العدد : ١٧٦١٦ - الثلاثاء ١٦ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦١٦ - الثلاثاء ١٦ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الاتفاق الأمريكي - الإيراني ومصير الحرب والسلام

بقلم: د. عبدالمنعم سعيد

الثلاثاء ١٦ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

إن‭ ‬نشوب‭ ‬الحروب‭ ‬والسعي‭ ‬نحو‭ ‬السلام‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الوقائع‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬تسارع‭ ‬فيها‭ ‬خيال‭ ‬الإنسان‭. ‬الفنون‭ ‬والآداب‭ ‬تناوبت‭ ‬الاهتمام‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬شمولها‭ ‬المدمر‭ ‬والتعيس‭ ‬للأولى‭ (‬الحروب‭)‬،‭ ‬وميلادها‭ ‬السعيد‭ ‬والحزين‭ ‬مع‭ ‬الثانية‭ (‬السلام‭).‬

العجب‭ ‬يظهر‭ ‬عندما‭ ‬تختلط‭ ‬الواقعتان‭ ‬معا‭ ‬ويبدو‭ ‬الأمر‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬سباقا‭ ‬بين‭ ‬الخير‭ ‬والشر،‭ ‬وبين‭ ‬نصر‭ ‬وهزيمة‭ ‬تلوح‭ ‬في‭ ‬خيال‭ ‬القادة‭ ‬والزعماء‭.‬‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الأمر‭ ‬مختلفا‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬عندما‭ ‬استحكم‭ ‬السباق‭ ‬بين‭ ‬الموت‭ ‬الذي‭ ‬ظهر‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الضروس‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬لبنان‭ ‬بين‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭ ‬وإسرائيل‭ ‬حيث‭ ‬تستعيد‭ ‬الأخيرة‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬تدمير‭ ‬شاملة‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬نتنياهو‭ ‬ورفاقه‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬تدمير‭ ‬القرى‭ ‬والمدن‭ ‬وقتل‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف؛‭ ‬والحزب‭ ‬من‭ ‬جانبه‭ ‬يقوم‭ ‬بإطلاق‭ ‬رشقات‭ ‬صواريخ‭ ‬نادرا‭ ‬ما‭ ‬تصيب‭ ‬شيئا‭ ‬وإذا‭ ‬أصابت‭ ‬فإن‭ ‬إصابتها‭ ‬لا‭ ‬تزيد‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬أصابع‭ ‬اليد‭ ‬الواحدة‭. ‬العجب‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬التكافؤ‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬لإسرائيل‭ ‬لأن‭ ‬تعلن‭ ‬أنها‭ ‬حققت‭ ‬نصرا،‭ ‬وتكفي‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬البقاء‭ ‬والاستمرار‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬القتال‭ ‬جاريا‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬وحده؛‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬غزة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬رغم‭ ‬التهدئة‭ ‬ووقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬ساحة‭ ‬لقتال‭ ‬متواتر؛‭ ‬لأن‭ ‬مبادرة‭ ‬السلام‭ ‬التي‭ ‬طرحها‭ ‬‮«‬ترامب‮»‬‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تجد‭ ‬راعيها‭ ‬الذي‭ ‬انشغل‭ ‬بمصيره‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬جارية‭. ‬‮«‬العجائب‮»‬‭ ‬‮«‬الترامبية‮»‬‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬اللعب‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬جبهة‭ ‬للسلام‭ ‬والحرب،‭ ‬وإنما‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬بدأ‭ ‬يطرق‭ ‬أبواب‭ ‬‮«‬كوبا‮»‬‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬الحرب‭ ‬القادمة‭!‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬إصرار‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬السلام‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬جبهة‭ ‬رباعية‭ ‬تضم‭ ‬باكستان‭ ‬وتركيا‭ ‬ومصر‭ ‬والسعودية؛‭ ‬كانت‭ ‬باكستان‭ ‬على‭ ‬الجبهة‭ ‬مباشرة‭. ‬وهي‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬بإمكانها‭ ‬أن‭ ‬تفرغ‭ ‬رئيس‭ ‬وزرائها‭ ‬مع‭ ‬وزراء‭ ‬الخارجية‭ ‬والداخلية‭ ‬والدفاع‭ ‬ورئيس‭ ‬الأركان‭ ‬ويمكنهم‭ ‬التفرغ‭ ‬بضعة‭ ‬أيام‭ ‬للذهاب‭ ‬إلى‭ ‬طهران‭ ‬ولديهم‭ ‬جيش‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الصحفيين‭ ‬تفرغوا‭ ‬للمهمة‭ ‬التاريخية‭ ‬مع‭ ‬استعداد‭ ‬دائم‭ ‬لمد‭ ‬زملائهم‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬المعنية‭ ‬بالمعلومات‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬‮«‬تسريبات‮»‬‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬مسؤولة‭.‬

في‭ ‬يوم‭ ‬الاثنين‭ ‬24‭ ‬مايو‭ ‬2026‭ ‬كان‭ ‬التسريب‭ ‬كبيرا‭ ‬وهو‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬‮«‬مسودة‮»‬‭ ‬الاتفاق‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تركيبا‭ ‬من‭ ‬أفكار‭ ‬ذائعة‭ ‬عن‭ ‬فصل‭ ‬‮«‬التهدئة‮»‬‭ -‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬60‭ ‬يوما‭ ‬قابلة‭ ‬للزيادة‭- ‬ومن‭ ‬الموضوعات‭ ‬الصعبة‭: ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬ماضيه‭ ‬الذي‭ ‬أبقي‭ ‬تحت‭ ‬الرماد،‭ ‬واليورانيوم‭ ‬المخصب‭ ‬بنسبة‭ ‬60‭%‬؛‭ ‬ومضيق‭ ‬هرمز‭ ‬ومدى‭ ‬التحكم‭ ‬الإيراني‭ ‬فيه‭.‬

الحجب‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬المباراة‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬بين‭ ‬الشبكات‭ ‬الإعلامية‭ ‬التي‭ ‬استدعت‭ ‬كتائب‭ ‬الخبراء‭ ‬والمعلقين‭ ‬والمحللين‭ ‬لاستنطاق‭ ‬وثيقة‭ ‬‮«‬المسودة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬أبقت‭ ‬أسرار‭ ‬النووي‭ ‬وهرمز‭ ‬على‭ ‬حالها‭.‬

ما‭ ‬تبقى‭ ‬للانشغال‭ ‬في‭ ‬الهدنة‭ ‬سوف‭ ‬يكون‭ ‬تأكيد‭ ‬المبادئ‭ ‬المعروفة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يلتزم‭ ‬بها‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬ولكنه‭ ‬يكفي‭ ‬لملء‭ ‬14‭ ‬نقطة‭ ‬من‭ ‬الخطة‭ ‬المنتظرة‭.‬

مع‭ ‬الأسف‭ ‬الحرب‭ ‬باتت‭ ‬لها‭ ‬امتدادات‭ ‬أوسع‭ ‬شملت‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬والأوضاع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الدولية؛‭ ‬وبهذه‭ ‬الصفة‭ ‬وغيرها‭ ‬فإنها‭ ‬اشتملت‭ ‬على‭ ‬الصراع‭ ‬المسلح،‭ ‬وأيضا‭ ‬السعي‭ ‬نحو‭ ‬السلام‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار،‭ ‬والتفاوض‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬المعنية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وسطاء‭ ‬أربعة‭: ‬باكستان‭ ‬وتركيا‭ ‬ومصر‭ ‬والسعودية،‭ ‬حيث‭ ‬تصدرت‭ ‬الأولى‭ ‬عملية‭ ‬الوساطة‭ ‬التي‭ ‬شملت‭ ‬الاستعانة‭ ‬بأطراف‭ ‬خارجية‭ ‬مثل‭ ‬الصين‭.‬

كان‭ ‬مفاجئا‭ ‬إعلان‭ ‬‮«‬مسودة‮»‬‭ ‬اتفاق‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران‭ ‬شاملة‭ ‬هدنة‭ ‬30‭ ‬يومًا‭ ‬قابلة‭ ‬للامتداد‭ ‬وفتح‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬رسوم‭. ‬المفاجأة‭ ‬خلقت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الزخم‭ ‬الإعلامي‭ ‬حتى‭ ‬بدا‭ ‬الإعلام‭ ‬وكأنه‭ ‬ساحة‭ ‬التفاوض،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يبخل‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬عن‭ ‬تقديم‭ ‬أبرز‭ ‬الخبراء‭ ‬لطرح‭ ‬وجهة‭ ‬نظره‭.‬

في‭ ‬الواقع‭ ‬فإن‭ ‬ادعاء‭ ‬‮«‬المسودة‮»‬‭ ‬تضمن‭ ‬زعمًا‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬مذكرة‭ ‬تفاهم‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬درجة‭ ‬أكثر‭ ‬تقدمًا‭ ‬من‭ ‬تبادل‭ ‬النقاط،‭ ‬وتعد‭ ‬بداية‭ ‬أول‭ ‬الغيث‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬السلام‭ ‬الذي‭ ‬ينتقل‭ ‬إلى‭ ‬إطار‭ ‬ثم‭ ‬اتفاق‭ ‬ثم‭ ‬معاهدة‭ ‬تكون‭ ‬هي‭ ‬فقط‭ ‬التي‭ ‬لها‭ ‬حجة‭ ‬قانونية‭ ‬ملزمة‭.‬

الواقع‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬‮«‬المسودة‮»‬‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬أيًا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الخطوات،‭ ‬ولكن‭ ‬إعلانها‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬كان‭ ‬كافيًا‭ ‬لكي‭ ‬يبرد‭ ‬الأسواق‭ ‬الدولية،‭ ‬ويفتح‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬إمكانيات‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬السلام‭.‬

ومن‭ ‬العجائب‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬المسودة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مذكرة‭ ‬تفاهم‮»‬‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬الضمانة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تطلبها‭ ‬الأطراف‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬مصداقية‭ ‬لدى‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭. ‬قيل‭ ‬إن‭ ‬الوسيط‭ ‬الباكستاني‭ ‬سافر‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬الضمان‭ ‬بقبول‭ ‬اليورانيوم‭ ‬الإيراني‭ ‬المخصب‭ ‬بنسبة‭ ‬60‭% ‬أو‭ ‬ضمان‭ ‬الاتفاق‭ ‬ذاته‭ ‬وتنفيذه‭ ‬بأكمله‭.‬

لكن‭ ‬الصين‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬العقلاء‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬أمرا‭ ‬معقولًا‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬ضمانات‭ ‬لأطراف‭ ‬لا‭ ‬تفهمها،‭ ‬وعما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬مطلوبًا‭ ‬منها‭ ‬التدخل‭ ‬بالقوة‭ ‬المسلحة‭ ‬ساعة‭ ‬المخالفة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يستحيل‭ ‬فهمه‭ ‬في‭ ‬العقلية‭ ‬الصينية‭.‬

لقد‭ ‬بات‭ ‬العجب‭ ‬سائدًا‭ ‬عن‭ ‬مصير‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الحرب‭ ‬والسلام‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬الحساسة‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬التي‭ ‬ترتفع‭ ‬فيها‭ ‬الآمال‭ ‬ثم‭ ‬تنخفض‭ ‬في‭ ‬تسارع‭ ‬مخيف‭ ‬نحو‭ ‬حرب‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬لها‭ ‬أحد‭ ‬نهاية‭.‬

ولكن‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬المسألة‭ ‬أن‭ ‬الجبهات‭ ‬الداخلية‭ ‬لعبت‭ ‬دورًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬في‭ ‬التقدم‭ ‬نحو‭ ‬السلام،‭ ‬والتراجع‭ ‬عن‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬الحرب‭. ‬وقد‭ ‬رأت‭ ‬وكالة‭ ‬‮«‬رويترز‮»‬‭ ‬للأنباء‭ ‬فيما‭ ‬يحدث‭ ‬نوعًا‭ ‬من‭ ‬مباحثات‭ ‬السلام‭ ‬التي‭ ‬تتعرض‭ ‬لأنواع‭ ‬من‭ ‬العواصف‭ ‬حتى‭ ‬اللحظات‭ ‬الأخيرة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا