العدد : ١٧٦١٩ - الجمعة ١٩ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦١٩ - الجمعة ١٩ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الاتفاق وأسباب الصدمة الإسرائيلية

بقلم: أنطوان شلحت {

الجمعة ١٩ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

سارعت‭ ‬أبواق‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو،‭ ‬إلى‭ ‬شدّ‭ ‬أزره‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالتحفظات‭ ‬على‭ ‬مذكرة‭ ‬التفاهم‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬التوصل‭ ‬إليها‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وطهران‭. ‬ويمكن‭ ‬إجمال‭ ‬هذه‭ ‬التحفظات‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬نقاط‭ ‬أساسية،‭ ‬في‭ ‬مقدّمتها‭ ‬أن‭ ‬المذكرة‭ ‬تجمِّد‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭ ‬ولا‭ ‬تفكّكه،‭ ‬فيما‭ ‬يمنح‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬وضعه‭ ‬القائم‭ ‬وتأجيل‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يتصل‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬جوهرية‭ ‬إلى‭ ‬مفاوضات‭ ‬تجري‭ ‬لاحقاً‭ ‬وتستمر‭ ‬شهرين‭ ‬إيران‭ ‬شرعية‭ ‬دولة‭ ‬عتبة‭ ‬نووية‭ (‬كما‭ ‬تعرِّفها‭ ‬إسرائيل‭)‬،‭ ‬مع‭ ‬تعزّز‭ ‬احتمال‭ ‬أن‭ ‬تتجاوز‭ ‬هذه‭ ‬العتبة‭ ‬في‭ ‬مستقبل‭ ‬منظور‭. ‬

يُضاف‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬تحفظ‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬حيال‭ ‬منح‭ ‬إيران‭ ‬عوائد‭ ‬مالية‭ ‬فورية‭ ‬ومزايا‭ ‬اقتصادية‭ ‬تنعش‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإيراني،‭ ‬وتمكّن‭ ‬طهران‭ ‬من‭ ‬امتلاك‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬المناورة‭ ‬في‭ ‬أثناء‭ ‬المفاوضات،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬إمكانية‭ ‬توجيه‭ ‬هذه‭ ‬الأموال‭ ‬نحو‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬وترميم‭ ‬قدرات‭ ‬شبكة‭ ‬حلفائها‭ ‬في‭ ‬الإقليم‭.‬

كما‭ ‬تشمل‭ ‬التحفظات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬البند‭ ‬المتعلق‭ ‬بالوقف‭ ‬الفوري‭ ‬والشامل‭ ‬للعمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الجبهات،‭ ‬بما‭ ‬يشمل‭ ‬الساحة‭ ‬اللبنانية‭. ‬ووفقاً‭ ‬للتحليلات‭ ‬في‭ ‬إسرائيل،‭ ‬يصطدم‭ ‬هذا‭ ‬البند‭ ‬مباشرة‭ ‬بالاستراتيجية‭ ‬الحالية‭ ‬للحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭.‬

لذا‭ ‬سارع‭ ‬نتنياهو‭ ‬إلى‭ ‬إعلان‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬غير‭ ‬ملزمة‭ ‬به،‭ ‬وستظلّ‭ ‬متمسّكة‭ ‬بالإبقاء‭ ‬على‭ ‬قوات‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬ذات‭ ‬خطوط‭ ‬أمنية‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬لبنان‭ ‬وقطاع‭ ‬غزّة‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬سقف‭ ‬زمني،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تشديده‭ ‬على‭ ‬التمسّك‭ ‬بمعادلة‭ ‬أمنية‭ ‬تضمن‭ ‬حرية‭ ‬حركة‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬عبر‭ ‬الحدود‭.‬

ما‭ ‬تروجه‭ ‬أوساط‭ ‬نتنياهو‭ ‬أن‭ ‬الأخير‭ ‬صاحب‭ ‬خبرة‭ ‬عميقة‭ ‬بالساحة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ولديه‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬المناورة‭ ‬والتأثير‭ ‬في‭ ‬بنود‭ ‬الاتفاق‭ ‬الذي‭ ‬ستؤول‭ ‬إليه‭ ‬مذكرة‭ ‬التفاهم‭ ‬خلال‭ ‬الـ‭ ‬60‭ ‬يوماً‭ ‬المقبلة‭. ‬بموازاة‭ ‬هذا،‭ ‬صبّت‭ ‬هذه‭ ‬الأوساط‭ ‬جام‭ ‬غضبها‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬وصفتها‭ ‬بأنها‭ ‬سياسة‭ ‬براغماتية‭ ‬صادمة‭ ‬للرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭.‬

وفي‭ ‬مقابل‭ ‬هذه‭ ‬الأوساط،‭ ‬ثمة‭ ‬من‭ ‬حمّل‭ ‬نتنياهو‭ ‬المسؤولية‭ ‬المباشرة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬المآل،‭ ‬حيث‭ ‬اعتبره‭ ‬بعضهم‭ ‬بمثابة‭ ‬هزيمة‭ ‬سياسية‭ ‬مدوية‭ ‬لإسرائيل‭ ‬وفشل‭ ‬استراتيجي‭ ‬لحكومته‭ ‬التي‭ ‬راهنت‭ ‬على‭ ‬ديمومة‭ ‬الصدام‭ ‬بين‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬وإيران‭.‬

ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نعيد‭ ‬إلى‭ ‬الأذهان‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬فرضية‭ ‬الهزيمة‭ ‬السياسية‭ ‬والفشل‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬ترافق‭ ‬بعض‭ ‬الطروحات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬منذ‭ ‬فترة،‭ ‬وتواترت‭ ‬في‭ ‬جديد‭ ‬تجليّاتها‭ ‬مع‭ ‬إصدار‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬الماضي‭ ‬وثيقة‭ ‬‮«‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬الجديدة‭ ‬لمكافحة‭ ‬الإرهاب‮»‬،‭ ‬والتي‭ ‬اشتملت‭ ‬على‭ ‬تحوّلات‭ ‬أثارت‭ ‬قدراً‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬أو‭ ‬المفاجأة‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬تقديرات‭ ‬الموقف‭ ‬الإسرائيلية‭.‬

ووفقاً‭ ‬لما‭ ‬تردّد‭ ‬في‭ ‬تقديرات‭ ‬الموقف‭ ‬هذه،‭ ‬نجم‭ ‬مكمن‭ ‬القلق‭ ‬عن‭ ‬تغيّرات‭ ‬هيكلية‭ ‬لم‭ ‬تتوقعها‭ ‬إسرائيل،‭ ‬منها‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬الأولويات‭ ‬الجغرافية‭ ‬والأمنية‭ ‬وسط‭ ‬تراجع‭ ‬أولوية‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬فقد‭ ‬أعلنت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الجديدة‭ ‬صراحة‭ ‬تحولا‭ ‬رئيسيا‭ ‬نحو‭ ‬‮«‬نصف‭ ‬الكرة‭ ‬الغربي‮»‬‭ ‬لتركيز‭ ‬الموارد‭ ‬العسكرية‭ ‬والاستخباراتية‭ ‬ضد‭ ‬كارتيلات‭ ‬المخدرات‭ ‬والعصابات‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭ ‬بعد‭ ‬تصنيفها‭ ‬منظمات‭ ‬إرهابية‭ ‬أجنبية‭.‬

‭ ‬وجرى‭ ‬تبرير‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬بنمو‭ ‬إنتاج‭ ‬النفط‭ ‬المحلي‭ ‬الأمريكي‭ ‬وتزايد‭ ‬الاكتفاء‭ ‬الذاتي‭ ‬من‭ ‬الطاقة،‭ ‬ما‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬الارتباط‭ ‬العضوي‭ ‬للأمن‭ ‬القومي‭ ‬الأمريكي‭ ‬اليومي‭ ‬بتقلبات‭ ‬المنطقة‭. ‬وهذا‭ ‬يعني،‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬إسرائيل،‭ ‬تقليص‭ ‬حجم‭ ‬الموارد‭ ‬والأصول‭ ‬المتاحة‭ ‬لمكافحة‭ ‬‮«‬الإرهاب‭ ‬التقليدي‮»‬‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬تخشى‭ ‬إسرائيل‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ثغرات‭ ‬استخباراتية‭ ‬أو‭ ‬تراجع‭ ‬في‭ ‬الدعم‭ ‬الميداني‭ ‬المباشر‭.‬

وركزت‭ ‬الوثيقة‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬على‭ ‬تهديدات‭ ‬الداخل‭ ‬الأمريكي،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬رغبة‭ ‬واشنطن‭ ‬في‭ ‬الانكفاء‭ ‬داخلياً‭ ‬واستخدام‭ ‬أدوات‭ ‬مكافحة‭ ‬الإرهاب‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬سياسية‭ ‬ومحلية،‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الانخراط‭ ‬الواسع‭ ‬في‭ ‬صراعات‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الممتدة‭.‬

وجاء‭ ‬في‭ ‬خلاصة‭ ‬تقديرات‭ ‬الموقف‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تتوقع‭ ‬هذه‭ ‬الرغبة‭ ‬الواضحة‭ ‬من‭ ‬واشنطن‭ ‬في‭ ‬تخفيف‭ ‬الأحمال‭ ‬عن‭ ‬كاهلها‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬ونقل‭ ‬الموارد‭ ‬لمواجهة‭ ‬الكارتيلات‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية‭ ‬والتهديدات‭ ‬المحلية،‭ ‬ما‭ ‬يضع‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬إسرائيل‭ ‬مسؤولية‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬إيران‭ ‬وأذرعها‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬عبر‭ ‬مبدأ‭ ‬الاعتماد‭ ‬الذاتي‭.‬

 

{‭ ‬كاتب‭ ‬وباحث‭ ‬فلسطيني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا