أمن تركيا من أمن سورية ولبنان. هذا ما جاء على لسان الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان قبل أيّام، في اجتماع الكتلة النيابية لحزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي، فتطرّق إلى الهجمات والمجازر الإسرائيلية في فلسطين ولبنان وسورية. ومهما يكن من أمر، فإنّه عنى بهذا عدّة مسائل ذات مفعول واحد، مترابطةً كانت أو منفصلةً. وما يجري عند حدود تركيا لن يبقى هناك، وسيصل إلى داخلها، عاجلاً أم آجلاً، ذلك أنّ سورية ولبنان تقعان في مجال الأمن الحيوي التركي.
وهذا يعني أنّ نفوذ تركيا الأمني لا يقف عند حدودها الطبيعية، بل يمتدّ إلى داخل سورية ولبنان، فإذا اقتربت إسرائيل من بيروت ودمشق فإنّها ستصبح أقرب إلى أنقرة، وفي حال انهار الوضع الراهن في سورية، فإنّ ملايين اللاجئين سيتدفّقون من جديد عبر الحدود، وستنتقل الفوضى إلى داخل تركيا.
في الأحوال كافّة، يجب أخذ الكلام على محمل الجدّ، لأنّ تركيا كانت خلال العقدَين الأخيرَين طرفاً أساسياً فيما يحدث داخل سورية، فقد أيّدت الثورة ضدّ حكم بشّار الأسد، ووقفت عام 2011 إلى جانب ثورة الشعب السوري بثقلها كلّه، بما في ذلك عسكرياً، وتحمّلت أعباء استقبال قرابة خمسة ملايين سوري على أرضها، لا يزال القسم الأكبر منهم يعيش هناك، ولولا هذا الموقف التاريخي لكان مصير الحدث السوري مختلفاً كلّياً عمّا هو عليه اليوم.
وقد أسهمت تركيا، وعلى مدى سنوات، في حماية أجزاء واسعة من سورية، وقدّمت خدمات كبيرة للشعب السوري، ولولا دعمها ومساندتها لما تمكّنت الفصائل العسكرية من ترتيب وضعها واستعدّت لعملية إسقاط النظام. يكفي تخيّل الوجه الآخر من الصورة حتّى يُثمَّن الدور التركي بلا مبالغة أو أوهام.
لم يغيّر انتصار الثورة على نظام الأسد التزامات تركيا تجاه سورية، بل زاد منها، وأضاف إليها مهامّ جديدة تتعلّق بالمساعدة على إرساء الاستقرار، ويتطلّب ذلك المساعدة في إعادة الإعمار من أجل العودة الطوعية لملايين اللاجئين، والنهوض اقتصادياً، بما يمكّن سورية من مواجهة الأوضاع المعيشية الصعبة.
وهناك مهمّة على قدر كبير من الأهمية، تلك التي تشكّل الدافع المباشر لحديث أردوغان، وتتعلّق بالتهديد الإسرائيلي لسورية ولبنان، وهو ليس تفصيلاً، ولا يمكن فصله عن باقي التحدّيات التي تواجهها السلطة السورية الجديدة في مساعيها إلى تعافي سورية. وهنا تجب الإشارة إلى نقطة مهمّة جدّاً تتمثّل في إغلاق أبواب الدعم والاستثمارات الدولية عن سورية التي تبدو مشروطةً بمطالب تتعلّق بالسيادة والدور.
لا يمكن حماية تركيا إذا كانت سورية ولبنان غارقتين في الفوضى وتواجهان التهديدات الإسرائيلية المستمرّة، وأيّ حاكم تركي يفكّر من منظور استراتيجي، ويحسب بعيداً عن مصالحه الضيقة، لا بدّ له أن يترجم هذا إلى إجراءات فورية من منظور توسيع دائرة الأمن القومي لبلاده، وهذا يفرض على تركيا أن تتّخذ خطوات عملية، وبسرعة شديدة. عليها أن تغادر موقف المساندة بالكلام إلى المساندة بالفعل، وألا تكتفي بما هو قائم، وتنتقل إلى ترتيبات مرحلة الأمن المشترك.
هناك من يعتبر تصريح أردوغان تبريراً للوجود العسكري التركي في شمال غربي سورية، وربط المناطق التي تنتشر فيها تركيا عسكرياً بأمنها ونفوذها، ومن أجل تفادي ذلك يجب على تركيا أن تتعامل مع سورية ولبنان شريكين مستقلَّين، وتتّخذ مواقفَ جادّةً لمواجهة إسرائيل، بما في ذلك تقديم دعم عسكري مباشر للبلدَين من أجل وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وفي وسع أنقرة أن تتحرّك لدى واشنطن وموسكو وبكين وأوروبا من أجل معادلة شرق أوسطية لا تكون لإسرائيل فيها الكلمة الأولى.
{ كاتب صحفي سوري.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك