العدد : ١٧٦٢٢ - الاثنين ٢٢ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢٢ - الاثنين ٢٢ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

هل يتجه المشروع الصهيوني نحو الانحسار؟

بقلم: د. مروان المعشّر {

السبت ٢٠ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

قد‭ ‬يبدو‭ ‬هذا‭ ‬العنوان‭ ‬حالمًا‭ ‬ومغايرًا‭ ‬للواقع،‭ ‬وخاصةً‭ ‬أننا‭ ‬نشهد‭ ‬إصرارا‭ ‬من‭ ‬القيادة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬إبقاء‭ ‬هيمنة‭ ‬إسرائيلية‭ ‬عسكرية‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬وغطرسة‭ ‬توسّعية‭ ‬أصبحت‭ ‬إسرائيل‭ ‬تجاهر‭ ‬بها،‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬ضعف‭ ‬لواقع‭ ‬النظام‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭ ‬وغياب‭ ‬أيّ‭ ‬رادع‭ ‬دولي‭. ‬فكيف‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬انحسار‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني‭ ‬ضمن‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات؟

إنّ‭ ‬نظرة‭ ‬متأنية‭ ‬إلى‭ ‬الأمور‭ ‬قد‭ ‬تقودنا‭ ‬إلى‭ ‬استنتاجات‭ ‬مختلفة‭. ‬فواقع‭ ‬الحال‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬هيمنتها‭ ‬العسكرية‭ ‬إلى‭ ‬مشروعٍ‭ ‬سياسي‭ ‬قابل‭ ‬للاستدامة‭. ‬فمشروعها‭ ‬العسكري‭ ‬الاستيطاني‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يواجه‭ ‬رفضًا‭ ‬شعبيًا‭ ‬عربيًا‭ ‬عارمًا،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬مضي‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬ثمانين‭ ‬عامًا‭ ‬على‭ ‬إقامة‭ ‬الدولة‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬وُقعت‭ ‬معها‭. ‬وبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬تشهد‭ ‬عزلتها‭ ‬الدولية‭ ‬تعاظمًا‭ ‬مستمرًا،‭ ‬مع‭ ‬بروز‭ ‬جيلٍ‭ ‬عالمي‭ ‬جديد‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يقبل‭ ‬بالاحتلال‭ ‬أو‭ ‬بنظامٍ‭ ‬عنصري‭ ‬ينكر‭ ‬على‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬حقوقهم‭ ‬المشروعة،‭ ‬ويعمل‭ ‬على‭ ‬قتلهم‭ ‬وتهجيرهم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬وازع‭.‬

لنلقِ‭ ‬نظرةً‭ ‬أكثر‭ ‬تفصيلًا‭ ‬على‭ ‬المشروع‭ ‬السياسي‭ ‬الصهيوني‭ ‬الذي‭ ‬نادى‭ ‬به‭ ‬ثيودور‭ ‬هرتزل،‭ ‬مؤسِّس‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية،‭ ‬قبل‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬مائة‭ ‬وثلاثين‭ ‬عامًا‭.‬

فقد‭ ‬وعد‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬يهود‭ ‬العالم‭ ‬بإقامة‭ ‬دولةٍ‭ ‬يهوديةٍ‭ ‬علمانيةٍ‭ ‬ديمقراطيةٍ‭ (‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬اليهود‭) ‬في‭ ‬فلسطين،‭ ‬يعيش‭ ‬فيها‭ ‬يهود‭ ‬الشتات‭ ‬الآتون‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬بسلامٍ‭ ‬دائم‭. ‬كذلك،‭ ‬سعى‭ ‬هرتزل‭ ‬إلى‭ ‬تأكيد‭ ‬أن‭ ‬الصهيونية‭ ‬لا‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬الإضرار‭ ‬بـ«الجاليات‭ ‬غير‭ ‬اليهودية‮»‬‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭. ‬لننظر‭ ‬إلى‭ ‬أبرز‭ ‬معالم‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني‭ ‬لنقيّم‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬يسير‭ ‬نحو‭ ‬التحقُّق‭ ‬أم‭ ‬نحو‭ ‬الانحسار‭.‬

أولًا‭: ‬يهودية‭ ‬الدولة‭.. ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬إسرائيل‭ ‬اليوم‭ ‬الادّعاء‭ ‬أنها‭ ‬دولة‭ ‬يهودية‭ ‬بالمعنى‭ ‬الذي‭ ‬بشّر‭ ‬به‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني‭. ‬فإذا‭ ‬أخذنا‭ ‬بالرفض‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الرسمي‭ ‬والشعبي‭ ‬الواسع‭ ‬لحلّ‭ ‬الدولتَين،‭ ‬تواجه‭ ‬إسرائيل‭ ‬اليوم‭ ‬واقعًا‭ ‬ديموغرافيًا‭ ‬يشكّل‭ ‬فيه‭ ‬فلسطينيو‭ ‬الداخل‭ ‬والفلسطينيون‭ ‬تحت‭ ‬الاحتلال‭ ‬أغلبية‭ ‬مقارنةً‭ ‬بالإسرائيليين‭ ‬اليهود‭ (‬7.5‭ ‬ملايين‭ ‬فلسطيني‭ ‬مقابل‭ ‬7‭.‬2‭ ‬ملايين‭ ‬إسرائيلي‭ ‬يهودي‭).‬

وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬فإن‭ ‬إسرائيل‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬دولة‭ ‬يهودية‭ ‬خالصة،‭ ‬وتواجه‭ ‬عالمًا‭ ‬لن‭ ‬يقبل‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭ ‬بنظامٍ‭ ‬تحكم‭ ‬فيه‭ ‬أقلية‭ ‬يهودية‭ ‬أغلبية‭ ‬فلسطينية‭ ‬ضمن‭ ‬إطارٍ‭ ‬عنصري‭ ‬دائم‭.‬

ثانيًا‭: ‬علمانية‭ ‬الدولة‭.. ‬آمن‭ ‬الصهاينة‭ ‬المؤسِّسون‭ ‬بعلمانية‭ ‬الدولة،‭ ‬وميّزوا‭ ‬بين‭ ‬نظامٍ‭ ‬سياسي‭ ‬يعتمد‭ ‬القوانين‭ ‬الوضعية‭ ‬وبين‭ ‬يهودية‭ ‬الدولة‭ ‬باعتبار‭ ‬اليهودية،‭ ‬في‭ ‬نظرهم،‭ ‬قومية‭ ‬وليست‭ ‬مجرّد‭ ‬دين‭. ‬وقد‭ ‬حكمت‭ ‬إسرائيل‭ ‬منذ‭ ‬قيامها‭ ‬أحزابًا‭ ‬كان‭ ‬معظمها‭ ‬علمانيًا،‭ ‬فيما‭ ‬اقتصرت‭ ‬أدوار‭ ‬الأحزاب‭ ‬الدينية‭ ‬اليهودية‭ ‬في‭ ‬بدايات‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬ثانوية‭. ‬وبشكل‭ ‬عام،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الأحزاب‭ ‬القومية‭ ‬والدينية‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬انسجامٍ‭ ‬أو‭ ‬تصالحٍ‭ ‬كامل‭.‬

لكن‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬أخذ‭ ‬يتغيّر‭ ‬تدريجيًا‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬حتى‭ ‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬مرحلةٍ‭ ‬أصبح‭ ‬فيها‭ ‬للأحزاب‭ ‬الدينية‭ ‬نفوذٌ‭ ‬متزايدٌ‭ ‬بلغ‭ ‬حدّ‭ ‬التأثير‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬صنع‭ ‬القرار،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬الحكومة‭ ‬الحالية‭ ‬التي‭ ‬يقودها‭ ‬نتنياهو‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الانسجام‭ ‬بين‭ ‬الأحزاب‭ ‬القومية‭ ‬والدينية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المتطرّفة‭ ‬بلغ‭ ‬اليوم‭ ‬ذروته،‭ ‬بعدما‭ ‬أصبحت‭ ‬أهداف‭ ‬الطرفَين‭ ‬متطابقة‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬كبير‭. ‬وهكذا،‭ ‬تنحسر‭ ‬علمانية‭ ‬إسرائيل‭ ‬السياسية‭ ‬لصالح‭ ‬تديّن‭ ‬سياسي‭ ‬متزايد‭ ‬التأثير‭ ‬والحضور‭.‬

ثالثًا‭: ‬ديمقراطية‭ ‬الدولة‭.. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬إسرائيل‭ ‬يومًا‭ ‬ديمقراطية‭ ‬لجميع‭ ‬سكانها‭. ‬وبغض‭ ‬النظر‭ ‬عما‭ ‬بشّرت‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬أنها‭ ‬لن‭ ‬تمسّ‭ ‬مصالح‭ ‬‮«‬الجاليات‭ ‬غير‭ ‬اليهودية‮»‬،‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬محاولتها‭ ‬تطوير‭ ‬نموذج‭ ‬ديمقراطي‭ ‬انتقائي‭ ‬لليهود‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬العرب،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قادرةً‭ ‬اليوم‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬المحدود‭.‬

وقد‭ ‬شهدت‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬مظاهرات‭ ‬أسبوعية‭ ‬واسعة‭ ‬ضدّ‭ ‬محاولات‭ ‬الائتلاف‭ ‬الحاكم‭ ‬التلاعب‭ ‬بالنظام‭ ‬الديمقراطي‭ ‬القائم،‭ ‬وإضعاف‭ ‬منظومة‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬السلطات‭ ‬والتوازنات‭ ‬المؤسسية‭ ‬داخل‭ ‬الدولة‭. ‬إن‭ ‬ديمقراطية‭ ‬إسرائيل‭ ‬لليهود‭ ‬أنفسهم‭ ‬تشهد‭ ‬اليوم‭ ‬انحسارًا‭ ‬متزايدًا،‭ ‬لصالح‭ ‬نظامٍ‭ ‬يتّجه‭ ‬نحو‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬السلطوية‭ ‬داخليًا‭ ‬والعنصرية‭ ‬تجاه‭ ‬العرب‭.‬

رابعًا‭: ‬السلام‭ ‬والأمن‭ ‬لليهود‭ ‬داخل‭ ‬إسرائيل‭.. ‬لقد‭ ‬مضى‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬ثمانين‭ ‬عامًا‭ ‬على‭ ‬قيام‭ ‬دولة‭ ‬إسرائيل،‭ ‬ولم‭ ‬ينعم‭ ‬اليهود‭ ‬فيها‭ ‬يومًا‭ ‬بسلام‭ ‬مستدام،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬تفوّقهم‭ ‬العسكري‭ ‬الكاسح،‭ ‬واتفاقيتَي‭ ‬السلام‭ ‬مع‭ ‬مصر‭ ‬والأردن،‭ ‬إضافةً‭ ‬إلى‭ ‬الاتفاقات‭ ‬الإبراهيمية‭. ‬وقد‭ ‬أصبح‭ ‬واضحًا‭ ‬أنّ‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬لن‭ ‬ينعموا‭ ‬أبدًا‭ ‬بالسلام‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬التوصّل‭ ‬إلى‭ ‬حلٍّ‭ ‬عادلٍ‭ ‬للفلسطينيين‭.‬

بعد‭ ‬هذه‭ ‬النظرة‭ ‬التفصيلية،‭ ‬يصبح‭ ‬التساؤل‭ ‬عن‭ ‬مصير‭ ‬الحلم‭ ‬الصهيوني‭ ‬مشروعًا‭. ‬فبالرغم‭ ‬من‭ ‬استمرار‭ ‬المشروع‭ ‬الاستيطاني‭ ‬التوسّعي،‭ ‬هل‭ ‬مازال‭ ‬للصهيونية‭ ‬التي‭ ‬نادى‭ ‬بها‭ ‬هرتزل‭ ‬مستقبل؟

أزعم‭ ‬أن‭ ‬الجواب،‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬المعطيات‭ ‬السابقة،‭ ‬هو‭ ‬لا‭. ‬فقد‭ ‬بدأت‭ ‬الصهيونية‭ ‬التي‭ ‬طرحها‭ ‬هرتزل‭ ‬كحركة‭ ‬صغيرة،‭ ‬ثمّ‭ ‬نمت‭ ‬واتّسعت‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭ ‬حتى‭ ‬بلغت‭ ‬ذروتها‭.‬

لكن‭ ‬المشروع‭ ‬الذي‭ ‬وعد‭ ‬بدولة‭ ‬يهودية،‭ ‬علمانية،‭ ‬ديمقراطية،‭ ‬وآمنة‭ ‬لمواطنيها،‭ ‬يبدو‭ ‬اليوم‭ ‬أبعد‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬هذه‭ ‬الأهداف‭. ‬فإسرائيل‭ ‬تتجه‭ ‬لأن‭ ‬تكون‭ ‬أقلّ‭ ‬يهوديةً‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الديموغرافية،‭ ‬وأقلّ‭ ‬علمانيةً‭ ‬في‭ ‬نظامها‭ ‬السياسي،‭ ‬وأقلّ‭ ‬ديمقراطيةً‭ ‬في‭ ‬بنيتها‭ ‬الداخلية،‭ ‬فيما‭ ‬يبقى‭ ‬السلام‭ ‬الذي‭ ‬وُعد‭ ‬به‭ ‬اليهود‭ ‬بعيد‭ ‬المنال‭. ‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬المشاريع‭ ‬السياسية‭ ‬تُقاس‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬من‭ ‬أجلها،‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني‭ ‬قد‭ ‬نجح،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬قد‭ ‬دخل‭ ‬بالفعل‭ ‬مرحلة‭ ‬الانحسار‭.‬

 

{‭ ‬وزير‭ ‬خارجية‭ ‬الأردن‭ ‬الأسبق‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا