العدد : ١٧٦٢٠ - السبت ٢٠ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢٠ - السبت ٢٠ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

ما بعد الحرب.. عالم جديد مختلف تماما

بقلم: د. زياد بهاء الدين {

السبت ٢٠ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

أكبر‭ ‬خطأ‭ ‬نرتكبه‭ ‬الآن‭ ‬هو‭ ‬افتراض‭ ‬أنه‭ ‬بنهاية‭ ‬الحرب‭ ‬الجارية،‭ ‬فإن‭ ‬الأمور‭ ‬ستعود‭ ‬إلى‭ ‬أحوالها‭ ‬السابقة،‭ ‬أو‭ ‬بتغييرات‭ ‬بسيطة‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭.‬

هذا‭ ‬خطأ‭ ‬معروف‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬Normalcy‭ ‬Bias‮»‬‭ (‬وبالعربية‭ ‬‮«‬انحياز‭ ‬الوضع‭ ‬الطبيعي‮»‬‭) ‬حيث‭ ‬يتجه‭ ‬تفكير‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬افتراض‭ ‬أن‭ ‬بنهاية‭ ‬ظروف‭ ‬طارئة‭ ‬معينة‭ ‬فإن‭ ‬الأمور‭ ‬ستعود‭ ‬إلى‭ ‬وضعها‭ ‬السابق‭ ‬‮«‬الطبيعي‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬علم‭ ‬المنطق‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬منهج‭ ‬‮«‬Retrofuturism‮»‬‭ (‬وترجمته‭ ‬الثقيلة‭ ‬على‭ ‬السمع‭ ‬‮«‬المستقبلية‭ ‬الرجعية‮»‬‭) ‬الذي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬المستقبل‭ ‬سيكون‭ ‬عمومًا‭ ‬شبه‭ ‬الماضي‭. ‬وأيضًا‭ ‬‮«‬‭ ‬straight‭-‬line‭ ‬projection‭ ‬fallacy‮»‬‭ (‬ترجمة‭ ‬أثقل‭: ‬‮«‬مغالطة‭ ‬الإسقاط‭ ‬الخطى‭ ‬المستمر‮»‬‭) ‬لوصف‭ ‬الخطأ‭ ‬الشائع‭ ‬الذي‭ ‬نقع‭ ‬فيه‭ ‬حينما‭ ‬نفترض‭ ‬أن‭ ‬أحداث‭ ‬الحياة‭ ‬تسلك‭ ‬خطوطًا‭ ‬مستقيمة‭ ‬تعترضها‭ ‬فقط‭ ‬الظروف‭ ‬الطارئة‭ ‬والمؤقتة‭.‬

كل‭ ‬هذا‭ ‬له‭ ‬صدى‭ ‬في‭ ‬التحليلات‭ ‬والتوقعات‭ ‬المنتشرة‭ ‬لما‭ ‬سيحدث‭ ‬لمنطقتنا‭ ‬حينما‭ ‬تنتهي‭ ‬الحرب‭ ‬ويعاد‭ ‬فتح‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭. ‬وفي‭ ‬تقديري‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬ومنطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بالذات‭ ‬مقبلان‭ ‬على‭ ‬تغييرات‭ ‬هائلة،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬بسبب‭ ‬الحرب‭ ‬ذاتها‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬حادثة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأحوال،‭ ‬وجاءت‭ ‬الحرب‭ ‬لتسرع‭ ‬بها‭ ‬أو‭ ‬تكشف‭ ‬عنها‭.‬

ولنبدأ‭ ‬بافتراض‭ ‬أن‭ ‬اتفاقًا‭ ‬للتسوية‭ ‬قد‭ ‬أُبرم‭ ‬بالفعل‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬المقبلة‭ ‬متضمنًا‭ ‬نهاية‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬بين‭ ‬أمريكا‭ ‬وإيران‭ ‬وفتح‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬ولنفترض‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬الاتفاق‭ ‬صمد‭ ‬ولم‭ ‬يتعرض‭ ‬لاختراقات‭ ‬بين‭ ‬طرفيه‭ ‬الأساسيين‭. ‬فهل‭ ‬معنى‭ ‬هذا‭ ‬العودة‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬‮«‬طبيعيًا‮»‬‭ ‬من‭ ‬قبل؟‭ ‬بالتأكيد‭ ‬لا،‭ ‬وإليكم‭ ‬بعض‭ ‬الأسباب‭ ‬الرئيسية‭: ‬مبدئيًا‭ ‬فإن‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاق‭ ‬تسوية‭ ‬لا‭ ‬يعنى‭ ‬نهاية‭ ‬العداوة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين،‭ ‬بل‭ ‬احتياج‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬لهدنة‭ ‬ولادعاء‭ ‬تحقيق‭ ‬نصر‭ ‬يحتاج‭ ‬إليه‭ ‬سياسيًا‭.‬

ولنا‭ ‬في‭ ‬اتفاق‭ ‬غزة‭ ‬عبرة،‭ ‬حيث‭ ‬توقف‭ ‬القصف‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬المكثف،‭ ‬ولكن‭ ‬بقي‭ ‬الاحتلال‭ ‬والاغتيال‭ ‬والحصار‭ ‬والوضع‭ ‬الإنساني‭ ‬المتأزم‭. ‬كذلك‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬تحققت‭ ‬هدنة‭ ‬وتسوية‭ ‬بين‭ ‬أمريكا‭ ‬وإيران‭ ‬فإنها‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬ملزمة‭ ‬لإسرائيل،‭ ‬لا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬إيران‭ ‬ولا‭ ‬غزة‭ ‬ولا‭ ‬لبنان،‭ ‬حيث‭ ‬تصاعد‭ ‬عدوانها‭ ‬بشكل‭ ‬محموم‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة‭ ‬ومعه‭ ‬‮«‬تمثيلية‮»‬‭ ‬الخلاف‭ ‬بين‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬ورئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬قصف‭ ‬بيروت‭. ‬فالرسالة‭ ‬واضحة‭: ‬ما‭ ‬تتفق‭ ‬عليه‭ ‬أمريكا‭ ‬لا‭ ‬يُلزم‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأحوال‭. ‬أما‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬فإن‭ ‬هناك‭ ‬فارقًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬مع‭ ‬عودة‭ ‬الملاحة‭ ‬لمضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬وتدفق‭ ‬البترول‭ ‬والغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬من‭ ‬خلاله‭.‬

إن‭ ‬التقديرات‭ ‬الفنية‭ ‬المنشورة‭ ‬تقدر‭ ‬أن‭ ‬الملاحة‭ ‬الطبيعية‭ ‬قد‭ ‬يمكن‭ ‬استئنافها‭ ‬بعد‭ ‬خمسة‭ ‬إلى‭ ‬ستة‭ ‬أسابيع‭ ‬من‭ ‬اتفاق‭ ‬التسوية،‭ ‬بينما‭ ‬تقديرات‭ ‬إصلاح‭ ‬وتجديد‭ ‬المنشآت‭ ‬البترولية‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬خمسة‭ ‬أعوام‭. ‬ومعنى‭ ‬هذا‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬التعايش‭ ‬مع‭ ‬أسعار‭ ‬مرتفعة‭ ‬للنفط‭ ‬والغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬سنوات‭ ‬عديدة‭ ‬قادمة،‭ ‬ومعها‭ ‬تضخم‭ ‬مستمر‭ ‬وأسعار‭ ‬فائدة‭ ‬مرتفعة‭ ‬ومخاطر‭ ‬ركود‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهلها‭. ‬وأخيرًا‭ ‬وليس‭ ‬آخرًا‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬السياسية‭ ‬فلا‭ ‬أتصور‭ ‬ألا‭ ‬تكون‭ ‬للحرب‭ ‬وتداعياتها‭ ‬آثار‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬بلدان‭ ‬المنطقة‭.‬

المجتمع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬حتمًا‭ ‬سوف‭ ‬يعيد‭ ‬فتح‭ ‬صفحة‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬ومحاسبة‭ ‬قياداته،‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬قصف‭ ‬إيران،‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬إسرائيل‭ ‬بلدًا‭ ‬مكروهًا‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬وخاصة‭ ‬بين‭ ‬الأجيال‭ ‬الشابة‭. ‬

وإيران‭ ‬الخارجة‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬أضعف‭ ‬عسكريًا‭ ‬وتحاول‭ ‬ادعاء‭ ‬الانتصار،‭ ‬سوف‭ ‬يلزم‭ ‬عليها‭ ‬مواجهة‭ ‬مجتمع‭ ‬كان‭ ‬يشهد‭ ‬بدايات‭ ‬تغير‭ ‬سياسي‭ ‬واجتماعي،‭ ‬وأتصور‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬حراكًا‭ ‬داخليًا‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬ولو‭ ‬بعد‭ ‬حين‭.‬

أما‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬فلديها‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الدروس‭ ‬والتفكير‭ ‬والتأمل‭ ‬وإعادة‭ ‬الحسابات‭ ‬والتحالفات،‭ ‬بعضها‭ ‬بات‭ ‬واضحًا‭ ‬بالفعل‭. ‬عالم‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬قد‭ ‬انتهى،‭ ‬وسوف‭ ‬تحل‭ ‬محله‭ ‬معطيات‭ ‬جديدة،‭ ‬ومخاطر‭ ‬كثيرة،‭ ‬وظروف‭ ‬اقتصادية‭ ‬متقلبة،‭ ‬وتحالفات‭ ‬سياسية‭ ‬غير‭ ‬واضحة،‭ ‬وربما‭ ‬فرص‭ ‬جديدة‭.‬

 

{‭ ‬خبير‭ ‬قانوني‭ ‬واقتصادي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا