كان الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز (1588-1679) يقرن مفهوم الحرية بمفهوم القوة، فالفرد عنده لا يكون حراً إذا لم تتوافر لديه القوة أو السلطة التي تمكنه من الفعل والحركة لإقصاء الآخرين ومنعهم من وضع عراقيل تحد من حريته في التصرف بأي صورة من الصور. ومن ثم نشأ عند هوبز مفهوم فلسفي للحرية تتماهى فيه مع القوة أو السلطة التي تعبر عن نفسها فعلياً في القدرة على «إزاحة سلطة أو قوة لفرد آخر منافس» يشكل وجوده تهديداً لها وقيداً على إمكاناتها.
لذا عرف هوبز السلطة أو القوة بأنها الوسائل المتاحة في الحاضر للحصول علي خيرٍ في المستقبل، ورأى أن البشر منخرطون في منافسة دائمة لزيادة قوتهم ونفوذهم. ومن منظور هوبزى، تعتمد حريتي الفعلية في كثير من الأحيان على قدرتي على منع الآخرين من الهيمنة على ذاتي.
ولما جاء الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه وضع تصوراً فلسفياً ربط فيه بين الحرية والقوة، لكنه لم يتبنَّ فيه مفهوماً صراعياً للحرية يجعل منها قوة تسعي إلى تقويض قوة أخرى على غرار ما كان يرى هوبز، وإنما الحرية عنده ترتد إلى إرادة القوة وهو مفهوم جوهري في فلسفته. فالكائنات الحية عند نيتشه لا تسعي إلى مجرد البقاء، بل تميل إلى زيادة قوتها، وتنمية قدراتها، وتوسيع نطاق تأثيرها، والتعبير عن طاقتها وقوتها الكامنة، وبناءً على ذلك فإن الحرية ليست حالةً سلبية أو مجرد وضع ساكن، بل هي التجسيد الناجح لإرادة القوة.
ويرفض نيتشه الفكرة الحديثة القائلة إن جميع الأفراد يمتلكون القدرة نفسها على أن يكونوا أحراراً؛ لأن الحرية تفترض توافر خصال لا تتوافر للجميع كضبط النفس والاستقلال الفكري والقدرة على الإبداع، لذا كان هناك أفراد أكثر حرية من غيرهم. ورغم أن العلاقات الإنسانية تتضمن في كثير من الأحيان علاقات قوة وصراع نفوذ فإن مفهوم نيتشه للقوة يتمثل في تجاوز الذات والتفوق على النفس وتخطي حدودها السابقة لا في السيطرة على الآخرين.
ولما جاء الفيلسوف الأمريكي جون ديوي (1859-1952) انتقد التصور الليبرالي الكلاسيكي الذي يرى أن الحرية تعني ببساطة أن يُترك الفرد وشأنه من دون تدخل. فبالنسبة إلى ديوي تعد الحرية القانونية البحتة فارغة من مضمونها إذا لم يمتلك الفرد الوسائل الفعلية التي تمكّنه من التصرف والعمل؛ لذا يقول: «إن الحرية ينبغي أن تُفهم بوصفها قدرة فعلية على القيام بأفعال محددة».
لكن لديوي مقولة أخرى شهيرة حول العلاقة بين الحرية والقوة تقول: «الحرية هي القوة «liberty is power»، والغالب أن ديوي كان يقصد بذلك أن الحرية قوة خلاقة وتعاونية تمكن الفرد من الفعل وتحقيق إمكاناته لا فرض هيمنة على الآخر أو إقصائه».
ومع ذلك فإن تاريخ الفلسفة يعلمنا دائماً أن منطق الفكرة أقوى دائماً من إرادة صاحبها؛ إذ هيمنت على حكومات الولايات المتحدة المتلاحقة الفكرة التي تمزج حرية الإنسان بقدرته على استخدام القوة من أجل إقصاء قوى أخرى قد تكون منافسة، بل ظهر فيها مفكرون سياسيون يعتنقون هذا المفهوم. فبخلاف ما يشهده العالم من أمثلة حية لنزعة الولايات المتحدة نحو الهيمنة التامة على العلاقات الدولية والتحكم في مجرياتها ومقاديرها، تحرص دائماً على الحؤول دون صعود أي قوة دولية عسكرية أو اقتصادية على الساحة الدولية يستشعر منها خطر أو تهديد لمصالحها أو مصالح إسرائيل على اعتبار أن إسرائيل ليست إلا كياناً تابعاً للكيان الأمريكي.
ولم يخطئ الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك عندما صرح عقب زيارته للقدس: «كنت أظن أن الولايات المتحدة مجرد صديق حميم لإسرائيل، وإذا بي أكتشف اليوم أن إسرائيل هي الولاية الواحدة والخمسين للولايات المتحدة!».
والواقع أن مفكري إسرائيل على اختلاف تياراتهم وانتماءاتهم بين أنصار لليمين المتطرف واليسار العلماني يكادون يجمعون على اعتبار أن حرية إسرائيل ترتبط وجوداً وعدماً بقدرتها العملية على إقصاء أي قوة منافسة لها في العالم العربي، ومنع ظهور أي قوة منافسة في المستقبل يستشعر منها أي خطر أو تهديد ولو كان وهمياً. وأكثر من ذلك، يسعي اللوبي الصهيوني في يومنا هذا إلى استخدام الأساليب التي تمكنه من التحكم التام في قرارات الاتحاد الأوروبي لكي تصب كلها في مصلحة إسرائيل على غرار أساليبه في واشنطن.
ففي عام 2007 أسس اللوبي الصهيوني في أوروبا منظمة إيلنت (ELNET) -شبكة القيادة الأوروبية- بهدف تطبيق أساليب اللوبي الصهيوني المعهودة في أمريكا على الحياة السياسية في الدول الأوروبية والتحكم في مسار العمليات الانتخابية لتصب كلها في مصلحة إسرائيل، كما تنظم إيلنت رحلات مجانية للقادة السياسيين والبرلمانيين الأوروبيين إلى إسرائيل لكي تضمن مساندتهم لإسرائيل والتغاضي عن مذابحها للفلسطينيين.
{ أستاذ فلسفة اللغة والأدب الفرنسي
بكلية الآداب - جامعة حلوان

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك