إن نشوب الحروب والسعي نحو السلام من أكثر الوقائع التاريخية التي تسارع فيها خيال الإنسان. الفنون والآداب تناوبت الاهتمام بها في شمولها المدمر والتعيس للأولى (الحروب)، وميلادها السعيد والحزين مع الثانية (السلام).
العجب يظهر عندما تختلط الواقعتان معا ويبدو الأمر كما لو كان سباقا بين الخير والشر، وبين نصر وهزيمة تلوح في خيال القادة والزعماء. لم يكن الأمر مختلفا في الشرق الأوسط عندما استحكم السباق بين الموت الذي ظهر في الحرب الضروس في جنوب لبنان بين «حزب الله» وإسرائيل حيث تستعيد الأخيرة ما جرى في غزة من حرب تدمير شاملة يقوم بها نتنياهو ورفاقه أدت إلى تدمير القرى والمدن وقتل عشرات الآلاف؛ والحزب من جانبه يقوم بإطلاق رشقات صواريخ نادرا ما تصيب شيئا وإذا أصابت فإن إصابتها لا تزيد على عدد أصابع اليد الواحدة. العجب هنا هو هذه الحالة من عدم التكافؤ التي لا تكفي لإسرائيل لأن تعلن أنها حققت نصرا، وتكفي «حزب الله» من أجل البقاء والاستمرار.
لم يكن القتال جاريا في لبنان وحده؛ فقد كانت غزة لا تزال رغم التهدئة ووقف إطلاق النار ساحة لقتال متواتر؛ لأن مبادرة السلام التي طرحها «ترامب» لم تعد تجد راعيها الذي انشغل بمصيره في حرب جارية. «العجائب» «الترامبية» لم تكن اللعب في أكثر من جبهة للسلام والحرب، وإنما أكثر من ذلك أنه بدأ يطرق أبواب «كوبا» في اتجاه الحرب القادمة!
وفي الوقت ذاته كان هناك إصرار للبحث عن السلام من جانب جبهة رباعية تضم باكستان وتركيا ومصر والسعودية؛ كانت باكستان على الجبهة مباشرة. وهي الدولة التي بإمكانها أن تفرغ رئيس وزرائها مع وزراء الخارجية والداخلية والدفاع ورئيس الأركان ويمكنهم التفرغ بضعة أيام للذهاب إلى طهران ولديهم جيش كبير من الصحفيين تفرغوا للمهمة التاريخية مع استعداد دائم لمد زملائهم من الدول المعنية بالمعلومات التي هي «تسريبات» من مصادر مسؤولة.
في يوم الاثنين 24 مايو 2026 كان التسريب كبيرا وهو الحصول على «مسودة» الاتفاق التي كانت تركيبا من أفكار ذائعة عن فصل «التهدئة» -وقف إطلاق النار 60 يوما قابلة للزيادة- ومن الموضوعات الصعبة: البرنامج النووي الإيراني في ماضيه الذي أبقي تحت الرماد، واليورانيوم المخصب بنسبة 60%؛ ومضيق هرمز ومدى التحكم الإيراني فيه.
الحجب كان في المباراة التي جرت بين الشبكات الإعلامية التي استدعت كتائب الخبراء والمعلقين والمحللين لاستنطاق وثيقة «المسودة» التي أبقت أسرار النووي وهرمز على حالها.
ما تبقى للانشغال في الهدنة سوف يكون تأكيد المبادئ المعروفة للأمم المتحدة التي لم يلتزم بها أحد من قبل ولكنه يكفي لملء 14 نقطة من الخطة المنتظرة.
مع الأسف الحرب باتت لها امتدادات أوسع شملت النظام العالمي والأوضاع الاقتصادية الدولية؛ وبهذه الصفة وغيرها فإنها اشتملت على الصراع المسلح، وأيضا السعي نحو السلام من خلال وقف إطلاق النار، والتفاوض بين الأطراف المعنية من خلال وسطاء أربعة: باكستان وتركيا ومصر والسعودية، حيث تصدرت الأولى عملية الوساطة التي شملت الاستعانة بأطراف خارجية مثل الصين.
كان مفاجئا إعلان «مسودة» اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران شاملة هدنة 30 يومًا قابلة للامتداد وفتح مضيق هرمز من دون رسوم. المفاجأة خلقت الكثير من الزخم الإعلامي حتى بدا الإعلام وكأنه ساحة التفاوض، حيث لم يبخل كل طرف عن تقديم أبرز الخبراء لطرح وجهة نظره.
في الواقع فإن ادعاء «المسودة» تضمن زعمًا بأنها «مذكرة تفاهم»، وهي درجة أكثر تقدمًا من تبادل النقاط، وتعد بداية أول الغيث على طريق السلام الذي ينتقل إلى إطار ثم اتفاق ثم معاهدة تكون هي فقط التي لها حجة قانونية ملزمة.
الواقع هو أن «المسودة» لم تتجاوز أيًا من هذه الخطوات، ولكن إعلانها على هذا النحو كان كافيًا لكي يبرد الأسواق الدولية، ويفتح الطريق إلى إمكانيات التوصل إلى السلام.
ومن العجائب الأخرى في فكرة «المسودة» التي انطلقت إلى «مذكرة تفاهم» البحث عن «الضمانة» التي تطلبها الأطراف لأنها لا تجد مصداقية لدى الطرف الآخر. قيل إن الوسيط الباكستاني سافر إلى الصين بحثًا عن الضمان بقبول اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60% أو ضمان الاتفاق ذاته وتنفيذه بأكمله.
لكن الصين التي تمثل العقلاء على الساحة لا تجد أمرا معقولًا في تقديم ضمانات لأطراف لا تفهمها، وعما إذا كان مطلوبًا منها التدخل بالقوة المسلحة ساعة المخالفة، وهو ما يستحيل فهمه في العقلية الصينية.
لقد بات العجب سائدًا عن مصير العلاقة بين الحرب والسلام في هذه المنطقة الحساسة من العالم التي ترتفع فيها الآمال ثم تنخفض في تسارع مخيف نحو حرب لا يعرف لها أحد نهاية.
ولكن يمكن القول إن ما هو واضح في المسألة أن الجبهات الداخلية لعبت دورًا أساسيًا في التقدم نحو السلام، والتراجع عن الاستمرار في الحرب. وقد رأت وكالة «رويترز» للأنباء فيما يحدث نوعًا من مباحثات السلام التي تتعرض لأنواع من العواصف حتى اللحظات الأخيرة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك