يقدِّر المحللون السياسيون والاستراتيجيون أن تبقى حالة التوتر في الشرق الأوسط مدة تقارب العشر سنين، وذلك ارتباطاً بحالة النظام العالمي، الذي لم يعد مستقراً على حاله، بسبب الصراع بين أكبر اقتصادَين في العالم، هما الولايات المتحدة التي تكافح من أجل الإبقاء على نظامها العالمي الحالي، الذي تتربع فيه على عرش النظام العالمي منفردة منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، أي منذ انتهاء الحرب الباردة، التي بانتهائها سقط النظام العالمي ثنائي القطبية، الذي كان عليه العالم منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، والصين التي تسعى إلى تغيير النظام الحالي، بالدفع إلى نظام عالمي، لا تتضح معالمه بعد، إن كان سيكون أحادياً أو ثنائياً، أو حتى متعدد الأقطاب، وهناك أكثر من قوة اقتصادية وعسكرية تشاركها في هذا الاتجاه، أهمها روسيا، ودول أخرى، ليست متضررة من النظام العالمي الأمريكي وحسب، بل هي في حالة عداء معه منذ عقود طويلة، في مقدمتها إيران، كوريا الشمالية، وحتى الاتحاد الأوروبي بصورة أو بأخرى.
أما لماذا يقدر المحللون الفترة أن تكون بحدود العشر سنوات، فلا أحد يجيب بالطبع، لأن هذا أمر بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً، بسبب وجود عوامل عديدة، تحدد نتيجة الصراع الكوني بين القوة الأمريكية والقوى الأخرى، حيث لا يمكن التكهن الآن، بمن سيفوز من الطرفين، وإن كانت نتائج الصراع في كل من الشرق الأوسط، وأوكرانيا، قد رجّحت بقدر واضح أن النظام الأمريكي لن يبقى طويلاً على حاله، المهم أن المقصود من تحديد المدة هو القول: إن الصراع الساخن الحالي من غير المتوقع أن ينتهي قريباً؛ لأنه مرتبط بالصراع الكوني على النظام العالمي، وبالتالي فإن من يعتقد من أمثال بنيامين نتنياهو أن إعادة تشكيل الشرق الأوسط باتت في الأفق فهو مخطئ.
وربما كان تقدير المحللين مرتبطاً بعنصر اقتصادي، له علاقة بمعدل نمو الاقتصاد الصيني السنوي، ومعروف أن الصراع على النظام العالمي أو داخله لم يعد عسكرياً كما كان الحال في القرون الماضية، فقد توقف تفكير أو سعي القوى العسكرية العالمية للسيطرة على العالم بالقوة العسكرية فقط منذ الحرب العالمية الثانية، التي انتهت بقصف كل من مدينتَي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين بالقنابل النووية الأمريكية، ليشهد العالم سباق تسلح نووي بعد ذلك، تحول إلى رادع يمنع نشوب حرب عالمية ثالثة، لأنها ستعني فناء البشرية، نظراً لما لدى تسع دول في العالم من قنابل نووية، عدد قليل منها كاف لتدمير الكرة الأرضية بالكامل، ومعروف أيضاً أن إجمالي الناتج القومي الأمريكي يعادل نحو 30 تريليون دولار، فيما إجمالي الناتج القومي الصيني يبلغ نحو 20 تريليون دولار، لكن مع نمو سنوي يتجاوز 5%، ما يعني أن الاقتصاد الصيني سيتجاوز خلال عشر سنوات أو أقل الاقتصاد الأمريكي، وبذلك يتم إقصاء أمريكا عن عرش النظام العالمي.
المهم ما يعنينا نحن هنا - كشرق أوسط بشكل عام وكفلسطينيين بشكل خاص- هو ما سيكون عليه حال أو شكل المنطقة بعد عقد قادم، أي بعد استقرار حالة النظام العالمي، وهل سيكون جيداً أو سيئاً ارتباطاً بنتيجة الصراع الكوني، ومنه الصراع الحالي في الشرق الأوسط، وهذا سيتقرر وفق أحد خيارين لا ثالث لهما، أحدهما سيكون سيئاً جداً، هذا لو أن أمريكا حسمت الصراع الكوني لصالحها، فيما حسمت إسرائيل الصراع في الشرق الأوسط لصالحها، أما في حال العكس، أي أن إسرائيل انهزمت في حروبها في الشرق الأوسط، وخسرت أمريكا صراعها الكوني، فإن حالنا كفلسطينيين وعرب، إن لم يكن أفضل بكثير، فلن يكون أسوأ، مع ضرورة الانتباه إلى أن الشرق الأوسط، خاصة الجزء العربي منه، ستتغير ملامحه في الحالتين، ما يعني على الأرجح عدم ثبات «سايكس - بيكو» لا بالنسبة إلى الحدود التي رسمت في تقسيم العالم العربي، ومنه إقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين التاريخية.
ما من شك بأن من يفكر ويسعى إلى إقامة «إسرائيل الكبرى»، لا يمكنه أن يفكر بقيام دولة فلسطين، أياً يكن شكلها، ولو نجح الإسرائيليون في تنفيذ مشروعهم هذا، الذي ليس بالضرورة أن يكون مطابقاً تماماً للحلم اللاهوتي القديم، «من النيل إلى الفرات» كحدود صريحة، ولكن المؤكد أن الحدود النهائية لدولة إسرائيل الكبرى لن تكون لا حدود التقسيم، ولا حدود 67، بل الحدود التي تطؤها أقدام الجنود الإسرائيليين كما قال يوماً موشي ديان قبل عقود طويلة، بل ستشمل كل أرض فلسطين التاريخية، ومعها الجولان، وما تم احتلاله من شريط حدودي لبناني، ومن قرى إضافية في سورية، ، أي أن حدود إسرائيل الكبرى النهائية، تعتمد على النتيجة النهائية للصراع الحالي في الشرق الأوسط.
أما في حال انتهى الصراع بعد السنوات القادمة لصالح الصين كقوة عظمى، حتى لو بقيت أمريكا قطباً عالمياً، أي أن النظام العالمي ذهب إلى نظام متعدد الأقطاب، فإن مثل ذلك النظام، قد يفرض مستوى أفضل بكثير من احترام القوانين الدولية، أي قد يفرض حل الدولتين، بقيام دولة فلسطين، ويفرض على إسرائيل الانكفاء عن حلم إسرائيل الكبرى، والاكتفاء بدولة التقسيم، أو دولة 67، وعلى الأرجح، أن النظام الإقليمي في الشرق الأوسط سيكون على شاكلة النظام العالمي، ومجرد أن تنكفئ أمريكا، بعد أن فشلت في أوكرانيا، وبعد أن تفشل في الشرق الأوسط، فإن إسرائيل ستنكفئ أيضاً.
ملخص القول: إن الشرق الأوسط، لن يكون على حاله تماماً، وهو يشهد منذ أكثر من عامين حرباً إقليمية حاسمة، وإذا كانت تدور اليوم بين طرفين، فيما معظم الأطراف من دول وقوى تنتظر الوجهة التي ستميل إليها كفة الميزان، ولعل الحال بالنسبة إلى فلسطين أكثر وضوحاً من غيرها، وكأن الله سبحانه وتعالى، يشفق على الفلسطينيين من كثرة ما تعرضوا له من ألم وقهر، فمصلحة فلسطين حتما في انهيار مشروع إسرائيل الكبرى مما يزيد من احتمالات قيام دولة فلسطينية.
{ كاتب من فلسطين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك