عندما كانت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما تتفاوض على إبرام اتفاق نووي مع إيران، سألت مسؤولي مجلس الأمن القومي قائلا: «لماذا تسخرون كل نفوذكم الاقتصادي ومواردكم السياسية والدبلوماسية لمنع إيران من تطوير قنبلة لا تمتلكها (وحتى لو امتلكتها، فإنها لن تتمكن من استخدامها أبدًا) بينما يمكن استخدام هذه الموارد نفسها والإمكانات للضغط على إيران لإنهاء سياساتها القائمة على التدخل في شؤون الإقليم والتي تزعزع استقرار الدول في جميع أنحاء المنطقة؟!
وعلى الرغم من هذا التحفظ الذي عبرت عنه آنذاك، فقد أبديت تأييدي لخطة العمل الشاملة المشتركة عندما تم إعلانها، وذلك لأسباب ثلاثة. أولاً، كان «الاتفاق النووي» تسوية تفاوضية، وهو أمر أفضل دائماً من الصراع.
وعلى الرغم من تصريحات المتحدثين باسم البيت الأبيض بخلاف ذلك، قدمت كاثرين أشتون، وهي دبلوماسية بريطانية رفيعة المستوى شاركت في المفاوضات، تأكيدات أن الاتفاق لم يكن سوى خطوة أولى وأن سلوك إيران سيكون التالي على جدول الأعمال.
كان أملي أن تسود العقول الرشيدة وأن تؤدي العملية التي تم البدء بها إلى اتفاق أمني إقليمي وإطار عمل للسلام.
أما السبب الثاني، فكان سعي الجمهوريين الحثيث إلى تقويض ذلك الاتفاق وإسقاطه برمته. كان من غير المعقول أن يدعو الجمهوريون زعيماً أجنبياً، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لإلقاء كلمة أمام جلسة مشتركة للكونغرس لحثّ أعضاء الكونغرس على التصويت ضد رئيسهم. لقد كان ذلك تدخلاً غير مقبول في السياسة الأمريكية.
أما السبب الثالث (وربما الأكثر غرابة) فكان رد الفعل داخل إيران على الاتفاق النووي. ففي استطلاع رأي أجريناه بعد أشهر من إعلان الاتفاق، لمسنا تغيراً ملحوظاً في الرأي العام الإيراني.
لقد أظهرت استطلاعات الرأي السابقة التي أجريناها تأييداً واسعاً من جانب الإيرانيين لإنفاق النظام أمواله على حلفائه في لبنان وسوريا والعراق واليمن. ومع بوادر تحقيق السلام، حوّل الإيرانيون أولوياتهم نحو الداخل، وتراجع تأييدهم لتدخلات النظام الخارجية.
بدلاً من توجيه تلك الموارد إلى الخارج، أراد الإيرانيون استخدامها لإيجاد وخلق فرص عمل، كما رفعوا من مطالبهم بمزيد من الحريات الشخصية والحقوق السياسية.
عندما ألغى الرئيس دونالد ترامب في عهدته الأولى الاتفاق النووي المبرم مع إيران بعد انتخابه، وبدأ يهدد النظام، أعدنا استطلاع الرأي، فوجدنا أن النتائج قد انعكست. فعندما يشعر المواطنون بأن بلادهم مهددة، فإنهم يميلون إلى أن يكونوا أقل انتقاداً أو إلى التضامن ورص الصفوف.
وخلال السنوات اللاحقة، وفي ظل استمرار مؤشرات العداء من جميع الأطراف - الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران - لم تظهر أي بوادر تحسن في الوضع القائم. ورغم وعوده بإبرام اتفاق أفضل، لم يفعل ترامب سوى تعميق العداء.
لقد أُسندت إلى إدارة الرئيس السابق جو بايدن مهمة شاقة تتمثل في إعادة إحياء اتفاق فاشل، وهي مهمة لم تبدُ ملتزمة بها التزاماً كاملاً. ومن جانبها، استمرت إيران في سلوكها كفاعل إقليمي سيئ، مع توجيهها التهديدات وتعزيز قدراتها العسكرية.
كذلك عملت دول الخليج العربي -بعد أن تُركت وشأنها- إلى إرساء الاستقرار في ظل احتمالية الفوضى التي اضطرت لمواجهتها. وعلى عكس إيران، التي قررت استخدام ثروتها لتصدير نفوذها وأيديولوجيتها المعادية للغرب، فقد اتخذت دول الخليج العربي مساراً مختلفاً، ركزت فيه على التنمية والسياحة والتجارة.
كان استمرار ازدهار الدول الخليجية يتطلب بيئة إقليمية مستقرة. ولذا، وفي خضم التوترات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران، قامت هذه الدول العربية بمبادرات دبلوماسية واقتصادية تجاه إيران، أملاً في بناء بيئة أكثر أماناً في منطقة الخليج.
بل إن الدول الخليجية كانت تأمل أن يغري الرخاء والأمن المشتركين الإيرانيين إلى الانضمام إليهم في السعي نحو صناعة مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا، وأن يقنع ذلك الإسرائيليين بحلّ جرح التهجير والاحتلال الفلسطيني المزمن، مما يهيئ الظروف لتحقيق السلام الإقليمي. لكن ذلك لم يتحقق!
لقد أرادت إسرائيل جني الفوائد الاقتصادية للسلام الإقليمي، لكنها لم تكن مستعدة للقيام بدورها، حيث وسعت احتلالها وزادت من قمعها وخنقها للفلسطينيين. ثم جاء السابع من أكتوبر 2023، وانفجرت الأوضاع في المنطقة.
وبسرعة، وبينما كانت إسرائيل تشن حرب إبادة جماعية في غزة، دخل حليف إيران في لبنان في مواجهة مدمرة ومكلفة مع إسرائيل في الشمال.
شنّ الإسرائيليون حملة قصف دموية أسفرت عن مقتل آلاف اللبنانيين، بمن فيهم زعيم حزب الله. وبعد أشهر، شنّت إسرائيل والولايات المتحدة هجوماً على إيران، ما أسفر عن مقتل زعيمها الروحي، وردّت إيران بإطلاق النار، ما أشعل فتيل مواجهة أوسع.
أسفرت المفاوضات عما سُمّي بـ«وقف إطلاق النار»، إلا أن حصيلة القتلى الفلسطينيين واللبنانيين استمرت في الارتفاع. وعندما قرر الرئيس ترامب، بتحريض من إسرائيل والمحافظين الجدد الجمهوريين، «إنهاء المهمة» بهزيمة النظام الإيراني، اتخذ الصراع منحىً جديداً.
كثفت إيران اعتداءاتها على دول الخليج العربي المجاورة، وأغلقت مضيق هرمز، مما أدى إلى قطع 20% من إمدادات النفط والغاز في العالم، وأثر سلباً في اقتصادات منطقة الخليج.
يكفي قراءة بعض الصحف الإسرائيلية والعربية والأمريكية لإثارة الغضب والاستياء. لا يزال بعض المعلقين الإسرائيليين من اليمين المتطرف (وأتباعهم من المحافظين الجدد الأمريكيين) مقتنعين بأن كل ما هو مطلوب هو حملة قصف ضخمة أخرى، إلى جانب تنفيذ المزيد من «الاغتيالات المستهدفة» - وكأن هذه التكتيكات، التي استخدمتها إسرائيل مرارًا وتكرارًا، ستكون أكثر نجاحًا مما كانت عليه في الماضي.
في غضون ذلك، راح بعض كُتّاب الرأي العرب الراديكاليون يشيدون بما اعتبروه «براعة» التكتيكات الإيرانية. من الصعب تصور كيف يُمكن اعتبار قيام طهران بإثارة عداوة جيرانهم وتعريض مستقبلهم الاقتصادي ومستقبل المنطقة للخطر أي شيء آخر إلا أنه يمثل تهوراً وخيم العواقب.
أما وسائل الإعلام الأمريكية فهي أكثر إثارة للحيرة، مع إدمانها الواضح على متابعة وابل المنشورات المربكة والمتناقضة الصادرة عن الرئيس دونالد ترامب بشكل متلهف وغير نقدي.
وهكذا، وبعد عقد من إبرام الاتفاق النووي، بات الشرق الأوسط ومنطقة الخليج في وضع أكثر هشاشة من أي وقت مضى. ورغم أن الوضع أكثر تعقيداً بكثير مما كان عليه قبل عقد من الزمن، وأن العداء بين جميع الأطراف قد ازداد عمقاً، فإن السبيل الأمثل للمضي قدماً هو إدراك أن النهج المجزأ المتبع في التعامل مع المنطقة، لم يُسفر إلا عن زيادة هشاشة أمنها.
على الرغم من صعوبة تصور تحقيق ذلك في الوقت الراهن، فإن المطلوب هو العمل على وضع إطار أمني إقليمي قائم على عدم الاعتداء وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام سيادة جميع الدول، وإنهاء واقع الاحتلال الإسرائيلي والتوقف عن إنكار الحقوق الفلسطينية.
يستلزم تحقيق هذا الأمر إدراك أنه لا توجد حلول عسكرية للمشاكل السياسية في المنطقة. في الواقع، فإن كل جولة من العنف لا تزيد إلا من تفاقم المشاكل القائمة. إنه تحدٍ كبير يتطلب قيادة ذكية وشجاعة وذات رؤية ثاقبة. قد لا تتوفر هذه القيادة اليوم، لكنها ضرورية، وهي الهدف الذي يجب أن نوجه جهودنا نحوه.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك