العدد : ١٧٦١٤ - الأحد ١٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦١٤ - الأحد ١٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

العلاقة بين الحرية والقوة في الفكر السياسي الغربي

بقلم: د. عصام عبدالفتاح {

الأحد ١٤ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

كان‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الإنجليزي‭ ‬توماس‭ ‬هوبز‭ (‬1588-1679‭) ‬يقرن‭ ‬مفهوم‭ ‬الحرية‭ ‬بمفهوم‭ ‬القوة،‭ ‬فالفرد‭ ‬عنده‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬حراً‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تتوافر‭ ‬لديه‭ ‬القوة‭ ‬أو‭ ‬السلطة‭ ‬التي‭ ‬تمكنه‭ ‬من‭ ‬الفعل‭ ‬والحركة‭ ‬لإقصاء‭ ‬الآخرين‭ ‬ومنعهم‭ ‬من‭ ‬وضع‭ ‬عراقيل‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬حريته‭ ‬في‭ ‬التصرف‭ ‬بأي‭ ‬صورة‭ ‬من‭ ‬الصور‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬نشأ‭ ‬عند‭ ‬هوبز‭ ‬مفهوم‭ ‬فلسفي‭ ‬للحرية‭ ‬تتماهى‭ ‬فيه‭ ‬مع‭ ‬القوة‭ ‬أو‭ ‬السلطة‭ ‬التي‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬فعلياً‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬‮«‬إزاحة‭ ‬سلطة‭ ‬أو‭ ‬قوة‭ ‬لفرد‭ ‬آخر‭ ‬منافس‮»‬‭ ‬يشكل‭ ‬وجوده‭ ‬تهديداً‭ ‬لها‭ ‬وقيداً‭ ‬على‭ ‬إمكاناتها‭. ‬

لذا‭ ‬عرف‭ ‬هوبز‭ ‬السلطة‭ ‬أو‭ ‬القوة‭ ‬بأنها‭ ‬الوسائل‭ ‬المتاحة‭ ‬في‭ ‬الحاضر‭ ‬للحصول‭ ‬علي‭ ‬خيرٍ‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬ورأى‭ ‬أن‭ ‬البشر‭ ‬منخرطون‭ ‬في‭ ‬منافسة‭ ‬دائمة‭ ‬لزيادة‭ ‬قوتهم‭ ‬ونفوذهم‭. ‬ومن‭ ‬منظور‭ ‬هوبزى،‭ ‬تعتمد‭ ‬حريتي‭ ‬الفعلية‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬على‭ ‬قدرتي‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬الآخرين‭ ‬من‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬ذاتي‭.‬

ولما‭ ‬جاء‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الألماني‭ ‬فريدريك‭ ‬نيتشه‭ ‬وضع‭ ‬تصوراً‭ ‬فلسفياً‭ ‬ربط‭ ‬فيه‭ ‬بين‭ ‬الحرية‭ ‬والقوة،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يتبنَّ‭ ‬فيه‭ ‬مفهوماً‭ ‬صراعياً‭ ‬للحرية‭ ‬يجعل‭ ‬منها‭ ‬قوة‭ ‬تسعي‭ ‬إلى‭ ‬تقويض‭ ‬قوة‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يرى‭ ‬هوبز،‭ ‬وإنما‭ ‬الحرية‭ ‬عنده‭ ‬ترتد‭ ‬إلى‭ ‬إرادة‭ ‬القوة‭ ‬وهو‭ ‬مفهوم‭ ‬جوهري‭ ‬في‭ ‬فلسفته‭. ‬فالكائنات‭ ‬الحية‭ ‬عند‭ ‬نيتشه‭ ‬لا‭ ‬تسعي‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬البقاء،‭ ‬بل‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬قوتها،‭ ‬وتنمية‭ ‬قدراتها،‭ ‬وتوسيع‭ ‬نطاق‭ ‬تأثيرها،‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬طاقتها‭ ‬وقوتها‭ ‬الكامنة،‭ ‬وبناءً‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬الحرية‭ ‬ليست‭ ‬حالةً‭ ‬سلبية‭ ‬أو‭ ‬مجرد‭ ‬وضع‭ ‬ساكن،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬التجسيد‭ ‬الناجح‭ ‬لإرادة‭ ‬القوة‭. ‬

ويرفض‭ ‬نيتشه‭ ‬الفكرة‭ ‬الحديثة‭ ‬القائلة‭ ‬إن‭ ‬جميع‭ ‬الأفراد‭ ‬يمتلكون‭ ‬القدرة‭ ‬نفسها‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬أحراراً؛‭ ‬لأن‭ ‬الحرية‭ ‬تفترض‭ ‬توافر‭ ‬خصال‭ ‬لا‭ ‬تتوافر‭ ‬للجميع‭ ‬كضبط‭ ‬النفس‭ ‬والاستقلال‭ ‬الفكري‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الإبداع،‭ ‬لذا‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬أفراد‭ ‬أكثر‭ ‬حرية‭ ‬من‭ ‬غيرهم‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬العلاقات‭ ‬الإنسانية‭ ‬تتضمن‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬علاقات‭ ‬قوة‭ ‬وصراع‭ ‬نفوذ‭ ‬فإن‭ ‬مفهوم‭ ‬نيتشه‭ ‬للقوة‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تجاوز‭ ‬الذات‭ ‬والتفوق‭ ‬على‭ ‬النفس‭ ‬وتخطي‭ ‬حدودها‭ ‬السابقة‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭.‬

ولما‭ ‬جاء‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الأمريكي‭ ‬جون‭ ‬ديوي‭ (‬1859-1952‭) ‬انتقد‭ ‬التصور‭ ‬الليبرالي‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الحرية‭ ‬تعني‭ ‬ببساطة‭ ‬أن‭ ‬يُترك‭ ‬الفرد‭ ‬وشأنه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تدخل‭. ‬فبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬ديوي‭ ‬تعد‭ ‬الحرية‭ ‬القانونية‭ ‬البحتة‭ ‬فارغة‭ ‬من‭ ‬مضمونها‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يمتلك‭ ‬الفرد‭ ‬الوسائل‭ ‬الفعلية‭ ‬التي‭ ‬تمكّنه‭ ‬من‭ ‬التصرف‭ ‬والعمل؛‭ ‬لذا‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬إن‭ ‬الحرية‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تُفهم‭ ‬بوصفها‭ ‬قدرة‭ ‬فعلية‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬بأفعال‭ ‬محددة‮»‬‭.‬

لكن‭ ‬لديوي‭ ‬مقولة‭ ‬أخرى‭ ‬شهيرة‭ ‬حول‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الحرية‭ ‬والقوة‭ ‬تقول‭: ‬‮«‬الحرية‭ ‬هي‭ ‬القوة‭ ‬‮«‬liberty‭ ‬is‭ ‬power‮»‬،‭ ‬والغالب‭ ‬أن‭ ‬ديوي‭ ‬كان‭ ‬يقصد‭ ‬بذلك‭ ‬أن‭ ‬الحرية‭ ‬قوة‭ ‬خلاقة‭ ‬وتعاونية‭ ‬تمكن‭ ‬الفرد‭ ‬من‭ ‬الفعل‭ ‬وتحقيق‭ ‬إمكاناته‭ ‬لا‭ ‬فرض‭ ‬هيمنة‭ ‬على‭ ‬الآخر‭ ‬أو‭ ‬إقصائه‮»‬‭.‬

ومع‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬تاريخ‭ ‬الفلسفة‭ ‬يعلمنا‭ ‬دائماً‭ ‬أن‭ ‬منطق‭ ‬الفكرة‭ ‬أقوى‭ ‬دائماً‭ ‬من‭ ‬إرادة‭ ‬صاحبها؛‭ ‬إذ‭ ‬هيمنت‭ ‬على‭ ‬حكومات‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬المتلاحقة‭ ‬الفكرة‭ ‬التي‭ ‬تمزج‭ ‬حرية‭ ‬الإنسان‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إقصاء‭ ‬قوى‭ ‬أخرى‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬منافسة،‭ ‬بل‭ ‬ظهر‭ ‬فيها‭ ‬مفكرون‭ ‬سياسيون‭ ‬يعتنقون‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭. ‬فبخلاف‭ ‬ما‭ ‬يشهده‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬أمثلة‭ ‬حية‭ ‬لنزعة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬نحو‭ ‬الهيمنة‭ ‬التامة‭ ‬على‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬مجرياتها‭ ‬ومقاديرها،‭ ‬تحرص‭ ‬دائماً‭ ‬على‭ ‬الحؤول‭ ‬دون‭ ‬صعود‭ ‬أي‭ ‬قوة‭ ‬دولية‭ ‬عسكرية‭ ‬أو‭ ‬اقتصادية‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬الدولية‭ ‬يستشعر‭ ‬منها‭ ‬خطر‭ ‬أو‭ ‬تهديد‭ ‬لمصالحها‭ ‬أو‭ ‬مصالح‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬ليست‭ ‬إلا‭ ‬كياناً‭ ‬تابعاً‭ ‬للكيان‭ ‬الأمريكي‭.‬

‭ ‬ولم‭ ‬يخطئ‭ ‬الرئيس‭ ‬الفرنسي‭ ‬السابق‭ ‬جاك‭ ‬شيراك‭ ‬عندما‭ ‬صرح‭ ‬عقب‭ ‬زيارته‭ ‬للقدس‭: ‬‮«‬كنت‭ ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مجرد‭ ‬صديق‭ ‬حميم‭ ‬لإسرائيل،‭ ‬وإذا‭ ‬بي‭ ‬أكتشف‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬هي‭ ‬الولاية‭ ‬الواحدة‭ ‬والخمسين‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭!‬‮»‬‭.‬

والواقع‭ ‬أن‭ ‬مفكري‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬تياراتهم‭ ‬وانتماءاتهم‭ ‬بين‭ ‬أنصار‭ ‬لليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬واليسار‭ ‬العلماني‭ ‬يكادون‭ ‬يجمعون‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬حرية‭ ‬إسرائيل‭ ‬ترتبط‭ ‬وجوداً‭ ‬وعدماً‭ ‬بقدرتها‭ ‬العملية‭ ‬على‭ ‬إقصاء‭ ‬أي‭ ‬قوة‭ ‬منافسة‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬ومنع‭ ‬ظهور‭ ‬أي‭ ‬قوة‭ ‬منافسة‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬يستشعر‭ ‬منها‭ ‬أي‭ ‬خطر‭ ‬أو‭ ‬تهديد‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬وهمياً‭. ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬يسعي‭ ‬اللوبي‭ ‬الصهيوني‭ ‬في‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬الأساليب‭ ‬التي‭ ‬تمكنه‭ ‬من‭ ‬التحكم‭ ‬التام‭ ‬في‭ ‬قرارات‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬لكي‭ ‬تصب‭ ‬كلها‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬أساليبه‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭.‬

‭ ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬2007‭ ‬أسس‭ ‬اللوبي‭ ‬الصهيوني‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬منظمة‭ ‬إيلنت‭ (‬ELNET‭)  -‬شبكة‭ ‬القيادة‭ ‬الأوروبية‭- ‬بهدف‭ ‬تطبيق‭ ‬أساليب‭ ‬اللوبي‭ ‬الصهيوني‭ ‬المعهودة‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬العمليات‭ ‬الانتخابية‭ ‬لتصب‭ ‬كلها‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬إسرائيل،‭ ‬كما‭ ‬تنظم‭ ‬إيلنت‭ ‬رحلات‭ ‬مجانية‭ ‬للقادة‭ ‬السياسيين‭ ‬والبرلمانيين‭ ‬الأوروبيين‭ ‬إلى‭ ‬إسرائيل‭ ‬لكي‭ ‬تضمن‭ ‬مساندتهم‭ ‬لإسرائيل‭ ‬والتغاضي‭ ‬عن‭ ‬مذابحها‭ ‬للفلسطينيين‭.‬

{ أستاذ‭ ‬فلسفة‭ ‬اللغة‭ ‬والأدب‭ ‬الفرنسي‭ ‬

بكلية‭ ‬الآداب‭ - ‬جامعة‭ ‬حلوان

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا