العدد : ١٧٦١١ - الخميس ١١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦١١ - الخميس ١١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

الخريطة الإقليمية بعد الحرب على إيران

بقلم: محمد المنشاوي

الخميس ١١ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

تُعيد‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بسرعة‭ ‬وقوة‭ ‬لم‭ ‬يشهدهما‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭. ‬لكن‭ ‬خلف‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬ويحدث،‭ ‬ثمة‭ ‬معادلات‭ ‬وثوابت‭ ‬راسخة‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬الحروب‭ ‬والقنابل‭ -‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬دقتها‭- ‬أن‭ ‬تُزيلها‭ ‬أو‭ ‬تغيرها‭.‬

لم‭ ‬يتوقف‭ ‬الخبراء‭ ‬والمحللون‭ ‬عن‭ ‬الجزم‭ ‬بصورة‭ ‬المنطقة‭ ‬بعد‭ ‬توقف‭ ‬القتال،‭ ‬يذهب‭ ‬البعض‭ ‬إلى‭ ‬التأكيد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬ستعيد‭ ‬رسم‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وتسقط‭ ‬المحاور،‭ ‬وتنتج‭ ‬نظامًا‭ ‬إقليميًا‭ ‬جديدًا‭. ‬وبعض‭ ‬هذا‭ ‬صحيح،‭ ‬فتاريخيًا‭ ‬تترك‭ ‬الحروب‭ ‬الكبرى‭ ‬شروخًا‭ ‬وتحولات‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬الخرائط‭ ‬والأنظمة‭ ‬والديمغرافيا‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬وهمًا‭ ‬منهجيًا‭ ‬يرافق‭ ‬كل‭ ‬حرب‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأنها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬محو‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬وإنتاج‭ ‬صفحة‭ ‬بيضاء‭ ‬تُكتب‭ ‬عليها‭ ‬نقطة‭ ‬بداية‭ ‬جديدة‭ ‬للتاريخ‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يُكذّب‭ ‬التاريخ‭ ‬هذه‭ ‬الأوهام‭.‬

أثبت‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بقدمه‭ ‬وحضاراته‭ ‬وسكانه‭ ‬أنه‭ ‬منطقة‭ ‬استثنائية‭ ‬في‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬الهزات‭ ‬الكبرى‭ ‬وإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬نفسه‭. ‬لقد‭ ‬شهد‭ ‬الفتح‭ ‬الإسلامي،‭ ‬والغزو‭ ‬المغولي،‭ ‬والحروب‭ ‬الصليبية،‭ ‬والاستعمار‭ ‬الأوروبي،‭ ‬ووصلته‭ ‬الحروب‭ ‬الباردة،‭ ‬وموجات‭ ‬التطرف‭ ‬والحروب‭ ‬الأهلية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬بقي‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬عصيًا‭ ‬على‭ ‬التغير‭ ‬إلا‭ ‬فيما‭ ‬هو‭ ‬عضوي‭ ‬وطبيعي‭.‬

اليوم،‭ ‬مع‭ ‬بشائر‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬يبدو‭ ‬السؤال‭ ‬الأكثر‭ ‬غيابا‭ ‬هو‭: ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬لن‭ ‬يتغير؟

أولًا‭: ‬الجغرافيا‭ ‬الاستراتيجية‭: ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬وجد‭ ‬الإنسان‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البقعة‭ ‬من‭ ‬الأرض،‭ ‬حكمته‭ ‬الجغرافيا‭. ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يتحكم‭ ‬في‭ ‬مرور‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬خُمس‭ ‬نفط‭ ‬العالم،‭ ‬وقناة‭ ‬السويس‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مراكز‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية،‭ ‬ومنطقة‭ ‬الهلال‭ ‬الخصيب‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تربط‭ ‬آسيا‭ ‬بأوروبا‭. ‬هذه‭ ‬الجغرافيا‭ ‬قدَر‭ ‬لا‭ ‬خيار،‭ ‬ولا‭ ‬تملك‭ ‬أي‭ ‬قوة‭ ‬عسكرية‭ ‬تغييرها‭.‬

إيران‭ ‬لها‭ ‬موقع‭ ‬لصيق‭ ‬بحركة‭ ‬الملاحة‭ ‬عند‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬واليمن‭ ‬سيظل‭ ‬البوابة‭ ‬الجنوبية‭ ‬لأحد‭ ‬أكثر‭ ‬الممرات‭ ‬المائية‭ ‬حيوية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬ومصر‭ ‬ستبقى‭ ‬مسيطرة‭ ‬على‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭. ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬قد‭ ‬تغير‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬تأثيرات‭ ‬هذه‭ ‬المواقع،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬تغيير‭ ‬ما‭ ‬تمثله‭ ‬جغرافيًّا‭. ‬وطالما‭ ‬بقيت‭ ‬هذه‭ ‬الجغرافيا،‭ ‬فإن‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يتحكم‭ ‬فيها‭ ‬سيبقى‭ ‬هو‭ ‬أيضًا‭.‬

ثانيًا‭: ‬الجرح‭ ‬الفلسطيني‭ ‬لا‭ ‬تهمشه‭ ‬الحرب‭. ‬وربما‭ ‬يكون‭ ‬أشد‭ ‬ما‭ ‬تكشفه‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬أوهام‭ ‬هو‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬تدمير‭ ‬‮«‬محور‭ ‬المقاومة‮»‬‭ ‬سيُزيل‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬من‭ ‬الطاولة‭ ‬الإقليمية‭. ‬هذا‭ ‬وهم‭ ‬هيكلي‭ ‬يخلط‭ ‬بين‭ ‬الأداة‭ ‬والجوهر‭. ‬إيران‭ ‬استثمرت‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ووظّفتها‭ ‬أيديولوجيًا‭ ‬وأمنيًّا،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تخترعها‭ ‬ولا‭ ‬تملك‭ ‬مفتاح‭ ‬إنهائها‭.‬

القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ولدت‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُولد‭ ‬الجمهورية‭ ‬الإيرانية‭ ‬الحالية،‭ ‬وستبقى‭ ‬حاضرة‭ ‬بعد‭ ‬نجاح‭ ‬أو‭ ‬استمرار‭ ‬أو‭ ‬فشل‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭. ‬واقع‭ ‬معاناة‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬9‭ ‬ملايين‭ ‬فلسطيني‭ ‬يقاومون‭ ‬الاحتلال‭ ‬الغاشم‭ ‬لن‭ ‬تؤثر‭ ‬فيه‭ ‬تدمير‭ ‬برنامج‭ ‬إيران‭ ‬النووي‭ ‬أو‭ ‬اغتيال‭ ‬المرشد‭ ‬الأعلى‭ ‬للثورة‭ ‬الإيرانية‭.‬

من‭ ‬جانبها،‭ ‬عملت‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬تصوير‭ ‬نفسها‭ ‬ضحية‭ ‬للعدوان‭ ‬الإسرائيلي‭ - ‬الأمريكي،‭ ‬ما‭ ‬أعاد‭ ‬لها‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬تحسين‭ ‬الصورة‭ ‬الذي‭ ‬فقدته،‭ ‬بسبب‭ ‬تدخلاتها‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬واليمن‭ ‬والعراق‭.‬

من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬فالرأي‭ ‬العام‭ ‬العربي،‭ ‬من‭ ‬المحيط‭ ‬إلى‭ ‬الخليج،‭ ‬ومن‭ ‬جيل‭ ‬الشباب،‭ ‬يظل‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بهذه‭ ‬القضية‭ ‬بصورة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الحسابات‭ ‬الرسمية‭ ‬للدول‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬فأي‭ ‬ترتيب‭ ‬إقليمي‭ ‬لا‭ ‬يعالج‭ ‬الوضع‭ ‬الفلسطيني‭ ‬سيحمل‭ ‬بذور‭ ‬عدم‭ ‬استقراره‭ ‬في‭ ‬داخله‭.‬

ثالثا‭: ‬هشاشة‭ ‬الدولة‭ ‬العربية‭. ‬ما‭ ‬لن‭ ‬تغيّره‭ ‬الحرب،‭ ‬وما‭ ‬لم‭ ‬تتسبب‭ ‬فيه‭ ‬أصلًا،‭ ‬هو‭ ‬الأزمة‭ ‬البنيوية‭ ‬للدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬العربية‭. ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬تراجع‭ ‬المؤسسية‭ ‬السياسية،‭ ‬وتضخم‭ ‬الأجهزة‭ ‬الرسمية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬مؤسسات‭ ‬الرعاية‭ ‬والتنمية،‭ ‬هذه‭ ‬الأوضاع‭ ‬تحتاج‭ ‬مراجعة‭ ‬وإعادة‭ ‬بناء‭.‬

بل‭ ‬ثمة‭ ‬خطر‭ ‬أن‭ ‬تُعمّق‭ ‬الحرب‭ ‬الهشاشة‭ ‬هذه‭: ‬فهي‭ ‬تُشغل‭ ‬الحكومات‭ ‬العربية‭ ‬بمستجدات‭ ‬وحسابات‭ ‬فرضتها‭ ‬حالة‭ ‬الحرب‭ ‬وتحالفات‭ ‬ظرفية،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬إجابة‭ ‬أسئلة‭ ‬الإصلاح‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬التي‭ ‬تمسّ‭ ‬حياة‭ ‬المواطن‭ ‬العادي‭.‬

{ كاتب‭ ‬صحفي‭ ‬متخصص

‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الأمريكية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا