العدد : ١٧٦١٤ - الأحد ١٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦١٤ - الأحد ١٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

لبنان وحالة الاستنزاف التي لا تنتهي!

بقلم: د. رضوان السيد {

الأحد ١٤ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

حالةُ‭ ‬لبنان‭ ‬هي‭ ‬الرابعة‭ ‬أو‭ ‬الخامسة‭ ‬التي‭ ‬تُحدثُها‭ ‬إيران‭ ‬استنزافًا‭ ‬وتخريبًا‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭. ‬مرةً‭ ‬بحجة‭ ‬النصرة‭ ‬ومرةً‭ ‬بحجة‭ ‬الثأر،‭ ‬ومرات‭ ‬حيث‭ ‬يتعذر‭ ‬الاسم‭ ‬أو‭ ‬العنوان‭ ‬أو‭ ‬العلّة‭!‬

لقد‭ ‬بدأ‭ ‬التخريب‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬عام‭ ‬2023‭ ‬عندما‭ ‬دفعت‭ ‬إيران‭ ‬الحزب‭ ‬المسلَّح‭ ‬نحو‭ ‬الحرب‭ ‬بالتحرش‭ ‬بإسرائيل‭ ‬بحجة‭ ‬إسناد‭ ‬غزة‭. ‬ما‭ ‬تجرأت‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬التدخل‭ ‬بنفسها‭ ‬خشية‭ ‬أن‭ ‬تهاجمها‭ ‬إسرائيل‭ ‬فعادت‭ ‬إلى‭ ‬تكتيك‭ ‬الأذرع،‭ ‬وفي‭ ‬الطليعة‭ ‬عندها‭ ‬الحزب‭ ‬المسلَّح‭ ‬بلبنان‭. ‬وبعد‭ ‬جهدٍ‭ ‬جهيد‭ ‬وقد‭ ‬بدأ‭ ‬الخراب‭ ‬نتيجة‭ ‬الهجمات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬حصل‭ ‬لبنان‭ ‬بالكاد‭ ‬على‭ ‬وقفٍ‭ ‬لإطلاق‭ ‬النار‭. ‬لتتجدد‭ ‬المصيبة‭ ‬بعد‭ ‬مقتل‭ ‬المرشد‭ ‬علي‭ ‬خامنئي‭ ‬فيهبُّ‭ ‬الحزب‭ ‬المسلَّح‭ ‬للثأر،‭ ‬وتكون‭ ‬النتيجة‭ ‬المفجعة‭ ‬ما‭ ‬شهدتْه‭ ‬الأسابيع‭ ‬الماضية‭ ‬من‭ ‬قتلٍ‭ ‬للآلاف،‭ ‬وتخريب‭ ‬للقرى‭ ‬والبلدات‭ ‬وتهجير‭ ‬لمليون‭ ‬نسمةٍ‭ ‬وزيادة،‭ ‬واحتلالٍ‭ ‬لألف‭ ‬كيلومتر‭ ‬أو‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬أرض‭ ‬الجنوب‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬الاحتلالات‭ ‬تتوالى‭ ‬عليه‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1978‭!‬

حتى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬أقوى‭ ‬قوة‭ ‬عسكرية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬الحرب‭ ‬وقد‭ ‬فعلت‭ ‬ذلك‭ ‬مراراً،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬دائماً‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬عندما‭ ‬تريد‭.‬

في‭ ‬حالة‭ ‬لبنان‭ ‬وبعد‭ ‬الخراب‭ ‬الهائل‭ ‬تبلورت‭ ‬رغبةٌ‭ ‬عارمة‭ ‬تقودها‭ ‬الدولة‭ ‬اللبنانية‭ ‬لإنهاء‭ ‬الحرب‭. ‬وبالطبع،‭ ‬فإنّ‭ ‬الشروط‭ ‬قاسية‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬والحزب‭ ‬المتراجع‭ ‬أمام‭ ‬إسرائيل‭ ‬يأبى،‭ ‬وإسرائيل‭ ‬تأبى‭ ‬لأنها‭ ‬فرصة‭ ‬لإنهاء‭ ‬كل‭ ‬الحروب‭ ‬مع‭ ‬شعور‭ ‬بتفوق‭ ‬جيشها‭ ‬ودعم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬له‭. ‬ورغم‭ ‬رفض‭ ‬الحزب‭ ‬وكبريائه‭ ‬ودعاويه‭ ‬الانتصارية،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬يرغب‭ ‬بإلحاحٍ‭ ‬في‭ ‬وقفٍ‭ ‬للنار‭ ‬لالتقاط‭ ‬الأنفاس،‭ ‬لكن‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة،‭ ‬فإيران‭ ‬التي‭ ‬أمرت‭ ‬ببدء‭ ‬الحرب،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تُنهيها‭. ‬لكن‭ ‬أين‭ ‬نحن‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬وقف‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬نفسها‭ ‬فكيف‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تطلب‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬إسرائيل‭ ‬وأمريكا؟‭!‬

إنما‭ ‬الأهمُّ‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬كيف‭ ‬الصبر‭ ‬والتحمل‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الجمهور‭ ‬الضخم‭ ‬المهجَّر‭ ‬والهائم‭ ‬على‭ ‬وجهه‭ ‬بانتظار‭ ‬أن‭ ‬تسمح‭ ‬إيران‭ ‬بوقف‭ ‬الحرب،‭ ‬ثم‭ ‬من‭ ‬يستجيب‭ ‬لها‭ ‬إن‭ ‬سمحت؟‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬لذلك‭ ‬غير‭ ‬السلطة‭ ‬اللبنانية‭ ‬الضعيفة‭ ‬أمام‭ ‬إسرائيل‭ ‬والضعيفة‭ ‬أيضا‭ ‬أمام‭ ‬الحزب‭ ‬المسلَّح‭. ‬اتخذت‭ ‬السلطة‭ ‬اللبنانية‭ ‬قرارات‭ ‬بحصرية‭ ‬السلاح‭ ‬بيدها،‭ ‬وأعلنت‭ ‬أن‭ ‬سلاح‭ ‬الحزب‭ ‬سلاح‭ ‬غير‭ ‬شرعي‭. ‬وما‭ ‬نفع‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬وصارت‭ ‬تهمة‭ ‬الخيانة‭ ‬لأركان‭ ‬الدولة‭ ‬اللبنانية‭ ‬أقلّ‭ ‬التُهم‭ ‬المتداولة‭. ‬لجأت‭ ‬السلطة‭ ‬اللبنانية‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬الوفاء‭ ‬بتعهداتها‭ ‬بإخلاء‭ ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬نهر‭ ‬الليطاني‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬السلاح‭ ‬والمسلحين‭- ‬لجأت‭ ‬لعرض‭ ‬التفاوض‭ ‬المباشر‭ ‬على‭ ‬إسرائيل‭ ‬بدعوةٍ‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإشرافها‭. ‬هاج‭ ‬الحزب‭ ‬وأنصاره‭ ‬وماجوا‭ ‬بحجة‭ ‬أن‭ ‬التفاوض‭ ‬المباشر‭ ‬عارٌ‭ ‬وشنار‭. ‬والسلطة‭ ‬رأت‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬أنها‭ ‬بعد‭ ‬تورطات‭ ‬الحزب‭ ‬ما‭ ‬عادت‭ ‬تستطيع‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يسند‭ ‬موقفها‭.‬

بعد‭ ‬تردد‭ ‬وتمنع‭ ‬والاجتياحات‭ ‬مستمرة‭ ‬أرغمت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬على‭ ‬قبول‭ ‬التفاوض‭ ‬بأمريكا‭. ‬ومضت‭ ‬جولات‭ ‬عدة‭. ‬ولأنّ‭ ‬الحرب‭ ‬تعاظمت‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تسكن،‭ ‬طلب‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬اللبنانية‭ ‬جوزيف‭ ‬عون‭ ‬التأثير‭ ‬من‭ ‬الجانب‭ ‬الأمريكي‭ ‬تأمين‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬أثناء‭ ‬التفاوض‭ ‬على‭ ‬الأقل‭!.‬

المطلب‭ ‬اللبناني‭ ‬الرسمي‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ ‬لسوء‭ ‬الحظ‭ ‬عن‭ ‬مطلب‭ ‬الحزب‭ ‬المسلَّح‭: ‬وقف‭ ‬النار‭ ‬والانسحاب‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬وعودة‭ ‬المهجَّرين‭ ‬والبدء‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار‭. ‬والمطلب‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الرسمي‭: ‬نزع‭ ‬سلاح‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭ ‬وعقد‭ ‬اتفاقية‭ ‬سلام‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭.‬

‭ ‬إنما‭ ‬الطريف‭ ‬ليس‭ ‬هذا‭ ‬التباعد‭ ‬في‭ ‬المطالب؛‭ ‬فهو‭ ‬المعتاد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مفاوضات‭. ‬الطريف‭ ‬أنه‭ ‬مع‭ ‬تدخل‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬مع‭ ‬نتنياهو‭ ‬لوقف‭ ‬النار،‭ ‬هبّت‭ ‬إيران‭ ‬ومعها‭ ‬الحزب‭ ‬وبعض‭ ‬السياسيين‭ ‬للزعم‭ ‬أنها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬فرضت‭ ‬على‭ ‬إسرائيل‭ ‬وأمريكا‭ ‬وقف‭ ‬النار‭(!) ‬عندما‭ ‬أدخلت‭ ‬في‭ ‬المفاوضات‭ ‬بباكستان‭ ‬وقطر‭ ‬شرط‭ ‬وقف‭ ‬النار‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الجبهات‭ ‬بمن‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬لبنان‭. ‬وصدّقها‭ ‬الجميع‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬قال‭ ‬إنه‭ ‬اتصل‭ ‬مع‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭ ‬بالوساطة‭ ‬كما‭ ‬اتصل‭ ‬بنتنياهو‭ ‬لكي‭ ‬يضمن‭ ‬التزام‭ ‬الطرفين‭.‬

‭ ‬وهكذا،‭ ‬فصحيح‭ ‬عند‭ ‬الحزب‭ ‬أنه‭ ‬فقد‭ ‬آلاف‭ ‬القتلى،‭ ‬وتشرد‭ ‬معظم‭ ‬سكان‭ ‬الجنوب،‭ ‬والأرض‭ ‬محتلة‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬يحصل‭ ‬من‭ ‬قبل؛‭ ‬لكنّ‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬اتصل‭ ‬فاعترف‭ ‬بذلك‭ ‬بالحزب‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعتبره‭ ‬‮«‬إرهابياً‮»‬،‭ ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬انتصاراً‭ ‬فما‭ ‬هو‭ ‬الانتصار؟‭!‬

وقْف‭ ‬النار‭ ‬هشٌّ‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬يثبت‭ ‬طويلاً‭. ‬والأرض‭ ‬محتلة‭. ‬والمليون‭ ‬نازح‭ ‬ونيف‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭. ‬وهكذا،‭ ‬فالاستنزاف‭ ‬مستمر‭. ‬والناس‭ ‬يستفيقون‭ ‬الآن‭ ‬على‭ ‬الأهوال‭ ‬التي‭ ‬نزلت‭ ‬بهم‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الوضع‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬فما‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬الاتفاق‭ ‬الأمني‭ ‬واتفاق‭ ‬السلام،‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬الحزب‭ ‬المنتصر‭ ‬بعدد‭ ‬القتلى‭ ‬الكبير‭ ‬لن‭ ‬يعترف‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬والسلطة‭ ‬لن‭ ‬تتحرك‭ ‬خشية‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬كما‭ ‬يقولون‭!‬

الاستعصاء‭ ‬الإيراني‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬أمريكا‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬بل‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬على‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬تعتدي‭ ‬إيران‭ ‬وأذرعها‭ ‬على‭ ‬استقرارهم‭ ‬وعمرانهم‭ ‬والعلاقات‭ ‬التي‭ ‬بنوها‭ ‬مع‭ ‬العالم؛‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تظل‭ ‬الغوغاء‭ ‬تهتف‭ ‬باسم‭ ‬الولي‭ ‬الفقيه‭!‬

 

{ كاتب‭ ‬ومفكر‭ ‬لبناني

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا