تُعيد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بسرعة وقوة لم يشهدهما منذ عقود. لكن خلف كل ما حدث ويحدث، ثمة معادلات وثوابت راسخة لا تستطيع الحروب والقنابل -مهما بلغت دقتها- أن تُزيلها أو تغيرها.
لم يتوقف الخبراء والمحللون عن الجزم بصورة المنطقة بعد توقف القتال، يذهب البعض إلى التأكيد أن هذه الحرب ستعيد رسم الشرق الأوسط، وتسقط المحاور، وتنتج نظامًا إقليميًا جديدًا. وبعض هذا صحيح، فتاريخيًا تترك الحروب الكبرى شروخًا وتحولات عميقة في الخرائط والأنظمة والديمغرافيا. غير أن ثمة وهمًا منهجيًا يرافق كل حرب يتمثل في الاعتقاد بأنها قادرة على محو كل شيء، وإنتاج صفحة بيضاء تُكتب عليها نقطة بداية جديدة للتاريخ في حين يُكذّب التاريخ هذه الأوهام.
أثبت الشرق الأوسط بقدمه وحضاراته وسكانه أنه منطقة استثنائية في قدرته على استيعاب الهزات الكبرى وإعادة إنتاج نفسه. لقد شهد الفتح الإسلامي، والغزو المغولي، والحروب الصليبية، والاستعمار الأوروبي، ووصلته الحروب الباردة، وموجات التطرف والحروب الأهلية. ومع ذلك، بقي الشرق الأوسط عصيًا على التغير إلا فيما هو عضوي وطبيعي.
اليوم، مع بشائر انتهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يبدو السؤال الأكثر غيابا هو: ما الذي لن يتغير؟
أولًا: الجغرافيا الاستراتيجية: منذ أن وجد الإنسان نفسه في هذه البقعة من الأرض، حكمته الجغرافيا. مضيق هرمز لا يزال يتحكم في مرور ما يقارب خُمس نفط العالم، وقناة السويس لا تزال أحد أهم مراكز حركة التجارة الدولية، ومنطقة الهلال الخصيب لا تزال تربط آسيا بأوروبا. هذه الجغرافيا قدَر لا خيار، ولا تملك أي قوة عسكرية تغييرها.
إيران لها موقع لصيق بحركة الملاحة عند مضيق هرمز، واليمن سيظل البوابة الجنوبية لأحد أكثر الممرات المائية حيوية في العالم، ومصر ستبقى مسيطرة على قناة السويس. في بعض الحالات، قد تغير الحرب من تأثيرات هذه المواقع، لكنها لا تستطيع تغيير ما تمثله جغرافيًّا. وطالما بقيت هذه الجغرافيا، فإن الصراع على من يتحكم فيها سيبقى هو أيضًا.
ثانيًا: الجرح الفلسطيني لا تهمشه الحرب. وربما يكون أشد ما تكشفه الحرب على إيران من أوهام هو الاعتقاد بأن تدمير «محور المقاومة» سيُزيل القضية الفلسطينية من الطاولة الإقليمية. هذا وهم هيكلي يخلط بين الأداة والجوهر. إيران استثمرت القضية الفلسطينية ووظّفتها أيديولوجيًا وأمنيًّا، لكنها لم تخترعها ولا تملك مفتاح إنهائها.
القضية الفلسطينية ولدت قبل أن تُولد الجمهورية الإيرانية الحالية، وستبقى حاضرة بعد نجاح أو استمرار أو فشل النظام الإيراني. واقع معاناة ما يقرب من 9 ملايين فلسطيني يقاومون الاحتلال الغاشم لن تؤثر فيه تدمير برنامج إيران النووي أو اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإيرانية.
من جانبها، عملت إيران على تصوير نفسها ضحية للعدوان الإسرائيلي - الأمريكي، ما أعاد لها شيئا من تحسين الصورة الذي فقدته، بسبب تدخلاتها في سوريا واليمن والعراق.
من ناحية أخرى، فالرأي العام العربي، من المحيط إلى الخليج، ومن جيل الشباب، يظل مرتبطًا بهذه القضية بصورة تتجاوز الحسابات الرسمية للدول. من هنا فأي ترتيب إقليمي لا يعالج الوضع الفلسطيني سيحمل بذور عدم استقراره في داخله.
ثالثا: هشاشة الدولة العربية. ما لن تغيّره الحرب، وما لم تتسبب فيه أصلًا، هو الأزمة البنيوية للدولة الوطنية العربية. الدول التي تعاني من تراجع المؤسسية السياسية، وتضخم الأجهزة الرسمية على حساب مؤسسات الرعاية والتنمية، هذه الأوضاع تحتاج مراجعة وإعادة بناء.
بل ثمة خطر أن تُعمّق الحرب الهشاشة هذه: فهي تُشغل الحكومات العربية بمستجدات وحسابات فرضتها حالة الحرب وتحالفات ظرفية، ولكن من الضروري إجابة أسئلة الإصلاح السياسي والاقتصادي التي تمسّ حياة المواطن العادي.
{ كاتب صحفي متخصص
في الشؤون الأمريكية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك