العدد : ١٧٦١٥ - الاثنين ١٥ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦١٥ - الاثنين ١٥ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

أزمة الثقافة العالمية في عصر التحول الرقمي

بقلم: د. خالد صلاح حنفي

الاثنين ١٥ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬عالم‭ ‬يتشابك‭ ‬فيه‭ ‬الجمال‭ ‬مع‭ ‬السلعة،‭ ‬والإبداع‭ ‬مع‭ ‬السوق،‭ ‬تبرز‭ ‬إشكالية‭ ‬‮«‬تسليع‭ ‬الثقافة‮»‬‭ ‬كإحدى‭ ‬أكثر‭ ‬القضايا‭ ‬إلحاحًا‭ ‬في‭ ‬خطابنا‭ ‬المعاصر‭. ‬وكما‭ ‬أشار‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الألماني‭ ‬ثيودور‭ ‬أدورنو‭ ‬في‭ ‬نقده‭: ‬‮«‬إن‭ ‬صناعة‭ ‬الثقافة‭ ‬لا‭ ‬تتكيف‭ ‬مع‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬عملائها‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تزيفها‮»‬‭ ‬محذرًا‭ ‬من‭ ‬تحول‭ ‬الإبداع‭ ‬الإنساني‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬آلة‭ ‬لإنتاج‭ ‬الربح‭. ‬أما‭ ‬الفيلسوف‭ ‬والتر‭ ‬بنيامين،‭ ‬فقد‭ ‬تنبأ‭ ‬في‭ ‬مقاله‭ ‬الشهير‭ ‬‮«‬العمل‭ ‬الفني‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬إعادة‭ ‬الإنتاج‭ ‬الميكانيكي‮»‬‭ ‬بفقدان‭ ‬العمل‭ ‬الفني‭ ‬لـ«هالته‮»‬‭ ‬الأصلية‭ ‬عندما‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬سلعة‭ ‬قابلة‭ ‬للتكرار‭ ‬والنسخ‭.‬

وقد‭ ‬برز‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬الاقتصاد‭ ‬الثقافي‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬فرع‭ ‬معرفي‭ ‬منبثق‭ ‬من‭ ‬علم‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬يعنى‭ ‬بدراسة‭ ‬دورة‭ ‬حياة‭ ‬المنتجات‭ ‬الثقافية‭ (‬سلعًا‭ ‬وخدمات‭) ‬من‭ ‬حيث‭ ‬إنتاجها‭ ‬وتوزيعها‭ ‬واستهلاكها‭. ‬ويستند‭ ‬هذا‭ ‬الحقل‭ ‬إلى‭ ‬المفاهيم‭ ‬والأدوات‭ ‬التحليلية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العامة،‭ ‬لكنه‭ ‬يوظفها‭ ‬بشكل‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬الطبيعة‭ ‬الخاصة‭ ‬للثقافة‭ ‬ومفهومها‭ ‬المتفرد‭. ‬ويمثل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الثقافي‭ ‬اليوم‭ ‬نقطة‭ ‬التقاء‭ ‬حاسمة‭ ‬بين‭ ‬الجمال‭ ‬والحساب،‭ ‬حيث‭ ‬تترجم‭ ‬الرموز‭ ‬الفنية‭ ‬إلى‭ ‬مؤشرات‭ ‬نمو،‭ ‬والذائقة‭ ‬الإنسانية‭ ‬إلى‭ ‬بيانات‭ ‬قابلة‭ ‬للقياس‭. ‬وكما‭ ‬أشار‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الألماني‭ ‬ثيودور‭ ‬أدورنو،‭ ‬فإن‭ ‬صناعة‭ ‬الثقافة‭ ‬لا‭ ‬تلبي‭ ‬رغبات‭ ‬الجمهور‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تصنعها‭ ‬وتوجهها،‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬تساؤلًا‭ ‬جوهريًا‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الإبداع‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬نقيًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬منطق‭ ‬السوق‭.‬

وقد‭ ‬أوضح‭ ‬مفكرو‭ ‬مدرسة‭ ‬فرانكفورت‭ ‬النقدية‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬جدل‭ ‬التنوير‮»‬‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1944،‭ ‬حيث‭ ‬حذر‭ ‬هوركهايمر‭ ‬وأدورنو‭ ‬من‭ ‬تحول‭ ‬الثقافة‭ ‬إلى‭ ‬آلية‭ ‬للهيمنة‭ ‬الأيديولوجية،‭ ‬تنتج‭ ‬سلعًا‭ ‬نمطية‭ ‬تسوق‭ ‬للجماهير‭ ‬من‭ ‬أعلى‭ ‬إلى‭ ‬أسفل،‭ ‬في‭ ‬نقيض‭ ‬للرؤية‭ ‬الماركسية‭ ‬التي‭ ‬تؤمن‭ ‬بانبثاق‭ ‬الوعي‭ ‬من‭ ‬القاعدة‭ ‬الشعبية‭. ‬وهذا‭ ‬التحول،‭ ‬كما‭ ‬يراه‭ ‬النقاد،‭ ‬يجعل‭ ‬الثقافة‭ ‬رهينة‭ ‬لآلية‭ ‬التسويق‭ ‬المتكرر‭ ‬الذي‭ ‬يشكل‭ ‬الذائقة‭ ‬ويوجهها‭ ‬نحو‭ ‬المنتجات‭ ‬الأكثر‭ ‬ربحية،‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬العمق‭ ‬النقدي‭.‬

إن‭ ‬تحويل‭ ‬المنتج‭ ‬الثقافي‭ ‬إلى‭ ‬سلعة‭ ‬خاضعة‭ ‬لاستغلال‭ ‬الشركات‭ ‬التجارية‭ ‬يثير‭ ‬جدلًا‭ ‬حادًا‭ ‬حول‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬تسليع‭ ‬الثقافة‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬يفقد‭ ‬العمل‭ ‬الفني‭ ‬روحه‭ ‬الجمالية‭ ‬لمصلحة‭ ‬القالب‭ ‬النمطي‭. ‬ويشير‭ ‬الدكتور‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬الحميد‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السعي‭ ‬وراء‭ ‬الربح‭ ‬يطغى‭ ‬أحيانًا‭ ‬على‭ ‬الإبداع،‭ ‬فيتحول‭ ‬المنتج‭ ‬إلى‭ ‬بضاعة‭ ‬شعبية‭ ‬تنتج‭ ‬في‭ ‬خطوط‭ ‬متماثلة،‭ ‬تشبه‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬للوحات‭ ‬الفنية‭ ‬الأصلية‭ ‬التي‭ ‬حلت‭ ‬محلها‭ ‬ملايين‭ ‬النسخ‭ ‬المستنسخة‭ ‬تجاريًّا‭. ‬وهذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬مجرد‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬نمط‭ ‬الاستهلاك‭ ‬بل‭ ‬تحولًا‭ ‬جوهريًا‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬المجتمع‭ ‬بالرمز‭ ‬والقيمة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬أسئلة‭ ‬فلسفية‭ ‬حول‭ ‬أصالة‭ ‬التجربة‭ ‬الجمالية‭.‬

ويؤكد‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬جان‭ ‬بودريار‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬يحول‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬إلى‭ ‬إشارات‭ ‬قابلة‭ ‬للتبادل،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المعنى‭ ‬الفني‭ ‬والذاكرة‭ ‬الجماعية‭. ‬وتوضح‭ ‬الدراسات‭ ‬أن‭ ‬الصناعات‭ ‬الثقافية‭ ‬والإبداعية‭ ‬تسهم‭ ‬حاليًا‭ ‬بنسبة‭ ‬3‭.‬1‭%‬‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلى‭ ‬الإجمالي‭ ‬العالمي،‭ ‬مع‭ ‬توقعات‭ ‬بأن‭ ‬تتجاوز‭ ‬4‭.‬5‭%‬‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2030،‭ ‬وفقا‭ ‬لتقارير‭ ‬اليونسكو‭ ‬والبنك‭ ‬الدولي‭ ‬لعام‭ ‬2024‭. ‬وهذه‭ ‬الأرقام‭ ‬تؤكد‭ ‬تحول‭ ‬الثقافة‭ ‬من‭ ‬نشاط‭ ‬هامشي‭ ‬إلى‭ ‬محرك‭ ‬اقتصادي‭ ‬استراتيجي‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬المطرد،‭ ‬يرى‭ ‬الفيلسوف‭ ‬البريطاني‭ ‬مارك‭ ‬فيشر‭ ‬أن‭ ‬الرأسمالية‭ ‬المتأخرة‭ ‬تفرغ‭ ‬الثقافة‭ ‬من‭ ‬مضمونها‭ ‬النقدي،‭ ‬وتحولها‭ ‬إلى‭ ‬خلفية‭ ‬ترفيهية‭ ‬لآلة‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتجلى‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬سيطرة‭ ‬الخوارزميات‭ ‬الرقمية‭ ‬على‭ ‬توزيع‭ ‬المحتوى‭ ‬الفني‭. ‬وتشير‭ ‬دراسة‭ ‬صادرة‭ ‬عن‭ ‬‮«‬معهد‭ ‬بروكينجز‮»‬‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬68‭%‬‭ ‬من‭ ‬المحتوى‭ ‬الثقافي‭ ‬الرقمي‭ ‬العالمي‭ ‬خاضع‭ ‬لآليات‭ ‬ترشيح‭ ‬تجارية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تعظيم‭ ‬وقت‭ ‬المشاهدة‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬تعزيز‭ ‬القيمة‭ ‬الجمالية،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬توترًا‭ ‬مستمرًا‭ ‬بين‭ ‬الكفاءة‭ ‬السوقية‭ ‬والأصالة‭ ‬الفنية‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬ظاهرة‭ ‬دمج‭ ‬الفن‭ ‬بالسوق‭ ‬وليدة‭ ‬العصر‭ ‬الرقمي،‭ ‬بل‭ ‬لها‭ ‬جذور‭ ‬تاريخية‭ ‬عميقة‭ ‬تعكس‭ ‬تفاعل‭ ‬المبدع‭ ‬مع‭ ‬متطلبات‭ ‬العيش‭. ‬فقد‭ ‬أسس‭ ‬الرسام‭ ‬الهولندي‭ ‬رامبرانت‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬عشر‭ ‬مشغلا‭ ‬تجاريا‭ ‬لبيع‭ ‬أعماله‭ ‬وأعمال‭ ‬زملائه،‭ ‬بينما‭ ‬وظف‭ ‬روبينز‭ ‬مساعدين‭ ‬في‭ ‬مرسمه‭ ‬لرسم‭ ‬الخلفيات‭ ‬ومزج‭ ‬الألوان،‭ ‬وفتح‭ ‬أبواب‭ ‬ورشته‭ ‬للجمهور‭ ‬مقابل‭ ‬رسوم‭ ‬دخول‭. ‬وهذه‭ ‬الممارسات‭ ‬التاريخية‭ ‬تظهر‭ ‬أن‭ ‬المبدع‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬منعزلا‭ ‬عن‭ ‬السوق،‭ ‬بل‭ ‬حاول‭ ‬دائما‭ ‬التوفيق‭ ‬بين‭ ‬الاستقلالية‭ ‬الفنية‭ ‬والاستدامة‭ ‬المعيشية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يثبت‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والإبداع‭ ‬تقاطعا‭ ‬تاريخيًّا‭ ‬قبل‭ ‬ظهور‭ ‬المصطلحات‭ ‬الحديثة‭.‬

ولم‭ ‬يعد‭ ‬المبدع‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬سوق‭ ‬محدود،‭ ‬بل‭ ‬مع‭ ‬منظومة‭ ‬رقمية‭ ‬عالمية‭ ‬تعيد‭ ‬صوغ‭ ‬الذائقة‭ ‬بسرعة‭ ‬فائقة‭. ‬ويشير‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬الفرنسي‭ ‬بيار‭ ‬بورديو‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الثقافي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬حكرًا‭ ‬على‭ ‬النخبة،‭ ‬بل‭ ‬صار‭ ‬سلعة‭ ‬تنتج‭ ‬وتستهلك‭ ‬بكميات‭ ‬هائلة،‭ ‬ما‭ ‬يعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬التمايزات‭ ‬الطبقية‭ ‬بأشكال‭ ‬جديدة،‭ ‬ووجود‭ ‬تحولات‭ ‬ديموغرافية‭ ‬واقتصادية‭ ‬عميقة‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬مشهد‭ ‬العمل‭ ‬الإبداعي‭.‬

ويرتبط‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬الجوهري‭ ‬بمرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭ ‬التي‭ ‬نشأت‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬ورفضت‭ ‬السرديات‭ ‬الكبرى‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬التذوق‭ ‬الفني؛‭ ‬إذ‭ ‬أدى‭ ‬انتشار‭ ‬الراديو‭ ‬والتلفاز‭ ‬ثم‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬إلى‭ ‬طمس‭ ‬الحدود‭ ‬بين‭ ‬الثقافة‭ ‬الجماهيرية‭ ‬وثقافة‭ ‬النخبة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬رآه‭ ‬نقاد‭ ‬كثيرون‭ ‬شكلًا‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الابتذال‭ ‬المنظم‭. ‬وتوضح‭ ‬دراسة‭ ‬منشورة‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬Culture‭,‬Society‭ ‬&‭ ‬Economy‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2023‭ ‬أن‭ ‬72‭%‬‭ ‬من‭ ‬المستهلكين‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الناشئة‭ ‬يفضلون‭ ‬المنتجات‭ ‬الثقافية‭ ‬السريعة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬على‭ ‬الأعمال‭ ‬العميقة،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬تحولًا‭ ‬في‭ ‬أولويات‭ ‬التلقي‭ ‬الفني‭ ‬وعلاقته‭ ‬بإيقاع‭ ‬الحياة‭ ‬المعاصرة‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬إنكار‭ ‬الدور‭ ‬التنموي‭ ‬للصناعات‭ ‬الثقافية،‭ ‬بخاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المتلاحقة‭ ‬التي‭ ‬تضرب‭ ‬القطاعات‭ ‬التقليدية‭. ‬فبحسب‭ ‬تقرير‭ ‬مؤتمر‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬للتجارة‭ ‬والتنمية‭ (‬الأونكتاد‭) ‬لعام‭ ‬2025،‭ ‬حققت‭ ‬الصادرات‭ ‬العالمية‭ ‬للسلع‭ ‬والخدمات‭ ‬الإبداعية‭ ‬نموًا‭ ‬بنسبة‭ ‬5‭.‬8‭%‬‭ ‬سنويًا،‭ ‬متفوقة‭ ‬على‭ ‬متوسط‭ ‬النمو‭ ‬العالمي؛‭ ‬فهذه‭ ‬الصناعات‭ ‬صارت‭ ‬مصدر‭ ‬دخل‭ ‬لملايين‭ ‬العاملين‭ ‬داخل‭ ‬القطاع‭ ‬وخارجه،‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬تصنيع‭ ‬الثقافة‭ ‬ليس‭ ‬شرًا‭ ‬مطلقًا‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬اقتصادية‭ ‬معاصرة‭ ‬تستدعي‭ ‬إدارة‭ ‬واعية‭.‬

لكن‭ ‬السؤال‭ ‬المركزي‭ ‬يبقى‭: ‬كيف‭ ‬نحافظ‭ ‬على‭ ‬القيمة‭ ‬غير‭ ‬المادية‭ ‬للثقافة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬طغيان‭ ‬المؤشرات‭ ‬الكمية؟‭ ‬يجيب‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الألماني‭ ‬يورجن‭ ‬هابرماس‭ ‬بأن‭ ‬العقلانية‭ ‬الأداتية‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تطغى‭ ‬على‭ ‬العقلانية‭ ‬التواصلية‭ ‬التي‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬المعنى‭ ‬الإنساني‭ ‬المشترك،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬سياسات‭ ‬ثقافية‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬السوق‭ ‬والهوية‭. ‬

وتزداد‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬تعقيدًا‭ ‬مع‭ ‬دخول‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬بقوة‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬الإنتاج‭ ‬الثقافي،‭ ‬حيث‭ ‬باتت‭ ‬الآلات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬كتابة‭ ‬النصوص،‭ ‬وتلحين‭ ‬الموسيقى،‭ ‬ورسم‭ ‬اللوحات،‭ ‬بل‭ ‬وبيعها‭ ‬كمنتجات‭ ‬مستقلة‭. ‬ويحذر‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الكندي‭ ‬تشارلز‭ ‬تايلور‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬عندما‭ ‬تفقد‭ ‬الثقافة‭ ‬مصدرها‭ ‬الإنساني‭ ‬المباشر،‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬صدأ‭ ‬تقني‭ ‬يعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬الفراغ‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬المعنى،‭ ‬وهو‭ ‬تحذير‭ ‬يكتسب‭ ‬راهنية‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الخوارزميات‭ ‬التوليدية‭ ‬التي‭ ‬تختبر‭ ‬حدود‭ ‬الإبداع‭ ‬البشري‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تظل‭ ‬الثقافة‭ ‬البشرية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬وإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬ذاتها،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬عبر‭ ‬التحولات‭ ‬التقنية‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭. ‬ولكن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬الصناعات‭ ‬الثقافية‭ ‬ستظل‭ ‬محركًا‭ ‬للنمو،‭ ‬شريطة‭ ‬أن‭ ‬تصمم‭ ‬سياساتها‭ ‬لحماية‭ ‬التنوع‭ ‬الجمالي‭ ‬ومنع‭ ‬احتكار‭ ‬الذائقة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬كيانات‭ ‬تجارية‭ ‬ضيقة،‭ ‬ما‭ ‬يضمن‭ ‬استدامة‭ ‬القطاع‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬البعيد‭.‬

إن‭ ‬مستقبل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الثقافي‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬رفض‭ ‬السوق‭ ‬أو‭ ‬تقديس‭ ‬الربح،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬صوغ‭ ‬العقد‭ ‬بين‭ ‬المبدع‭ ‬والمجتمع‭ ‬والدولة‭. ‬وكما‭ ‬لاحظ‭ ‬المفكر‭ ‬المغربي‭ ‬عبدالله‭ ‬العروي،‭ ‬فإن‭ ‬الثقافة‭ ‬لا‭ ‬تموت‭ ‬عندما‭ ‬تباع،‭ ‬بل‭ ‬عندما‭ ‬تفقد‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬طرح‭ ‬الأسئلة،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬ضمان‭ ‬بقاء‭ ‬المنتج‭ ‬الثقافي‭ ‬حاملًا‭ ‬لرسالة‭ ‬نقدية‭ ‬وإنسانية،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ضغط‭ ‬المؤشرات‭ ‬المالية‭. ‬وتبقى‭ ‬الأرقام‭ ‬والدراسات‭ ‬دليلًا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬القطاع‭ ‬في‭ ‬نمو‭ ‬مطرد،‭ ‬لكن‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬تقاس‭ ‬بعمق‭ ‬التأثير‭ ‬لا‭ ‬بحجم‭ ‬المبيعات‭ ‬فقط،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬وعيًا‭ ‬مؤسسيًّا‭ ‬وفلسفيًّا‭ ‬متجددًا‭.‬

ختامًا،‭ ‬يظل‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬تسليع‭ ‬الثقافة‭ ‬جدلًا‭ ‬خصيبًا‭ ‬يعكس‭ ‬صراعًا‭ ‬أعمق‭ ‬بين‭ ‬قيمتين‭ ‬إنسانيتين‭: ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬العيش‭ ‬الكريم‭ ‬عبر‭ ‬الإبداع،‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬نقاء‭ ‬التجربة‭ ‬الجمالية؛‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬الثقافة‭ ‬ترفًا‭ ‬فكريًا‭ ‬بل‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬معرفية‭ ‬واقتصادية‭. ‬إن‭ ‬إدارة‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬بحكمة‭ ‬تتطلب‭ ‬وعيًا‭ ‬فلسفيا‭ ‬ورقابة‭ ‬مؤسسية،‭ ‬لضمان‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬الفن‭ ‬مرآة‭ ‬للإنسان،‭ ‬وليس‭ ‬سلعة‭ ‬تستهلك‭ ‬وتنسى،‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يتسارع‭ ‬نحو‭ ‬الرقمنة‭ ‬والربح‭ ‬معًا‭.‬

{ أستاذ‭ ‬بكلية‭ ‬التربية‭ ‬

‭ ‬جامعة‭ ‬الإسكندرية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا