العدد : ١٧٦٢٠ - السبت ٢٠ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢٠ - السبت ٢٠ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

قضايا الهجرة تثير الجدل في الولايات المتحدة الأمريكية

بقلم: د. جيمس زغبي {

السبت ٢٠ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

تحتفي‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬يونيو‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬سنة‭ ‬بشهر‭ ‬التراث‭ ‬الوطني‭ ‬للهجرة،‭ ‬وهي‭ ‬مناسبة‭ ‬مهمة‭ ‬للاحتفال‭ ‬بالشعوب‭ ‬والثقافات‭ ‬المتنوعة‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬دولة‭ ‬عظيمة‭.‬

تتعرض‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬مسألة‭ ‬الهجرة‭ ‬والتنوع‭ ‬الثقافي‭ ‬إلى‭ ‬تحديات‭ ‬كبيرة،‭ ‬بل‭ ‬يتم‭ ‬أيضًا‭ ‬محو‭ ‬التاريخ‭ ‬المعقد‭ ‬لهذا‭ ‬البلد،‭ ‬لذلك‭ ‬فإنه‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭ ‬أن‭ ‬نتوقف‭ ‬ونتأمل‭ ‬في‭ ‬هويتنا‭ ‬ونتساءل‭ ‬عن‭ ‬سبب‭ ‬وصولنا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬نحن‭ ‬عليه‭ ‬كدولة‭ ‬وشعب‭ ‬أمريكي‭.‬

أولًا،‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬لنا‭ ‬أبدًا‭ ‬أن‭ ‬ننسى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬وُلد‭ ‬مثقلًا‭ ‬بخطيئتين‭ ‬أصليتين‭: ‬العبودية‭ ‬والإبادة‭ ‬الجماعية‭. ‬تسعى‭ ‬الإدارة‭ ‬الحالية‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬كتابة‭ ‬تاريخنا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حذف‭ ‬أي‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الأحداث‭ ‬والممارسات‭ ‬السلبية‭ ‬التي‭ ‬طبعت‭ ‬ماضينا،‭ ‬والتركيز‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬‮«‬عظمة‭ ‬وجدّية‮»‬‭ ‬مؤسسينا‭ ‬و«انتصاراتهم‭ ‬المجيدة‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬الواقع،‭ ‬فإنه‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬لتوجد‭ ‬أمريكا‭ ‬لولا‭ ‬الثروة‭ ‬الفائضة‭ ‬التي‭ ‬خلقها‭ ‬عمل‭ ‬المستعبدين‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬الجنوب‭ ‬والثروات‭ ‬التي‭ ‬تراكمت‭ ‬لدى‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬استفادوا‭ ‬من‭ ‬سرقة‭ ‬أراضي‭ ‬السكان‭ ‬الأصليين‭.‬

ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬ننسى‭ (‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬يُنسى‭) ‬أن‭ ‬إعلان‭ ‬الاستقلال‭ ‬يذكر‭ ‬أحد‭ ‬أسباب‭ ‬حرب‭ ‬الاستقلال‭ ‬ضد‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬البريطانية‭ ‬وهو‭ ‬تظلم‭ ‬المستوطنين‭ ‬الأمريكيين‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الملك‭ ‬جورج‭ ‬لم‭ ‬يدافع‭ ‬عنهم‭ ‬ضد‭ ‬‮«‬الهنود‭ ‬المتوحشين‭ ‬عديمي‭ ‬الرحمة‮»‬،‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يقاومون‭ ‬أخذ‭ ‬أراضيهم‭ ‬منهم‭.‬

وبالطبع،‭ ‬فقد‭ ‬خضنا‭ ‬حرباً‭ ‬أهلية‭ ‬ليس‭ ‬لإنهاء‭ ‬الممارسة‭ ‬البشعة‭ ‬للعبودية‭ ‬البشرية،‭ ‬ولكن‭ ‬لكبح‭ ‬جماح‭ ‬قوة‭ ‬واستقلال‭ ‬الولايات‭ ‬الجنوبية‭ ‬الانفصالية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تكدس‭ ‬الثروات‭ ‬من‭ ‬استغلال‭ ‬العبيد‭.‬

ومع‭ ‬نمو‭ ‬البلاد‭ ‬ودخولنا‭ ‬العصر‭ ‬الصناعي،‭ ‬أصبحت‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬لنقل‭ ‬الأشخاص‭ ‬والبضائع،‭ ‬واستخراج‭ ‬الفحم‭ ‬لتوليد‭ ‬الطاقة،‭ ‬وتشغيل‭ ‬المصانع،‭ ‬تفتح‭ ‬الأبواب‭ ‬أمام‭ ‬مهاجرين‭ ‬جدد‭ ‬من‭ ‬بلدان‭ ‬بعيدة‭.‬

لقد‭ ‬قام‭ ‬الصينيون‭ ‬ببناء‭ ‬خطوط‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية؛‭ ‬وحفر‭ ‬الأيرلنديون‭ ‬القنوات؛‭ ‬وعمل‭ ‬الأيرلنديون‭ ‬وسكان‭ ‬أوروبا‭ ‬الشرقية‭ ‬والوسطى‭ ‬في‭ ‬المناجم،‭ ‬وانضم‭ ‬إليهم‭ ‬في‭ ‬المناجم‭ ‬والمصانع‭ ‬الإيطاليون‭ ‬واليونانيون‭ ‬والعرب‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬المهاجرين‭ ‬الجدد‭ ‬كانوا‭ ‬ضروريين‭ ‬لنمو‭ ‬أمريكا‭ ‬وازدهارها،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬وجودهم‭ ‬وأعدادهم‭ ‬المتزايدة‭ ‬وثقافاتهم‭ ‬الفريدة‭ ‬أثارت‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬عنيف‭ ‬بين‭ ‬المستوطنين‭ ‬الأوروبيين‭ ‬الشماليين‭ ‬الغربيين‭ ‬الأوائل‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يرون‭ ‬أنفسهم‭ ‬على‭ ‬أنهم‭ ‬الأمريكيون‭ ‬الأصليون‭ ‬و«الحقيقيون‮»‬‭.‬

لقد‭ ‬تعرض‭ ‬‮«‬المهاجرون‭ ‬الجدد‮»‬‭ ‬للإهانة‭ ‬والتمييز‭ ‬والعنف‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الدولة‭ ‬والجماعات‭ ‬المسلحة‭. ‬وللأسف،‭ ‬نشهد‭ ‬اليوم‭ ‬نفس‭ ‬نمط‭ ‬السلوكيات‭ ‬يتكرر‭ ‬مع‭ ‬تعامل‭ ‬الأمريكيين‭ ‬مع‭ ‬أحدث‭ ‬المهاجرين‭.‬

في‭ ‬ورقة‭ ‬بحثية‭ ‬رائعة‭ ‬كتبها‭ ‬قبل‭ ‬خمسة‭ ‬عشر‭ ‬عاماً‭ ‬لمركز‭ ‬سياسات‭ ‬الهجرة،‭ ‬يتناول‭ ‬جيفري‭ ‬كاي‭ ‬تاريخ‭ ‬الهجرة‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬مدن‭ ‬ولاية‭ ‬بنسلفانيا،‭ ‬حيث‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬عندما‭ ‬بدأ‭ ‬الإيرلنديون‭ ‬والإيطاليون‭ ‬وسكان‭ ‬أوروبا‭ ‬الشرقية‭ ‬والوسطى‭ ‬بالانتقال‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع،‭ ‬وصفت‭ ‬مقالات‭ ‬الصحف‭ ‬وخطابات‭ ‬أعضاء‭ ‬مجلس‭ ‬المدينة‭ ‬الإيرلنديين‭ ‬بأنهم‭ ‬‮«‬سكارى‮»‬،‭ ‬والسلاف‭ ‬بأنهم‭ ‬‮«‬غريبو‭ ‬الأطوار‮»‬،‭ ‬والمجريين‭ ‬بأنهم‭ ‬‮«‬جاهلون‭ ‬وغير‭ ‬أخلاقيين‭ ‬وقذرون‮»‬،‭ ‬والإيطاليين‭ ‬بأنهم‭ ‬‮«‬الأكثر‭ ‬سوء‭ ‬سمعة‮»‬‭.‬

لقد‭ ‬تعرض‭ ‬الجميع‭ ‬للسخرية‭ ‬والازدراء‭ ‬بسبب‭ ‬‮«‬لغاتهم‭ ‬الغريبة‮»‬‭ ‬وعدم‭ ‬انسجامهم‭ ‬مع‭ ‬المجتمع‭. ‬أما‭ ‬المفارقة‭ ‬المأساوية‭ ‬فهي‭ ‬أنه‭ ‬بعد‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬الزمان،‭ ‬يقول‭ ‬أحفاد‭ ‬هذه‭ ‬المجموعات‭ ‬نفسها‭ ‬ذات‭ ‬الأشياء‭ ‬عن‭ ‬أحدث‭ ‬المهاجرين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية‭.‬

وفي‭ ‬خضم‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬من‭ ‬التكرار‭ ‬البائس،‭ ‬تم‭ ‬نسيان‭ ‬الدروس‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نتعلمها‭ ‬والفوائد‭ ‬التي‭ ‬جنيناها‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬هذه‭ ‬السنين‭. ‬نعلم‭ ‬الآن‭ ‬أن‭ ‬المستوطنين‭ ‬الإنجليز‭ ‬الأوائل‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭ ‬والمستعمرات‭ ‬الشرقية‭ ‬قد‭ ‬تعلموا‭ ‬دروسًا‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬والزراعة‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬الأصليين،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬فقد‭ ‬أطلقوا‭ ‬عليهم‭ ‬وصف‭ ‬‮«‬المتوحشين‮»‬‭.‬

نحن‭ ‬نعلم‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬الشاق،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أجر،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬جلب‭ ‬الثروة‭ ‬لملاك‭ ‬الأراضي‭ ‬البيض‭ ‬في‭ ‬الجنوب،‭ ‬الذين‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬كانوا‭ ‬يحتقرون‭ ‬السود‭ ‬ويصفونهم‭ ‬بالكسل‭ ‬والخمول‭. ‬وينطبق‭ ‬الشيء‭ ‬نفسه‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬مهاجري‭ ‬العصر‭ ‬الصناعي‭.‬

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬التعصب‭ ‬والعنف‭ ‬الذي‭ ‬عانوا‭ ‬منه،‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نسأل‭: ‬‮«‬أين‭ ‬كانت‭ ‬ستكون‭ ‬أمريكا‭ ‬اليوم‭ ‬لولا‭ ‬العمل‭ ‬الجاد‭ ‬والإبداع‭ ‬الذي‭ ‬أبدته‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات‭ ‬المهاجرة؟‮»‬‭.‬

علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬ماذا‭ ‬سيكون‭ ‬الطعام‭ ‬الأمريكي،‭ ‬والأزياء،‭ ‬والموسيقى،‭ ‬والفن،‭ ‬والفكاهة،‭ ‬والأدب،‭ ‬والدبلوماسية،‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬الكثير‭ ‬بدون‭ ‬مساهمات‭ ‬الأمريكيين‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬إفريقي،‭ ‬والمهاجرين‭ ‬الصينيين،‭ ‬والإيطاليين،‭ ‬واليونانيين،‭ ‬والبولنديين،‭ ‬والإيرلنديين،‭ ‬واليهود،‭ ‬واللاتينيين،‭ ‬والعرب،‭ ‬وغيرهم‭ ‬كثيرون؟

لذلك‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬ننسى‭ ‬أبدًا‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬دولة‭ ‬عظيمة‭ ‬هو‭ ‬تنوعها‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬هذا‭ ‬الكم‭ ‬الهائل‭ ‬من‭ ‬الشعوب‭ ‬والثقافات‭. ‬إن‭ ‬ما‭ ‬يهدد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬هو‭ ‬نسيان‭ ‬ذلك‭ ‬والسعي‭ ‬عبثًا‭ ‬إلى‭ ‬تزييف‭ ‬تاريخها‭ ‬وتبييض‭ ‬ثقافتها‭.‬

 

{‭ ‬رئيس‭ ‬المعهد‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا