العدد : ١٧٦١٧ - الأربعاء ١٧ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦١٧ - الأربعاء ١٧ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

إلى متى تستمر دوامة الحروب في الشرق الأوسط؟

بقلم: إنجي عمر

الأربعاء ١٧ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

أعادت‭ ‬الحرب‭ ‬الأخيرة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وإيران‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬عبارات‭ ‬مألوفة‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬الاستقرار‮»‬،‭ ‬و«الردع‮»‬،‭ ‬و«الأمن‭ ‬الاستباقي‮»‬،‭ ‬إذ‭ ‬قدّم‭ ‬المسؤولون‭ ‬الأمريكيون‭ ‬والإسرائيليون‭ ‬التصعيد‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬خطوةٌ‭ ‬ضرورية‭ ‬لتجنّب‭ ‬كارثةٍ‭ ‬إقليمية‭ ‬أكبر،‭ ‬فيما‭ ‬قابلت‭ ‬القيادة‭ ‬الإيرانية‭ ‬ذلك‭ ‬بخطابٍ‭ ‬يركّز‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬المقاومة‭ ‬وحقّها‭ ‬في‭ ‬الردّ‭ ‬الاستراتيجي‭. ‬لكن‭ ‬خلف‭ ‬الحسابات‭ ‬العسكرية‭ ‬الآنية‭ ‬للجانبَين‭ ‬تكمن‭ ‬حقيقةٌ‭ ‬أعمق‭ ‬وأكثر‭ ‬رسوخًا،‭ ‬تتمثّل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الحروب‭ ‬الأبدية‮»‬‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬لا‭ ‬تستمرّ‭ ‬فقط‭ ‬لأن‭ ‬النزاعات‭ ‬تبقى‭ ‬بلا‭ ‬حلّ،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬القوى‭ ‬النافذة‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬انعدام‭ ‬الاستقرار‭ ‬ومن‭ ‬إدارتها‭.‬

ليس‭ ‬المقصود‭ ‬هنا‭ ‬إطلاقًا‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬إيران؛‭ ‬فالنظام‭ ‬الإيراني‭ ‬كرّس‭ ‬نموذجًا‭ ‬سلطويًا‭ ‬أسهم‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬تفكُّك‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توسيع‭ ‬شبكة‭ ‬وكلائه،‭ ‬والتعبئة‭ ‬الطائفية،‭ ‬والقمع،‭ ‬والتدخل‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية،‭ ‬وكثيرًا‭ ‬ما‭ ‬استغلّت‭ ‬طهران‭ ‬انهيار‭ ‬المؤسسات‭ ‬والتوتّرات‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬كلٍّ‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬وسورية‭ ‬ولبنان‭ ‬واليمن‭ ‬لتوسيع‭ ‬نفوذها‭. ‬لكن‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الدور‭ ‬الإيراني‭ ‬حصرًا‭ ‬قد‭ ‬يحجب‭ ‬البنية‭ ‬الأوسع‭ ‬من‭ ‬علاقات‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬رسمت‭ ‬معالم‭ ‬الصراعات‭ ‬الإقليمية‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود،‭ ‬وهي‭ ‬بنية‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬إدامة‭ ‬التهديدات‭ ‬المتصوَّرة،‭ ‬وتكريس‭ ‬الإكراه‭ ‬العسكري،‭ ‬وترسيخ‭ ‬افتراضٍ‭ ‬مفاده‭ ‬أن‭ ‬الهيمنة‭ ‬المسلحة‭ ‬كفيلةٌ‭ ‬بإرساء‭ ‬الأمن‭.‬

لطالما‭ ‬تعاملت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مع‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المنظور،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬وبعد‭ ‬غزو‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬دأبت‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬الترويج‭ ‬للتدخّل‭ ‬العسكري‭ ‬والعقوبات‭ ‬وسياسة‭ ‬الاحتواء‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬باعتبارها‭ ‬أدواتٍ‭ ‬ضروريةً‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭. ‬

لكن‭ ‬هذه‭ ‬المقاربات‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬فاقمت‭ ‬الأزمات‭ ‬التي‭ ‬ادّعت‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬حلّها،‭ ‬إذ‭ ‬أفضى‭ ‬تدمير‭ ‬المؤسسات‭ ‬العراقية‭ ‬بعد‭ ‬الغزو‭ ‬إلى‭ ‬إرساء‭ ‬ظروفٍ‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬اندلاع‭ ‬أعمال‭ ‬عنف‭ ‬طائفي‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق،‭ ‬وتوسّع‭ ‬دور‭ ‬المليشيات،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬تنامي‭ ‬نفوذ‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭. ‬

وفي‭ ‬أفغانستان،‭ ‬لم‭ ‬تؤدِّ‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬دامت‭ ‬عقدَين‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬إلى‭ ‬توطيد‭ ‬أركان‭ ‬نظامٍ‭ ‬ديمقراطي،‭ ‬بل‭ ‬انتهت‭ ‬بانهيار‭ ‬الحكومة‭ ‬الأفغانية‭ ‬وانسحاب‭ ‬القوات‭ ‬الأمريكية‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬النتائج،‭ ‬ظلّت‭ ‬الافتراضات‭ ‬الأساسية‭ ‬على‭ ‬حالها،‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬انعدام‭ ‬الاستقرار‭ ‬أمرٌ‭ ‬ممكن‭ ‬عبر‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬والمراقبة‭ ‬الأمنية،‭ ‬والتحالف‭ ‬مع‭ ‬الأنظمة‭ ‬السلطوية‭ ‬الإقليمية‭.‬

وعلى‭ ‬نحو‭ ‬مماثل‭ ‬رسّخت‭ ‬إسرائيل‭ ‬مفهوم‭ ‬الأمن‭ ‬الدائم‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬سياساتها‭ ‬الإقليمية‭ ‬والمحلية،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يطغى‭ ‬منطق‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬استراتيجيتها‭ ‬العسكرية‭ ‬تجاه‭ ‬إيران‭ ‬وحزب‭ ‬الله‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬على‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬والضفة‭ ‬الغربية‭ ‬المحتلّة‭. ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬المخاوف‭ ‬الأمنية‭ ‬حقيقية،‭ ‬وخصوصًا‭ ‬بعد‭ ‬صدمة‭ ‬7‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭ ‬واستمرار‭ ‬خطر‭ ‬الهجمات‭ ‬المسلحة،‭ ‬ولكن‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬الأمن‭ ‬المبدأ‭ ‬الناظم‭ ‬للحياة‭ ‬السياسية‭ ‬برمّتها،‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬الصراع‭ ‬ظرفًا‭ ‬مؤقّتًا،‭ ‬بل‭ ‬يصبح‭ ‬حالةً‭ ‬دائمة‭. ‬فالحروب‭ ‬المتكرّرة،‭ ‬ودورات‭ ‬الدمار،‭ ‬والكوارث‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬إنما‭ ‬تبرهن‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬التفوّق‭ ‬العسكري‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحقّق‭ ‬استقرارًا‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭. ‬وعلى‭ ‬النحو‭ ‬نفسه،‭ ‬تَحوّل‭ ‬احتلال‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬إلى‭ ‬منظومةٍ‭ ‬تكرّس‭ ‬حالة‭ ‬السيطرة‭ ‬غير‭ ‬المحدودة‭ ‬زمنيًا‭ ‬باعتبارها‭ ‬أمرًا‭ ‬طبيعيًا،‭ ‬وتجعل‭ ‬التوصّل‭ ‬إلى‭ ‬حلول‭ ‬سياسية‭ ‬عمليةً‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭ ‬واستحالة‭.‬

ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬هذه‭ ‬الديناميّات‭ ‬في‭ ‬شتّى‭ ‬أنحاء‭ ‬المنطقة‭ ‬على‭ ‬القوى‭ ‬الخارجية،‭ ‬بل‭ ‬تستفيد‭ ‬النخب‭ ‬المحلية‭ ‬أيضًا‭ ‬من‭ ‬استمرار‭ ‬الأزمات‭. ‬ففي‭ ‬لبنان،‭ ‬بات‭ ‬الشلل‭ ‬السياسي‭ ‬مؤسّسيًا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬شبكات‭ ‬المحسوبية‭ ‬الطائفية‭ ‬التي‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬بقائها‭ ‬تحديدًا؛‭ ‬لأن‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬ضعيفة‭. ‬وفي‭ ‬سورية،‭ ‬حوّل‭ ‬نظام‭ ‬بشار‭ ‬الأسد‭ ‬مطالب‭ ‬الإصلاح‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬إلى‭ ‬حربٍ‭ ‬كارثية‭ ‬مزّقت‭ ‬نسيج‭ ‬المجتمع،‭ ‬وأتاحت‭ ‬لقوى‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية‭ ‬تحويل‭ ‬البلاد‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬معركةٍ‭ ‬تتضارب‭ ‬فيها‭ ‬المصالح‭ ‬المتنافسة‭. ‬وحتى‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬الأسد،‭ ‬وسقوط‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬القتلى،‭ ‬وأزمات‭ ‬النزوح،‭ ‬بقيت‭ ‬سورية‭ ‬أسيرة‭ ‬عملية‭ ‬إعادة‭ ‬ترسيخ‭ ‬نظام‭ ‬الحكم‭ ‬الحالي،‭ ‬والانهيار‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬والتدخّل‭ ‬الخارجي‭ ‬المستمر‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬القاسم‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬هذين‭ ‬المثلَين‭ ‬هو‭ ‬الحافز،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬الصراعات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬تولّد‭ ‬مكاسب‭ ‬سياسية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬أن‭ ‬الحكومات‭ ‬تتذرّع‭ ‬بالتهديدات‭ ‬الأمنية‭ ‬لإعلان‭ ‬حالة‭ ‬الطوارئ‭ ‬وتوسيع‭ ‬صلاحياتها‭ ‬الاستثنائية،‭ ‬وتوطيد‭ ‬أركان‭ ‬سلطتها‭. ‬كذلك،‭ ‬تستمدّ‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة‭ ‬شرعيتها‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬المواجهة‭ ‬الدائمة،‭ ‬وتستفيد‭ ‬الحكومات‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬حالة‭ ‬انعدام‭ ‬الاستقرار‭ ‬لتحافظ‭ ‬على‭ ‬شراكاتها‭ ‬العسكرية،‭ ‬وقطاع‭ ‬صناعة‭ ‬الأسلحة،‭ ‬ونفوذها‭ ‬الاستراتيجي‭. ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬هذه‭ ‬البيئة‭ ‬إذًا،‭ ‬يصبح‭ ‬السلام‭ ‬أقلّ‭ ‬ربحيةً‭ ‬من‭ ‬التصعيد‭ ‬المضبوط‭.‬

والمأساة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬سياسات‭ ‬الدول‭ ‬دائمًا‭ ‬ما‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬شعوب‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وكأنها‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬المتفرّج‭ ‬فحسب،‭ ‬لا‭ ‬كأفرادٍ‭ ‬يمتلكون‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التصرّف‭ ‬والتأثير‭. ‬فشأن‭ ‬المجتمعات‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬يُناقَش‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬المخاطر‭ ‬الأمنية،‭ ‬وتدفّقات‭ ‬اللاجئين،‭ ‬والتطرّف،‭ ‬والتنافس‭ ‬الجيوسياسي،‭ ‬ونادرًا‭ ‬ما‭ ‬يُنظَر‭ ‬إليها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مواطنين‭ ‬ينشدون‭ ‬مؤسسات‭ ‬خاضعة‭ ‬للمساءلة،‭ ‬وكرامة‭ ‬اقتصادية،‭ ‬ومشاركة‭ ‬سياسية‭. ‬وهكذا،‭ ‬تكون‭ ‬النتيجة‭ ‬منظومةً‭ ‬إقليميةً‭ ‬يتحمّل‭ ‬فيها‭ ‬المواطنون‭ ‬العاديون‭ ‬أعباء‭ ‬العنف‭ ‬الدائم،‭ ‬فيما‭ ‬تتفاوض‭ ‬النخب‭ ‬الإقليمية‭ ‬على‭ ‬النفوذ‭ ‬عبر‭ ‬إدامة‭ ‬الحروب‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬استمرار‭ ‬‮«‬الحروب‭ ‬الدائمة‮»‬‭ ‬مجرّد‭ ‬فشل‭ ‬دبلوماسي،‭ ‬بل‭ ‬نظرةً‭ ‬راسخةً‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬التهديدات‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تُعالَج‭ ‬دائمًا‭ ‬عسكريًا،‭ ‬قبل‭ ‬محاولة‭ ‬حلّها‭ ‬سياسيًا،‭ ‬وهذه‭ ‬النظرة‭ ‬تتبنّاها‭ ‬قوى‭ ‬متعدّدة‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬اختلافاتها‭ ‬الأيديولوجية‭. ‬وما‭ ‬دام‭ ‬هذا‭ ‬المنطق‭ ‬يهيمن‭ ‬على‭ ‬عملية‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وإيران،‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬والكثير‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬المنطقة،‭ ‬فسيواصل‭ ‬التصعيد‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬نفسه‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬ليس‭ ‬بالأمر‭ ‬المستحيل،‭ ‬ولكن‭ ‬حكومات‭ ‬كثيرة‭ ‬مازالت‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬تصوّر‭ ‬إمكانية‭ ‬التخلّي‭ ‬عن‭ ‬هياكل‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬تُديم‭ ‬الصراع‭.‬

أما‭ ‬بناء‭ ‬مستقبل‭ ‬إقليمي‭ ‬مغاير،‭ ‬فيتطلّب‭ ‬التخلّي‭ ‬عن‭ ‬الافتراض‭ ‬القائل‭ ‬إن‭ ‬الهيمنة‭ ‬العسكرية‭ ‬وحدها‭ ‬قادرةٌ‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬الشرعية‭ ‬أو‭ ‬الاستقرار،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬الإقرار‭ ‬بأن‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬هشّمتها‭ ‬الحروب‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إعادة‭ ‬بنائها‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الإكراه،‭ ‬أو‭ ‬العقوبات،‭ ‬أو‭ ‬الاحتلال،‭ ‬أو‭ ‬النزاعات‭ ‬بالوكالة‭. ‬فالأمن‭ ‬المستدام‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬توسيع‭ ‬التمثيل‭ ‬السياسي‭ ‬ليشمل‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف،‭ ‬وإرساء‭ ‬مؤسسات‭ ‬فاعلة،‭ ‬وتوفير‭ ‬الفرص‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬ومحاسبة‭ ‬الجهات‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬العنف‭ ‬أيًّا‭ ‬كانت‭.‬

وهذه‭ ‬المبادئ‭ ‬تنطبق‭ ‬بالقدر‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬القمع‭ ‬الإيراني،‭ ‬وسياسات‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬والحكومات‭ ‬السلطوية،‭ ‬ومختلف‭ ‬أشكال‭ ‬التدخّل‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬شعوبٍ‭ ‬بأسرها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬مجرّد‭ ‬بيادق‭ ‬في‭ ‬حساباتٍ‭ ‬استراتيجية‭ ‬أوسع‭. ‬ليست‭ ‬هذه‭ ‬الصراعات‭ ‬منعزلة‭ ‬عن‭ ‬بعضها‭ ‬بعضا،‭ ‬بل‭ ‬يعزّز‭ ‬أحدها‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬منظومةٍ‭ ‬إقليمية‭ ‬تكافئ‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري‭ ‬وتعاقب‭ ‬منطق‭ ‬التسوية‭.‬

‭ ‬ويتطلّب‭ ‬كسر‭ ‬هذه‭ ‬الحلقة‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬الخارجية‭ ‬أن‭ ‬تكفّ‭ ‬عن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬باعتباره‭ ‬مجرّد‭ ‬ساحةٍ‭ ‬للردع‭ ‬والتنافس،‭ ‬وأن‭ ‬تبدأ‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة‭ ‬بصفتهم‭ ‬فاعلين‭ ‬سياسيين‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬صياغة‭ ‬مستقبلهم‭ ‬بأنفسهم‭. ‬وما‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬هذا‭ ‬التحوّل‭ ‬فسيظلّ‭ ‬الخطاب‭ ‬المتداول‭ ‬عن‭ ‬الاستقرار‭ ‬يحجب‭ ‬حالةً‭ ‬من‭ ‬الاضطرابات‭ ‬المستمرّة‭ ‬والحروب‭ ‬الدائمة،‭ ‬التي‭ ‬ستتجاوز‭ ‬عواقبها‭ ‬حدود‭ ‬المنطقة‭ ‬بحدّ‭ ‬ذاتها،‭ ‬لتطول‭ ‬الأجيال‭ ‬المُقبلة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حدبٍ‭ ‬وصوب‭.‬

 

{ باحثة‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬مالكوم‭ ‬كير

‭ ‬كارنيجي‭ ‬للشرق‭ ‬الأوسط

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا