ثمة أسئلة تتجاوز ساحات القتال، وتشغل عقول المتخصصين، في هذه الأيام المشتعلة: حين تحتدم الحرب، وتتساقط القنابل، وتتصاعد الأعمدة الدخانية، إلى أين يتجه الناس بعيونهم وأسماعهم؟ هل يفتحون الجريدة الكبرى؟ هل يهرعون لسماع صوت المذيع الرصين؟ أم أن أصابعهم تذهب تلقائيًا نحو الهاتف، للبحث عن مقطع مجهول المصدر، أو «تغريدة» دوّنها ناشط لم يُعرّف نفسه بوضوح؟
الإجابة، بكل ما تحمله من قلق وخطر، باتت واضحة المعالم في أرقام لا تحتمل التأويل.
فقد كشف تقرير «معهد رويترز لدراسة الصحافة»، في جامعة أكسفورد، لعام 2025، الذي شمل سبعًا وأربعين دولة، أن وسائل «التواصل الاجتماعي» ومنصات الفيديو تجاوزت لأول مرة في التاريخ التلفزيونَ، باعتبارها المصدر الأول للأخبار في الولايات المتحدة؛ إذ وصلت إلى نحو أربعة وخمسين بالمائة من المستخدمين، مقابل خمسين بالمائة للتلفزيون.
وما يُعمّق خطورة المشهد أن هذه القفزة بلغت ست نقاط مئوية في سنة واحدة، وهي وتيرة فاجأت الباحثين أنفسهم. أما مركز «بيو» للأبحاث فيُوضح الصورة بتفاصيل أشد إثارة للتأمل، إذ بات ثلاثة وأربعون بالمائة من الشباب دون الثلاثين في الولايات المتحدة يستقون أخبارهم بانتظام من منصة «تيك توك» وحدها، ارتفاعًا من تسعة بالمائة في عام 2020، وهو صعود يشبه انزلاق التربة لا تحولًا تدريجيًا هادئًا.
لكن المعادلة تزداد تعقيدًا حين نُدخل في حسابنا طبيعة الحرب الإيرانية الاخيرة تحديدًا. فالمواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر ليست صراعًا ميدانيًا فحسب، بل هي معركة روايات متوازية تُخاض على شاشات الملايين في الوقت ذاته.
وقد رصدت دراسات غربية مُعتبرة كيف حوّلت إيران وسائل «التواصل الاجتماعي» إلى منظومة دعائية مُنظمة، خصصت لها ما لا يقل عن أربعمائة مليون دولار في ميزانيتها الإعلامية للسنة المالية 2024-2025، وهو رقم يُعلن بصوت مدوٍّ أن حرب الخطاب لا تقل كلفةً وجدية عن حرب الصواريخ.
وفى المقابل، خصصت الولايات المتحدة ميزانية ضخمة لتشغيل وكالاتها الإعلامية الحكومية، مستندةً في وثائقها الرسمية صراحةً إلى ضرورة «مواجهة التلاعب الإيراني بالمعلومات»، في اعتراف ضمني بأن الرواية المضادة قادرة على الوصول والتأثير.
هنا تستدعى الذاكرة مفهومي «فقاعة الفلتر» و«غرف الصدى»، اللذين صكّهما المنظر الأمريكي إيلي بارايزر منذ عقد ونيف، ليُثبت كيف تعيد خوارزميات المنصات رسم خريطة المعرفة وفق ما يهوى المستخدم لا وفق ما يجرى فعلًا.
وقد أضاف عالم القانون الأمريكي كاس سانستين، في كتابه «الجمهورية المُقسّمة»، طبقة تحليلية أعمق، حين أكد أن الديمقراطية تحتاج إلى «لقطات مشتركة»؛ أي مساحات معلوماتية يلتقي فيها المواطنون بصرف النظر عن توجهاتهم، وهو ما تهدمه المنصات بمنطقها الانتقائي.
أما مؤشرات الثقة فتزيد المشهد قتامة: فقد كشف مركز «بيو» أن ستة وخمسين بالمائة من الأمريكيين يحتفظون بقدر من الثقة في المؤسسات الإخبارية الوطنية، غير أن هذه النسبة تراجعت بعشرين نقطة مئوية منذ عام 2016، والأخطر أن الشباب باتوا يمنحون وسائل «التواصل الاجتماعي» ثقةً موازية لثقتهم في المؤسسات الإخبارية العريقة.
فما الذي يعنيه كل هذا في خضم صراع كالذي تشهده المنطقة؟ يعنى ببساطة أن مواطنًا عاديًا يتابع الحرب الإيرانية قد يُشكّل رأيه بالكامل عبر مقاطع مجتزأة متواترة، و«تغريدات» مجهولة المصدر، وحسابات مدعومة بخلفيات أيديولوجية.
والنتيجة ليست جهلًا خامًا بل هي أخطر: يقين مبني على زيف مُحكم، أي انطباع راسخ بالمعرفة في غياب المعرفة الحقيقية.
ولم يتوقف المفكرون عند تشخيص الظاهرة بل انتقلوا إلى استشراف مآلاتها. فمبادرة «بيو- نايت»، التي أطلقت مشروعًا بحثيًا عام 2024، لدراسة تأثير تحولات الإعلام على الديمقراطية، توصلت إلى أن كثيرًا من الأمريكيين يرون أن هناك معلومات صحيحة في مكان ما، لكنهم باتوا يشكّون في كل نظام مؤسسي؛ سواء كان مؤسسة تعليمية أو جهاز إعلام، وهو ما يُقوّض الثقة الجماعية لا في مصدر بعينه بل في فكرة المصدر الموثوق ذاتها.
وفى الحالة العربية، تعكس الدراسات الميدانية نمطًا مركبًا لا يخلو من التناقض. فبينما تتزايد كثافة استخدام وسائل «التواصل الاجتماعي» كمصدر أول للأخبار، لا تزال هناك درجة من الاعتماد على الوسائل التقليدية كمرجعية للتحقق.
لكن كثيرًا من الدراسات المنشورة تفيد بأن نسبة تلقي الشباب خصوصًا للأخبار عبر الوسائط الجديدة في ازدياد مُطرد، وهو الأمر الذي يثير القلق من مخاطر التضليل والتزييف.
هذا التداخل يعكس مرحلة انتقالية في علاقة الجمهور بالخبر، مرحلة لا تُحسم فيها المرجعيات بشكل نهائي، بل تتعايش فيها أنماط مختلفة من مصادر المعرفة. فالجمهور العربي، مثل غيره، يعيش بين سرعة المنصة الاجتماعية التي تقدم الحدث في لحظته الأولى، وثقل المؤسسة الصحفية التي تمنح الحدث سياقه ومعناه.
في المحصلة، ثمة مفارقة قاسية تطبع هذه الحرب؛ مفادها أنها أكثر حروب التاريخ توثيقًا وأشدها غموضًا في الآن ذاته. فبينما تتكاثر المعلومات وتتزاحم حتى يختنق الهواء بها، يتضاءل الفهم ويشحّ اليقين.
والمأساة الحقيقية ليست في أن الكذب يجري بسرعة أكبر من الحقيقة، كما قال مارك توين منذ قرن ونصف القرن، بل في أن الناس لم يعودوا يميّزون الفرق.
{ كاتب وباحث إعلامي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك