعد قرن من الزمان، يقول أحفاد هذه المجموعات نفسها ذات الأشياء عن أحدث المهاجرين الذين كانوا في الغالب من دول أمريكا اللاتينية.
وفي خضم هذا التاريخ من التكرار البائس، تم نسيان الدروس التي كان ينبغي أن نتعلمها والفوائد التي جنيناها على مدى هذه السنين. نعلم الآن أن المستوطنين الإنجليز الأوائل في نيويورك والمستعمرات الشرقية قد تعلموا دروسًا في الحكم والزراعة من السكان الأصليين، ومع ذلك فقد أطلقوا عليهم وصف «المتوحشين».
نحن نعلم أن العمل الشاق، من دون أجر، هو ما جلب الثروة لملاك الأراضي البيض في الجنوب، الذين مع ذلك كانوا يحتقرون السود ويصفونهم بالكسل والخمول. وينطبق الشيء نفسه إلى حد كبير على مهاجري العصر الصناعي.
على الرغم من التعصب والعنف الذي عانوا منه، يمكننا أن نسأل: «أين كانت ستكون أمريكا اليوم لولا العمل الجاد والإبداع الذي أبدته هذه المجتمعات المهاجرة؟».
علاوة على ذلك، ماذا سيكون الطعام الأمريكي، والأزياء، والموسيقى، والفن، والفكاهة، والأدب، والدبلوماسية، وغير ذلك الكثير بدون مساهمات الأمريكيين من أصل إفريقي، والمهاجرين الصينيين، والإيطاليين، واليونانيين، والبولنديين، والإيرلنديين، واليهود، واللاتينيين، والعرب، وغيرهم كثيرون؟
لذلك يجب ألا ننسى أبدًا أن ما يجعل الولايات المتحدة الأمريكية دولة عظيمة هو تنوعها وقدرتها على استيعاب هذا الكم الهائل من الشعوب والثقافات. إن ما يهدد الولايات المتحدة الأمريكية هو نسيان ذلك والسعي عبثًا إلى تزييف تاريخها وتبييض ثقافتها.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك