أكبر خطأ نرتكبه الآن هو افتراض أنه بنهاية الحرب الجارية، فإن الأمور ستعود إلى أحوالها السابقة، أو بتغييرات بسيطة هنا وهناك.
هذا خطأ معروف في علم النفس باسم «Normalcy Bias» (وبالعربية «انحياز الوضع الطبيعي») حيث يتجه تفكير الإنسان إلى افتراض أن بنهاية ظروف طارئة معينة فإن الأمور ستعود إلى وضعها السابق «الطبيعي». وفي علم المنطق هناك ما يسمى منهج «Retrofuturism» (وترجمته الثقيلة على السمع «المستقبلية الرجعية») الذي يفترض أن المستقبل سيكون عمومًا شبه الماضي. وأيضًا « straight-line projection fallacy» (ترجمة أثقل: «مغالطة الإسقاط الخطى المستمر») لوصف الخطأ الشائع الذي نقع فيه حينما نفترض أن أحداث الحياة تسلك خطوطًا مستقيمة تعترضها فقط الظروف الطارئة والمؤقتة.
كل هذا له صدى في التحليلات والتوقعات المنتشرة لما سيحدث لمنطقتنا حينما تنتهي الحرب ويعاد فتح مضيق هرمز. وفي تقديري أن العالم ومنطقة الشرق الأوسط بالذات مقبلان على تغييرات هائلة، سواء كانت بسبب الحرب ذاتها أم أنها كانت حادثة في كل الأحوال، وجاءت الحرب لتسرع بها أو تكشف عنها.
ولنبدأ بافتراض أن اتفاقًا للتسوية قد أُبرم بالفعل خلال الأيام المقبلة متضمنًا نهاية العمليات العسكرية بين أمريكا وإيران وفتح مضيق هرمز، ولنفترض أيضًا أن الاتفاق صمد ولم يتعرض لاختراقات بين طرفيه الأساسيين. فهل معنى هذا العودة لما كان «طبيعيًا» من قبل؟ بالتأكيد لا، وإليكم بعض الأسباب الرئيسية: مبدئيًا فإن توقيع اتفاق تسوية لا يعنى نهاية العداوة بين الطرفين، بل احتياج كل منهما لهدنة ولادعاء تحقيق نصر يحتاج إليه سياسيًا.
ولنا في اتفاق غزة عبرة، حيث توقف القصف الإسرائيلي المكثف، ولكن بقي الاحتلال والاغتيال والحصار والوضع الإنساني المتأزم. كذلك حتى لو تحققت هدنة وتسوية بين أمريكا وإيران فإنها لن تكون ملزمة لإسرائيل، لا بالنسبة إلى إيران ولا غزة ولا لبنان، حيث تصاعد عدوانها بشكل محموم في الأيام الأخيرة ومعه «تمثيلية» الخلاف بين الرئيس الأمريكي ورئيس الحكومة الإسرائيلية على قصف بيروت. فالرسالة واضحة: ما تتفق عليه أمريكا لا يُلزم إسرائيل في كل الأحوال. أما من الناحية الاقتصادية، فإن هناك فارقًا كبيرًا مع عودة الملاحة لمضيق هرمز، وتدفق البترول والغاز الطبيعي من خلاله.
إن التقديرات الفنية المنشورة تقدر أن الملاحة الطبيعية قد يمكن استئنافها بعد خمسة إلى ستة أسابيع من اتفاق التسوية، بينما تقديرات إصلاح وتجديد المنشآت البترولية في إيران ودول الخليج ما لا يقل عن خمسة أعوام. ومعنى هذا أن على العالم التعايش مع أسعار مرتفعة للنفط والغاز الطبيعي سنوات عديدة قادمة، ومعها تضخم مستمر وأسعار فائدة مرتفعة ومخاطر ركود لا يمكن تجاهلها. وأخيرًا وليس آخرًا من الناحية السياسية فلا أتصور ألا تكون للحرب وتداعياتها آثار بعيدة المدى على كل بلدان المنطقة.
المجتمع الإسرائيلي حتمًا سوف يعيد فتح صفحة ما جرى ومحاسبة قياداته، ليس على قصف إيران، وإنما على حرب الإبادة في غزة التي جعلت إسرائيل بلدًا مكروهًا في مختلف أنحاء العالم، وخاصة بين الأجيال الشابة.
وإيران الخارجة من الحرب أضعف عسكريًا وتحاول ادعاء الانتصار، سوف يلزم عليها مواجهة مجتمع كان يشهد بدايات تغير سياسي واجتماعي، وأتصور أن يرى حراكًا داخليًا مرة أخرى ولو بعد حين.
أما دول الخليج العربي فلديها الكثير من الدروس والتفكير والتأمل وإعادة الحسابات والتحالفات، بعضها بات واضحًا بالفعل. عالم ما قبل الحرب قد انتهى، وسوف تحل محله معطيات جديدة، ومخاطر كثيرة، وظروف اقتصادية متقلبة، وتحالفات سياسية غير واضحة، وربما فرص جديدة.
{ خبير قانوني واقتصادي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك