العدد : ١٧٦١١ - الخميس ١١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦١١ - الخميس ١١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

مخاطر النزعات الشعبوية على الديمقراطيات المعاصرة

الخميس ١١ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

أصبحت‭ ‬النزعات‭ ‬الشعبوية‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الظواهر‭ ‬السياسية‭ ‬حضورا‭ ‬في‭ ‬النقاشات‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة،‭ ‬ليس‭ ‬باعتبارها‭ ‬خطاباً‭ ‬انتخابيًّا‭ ‬أو‭ ‬أسلوباً‭ ‬في‭ ‬التعبئة‭ ‬السياسية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬بوصفها‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬أزمة‭ ‬أعمق‭ ‬تمسُّ‭ ‬المسألة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬بعمومها‭ ‬والديمقراطية‭ ‬التمثيلية‭ ‬نفسها،‭ ‬فالصعود‭ ‬المتزايد‭ ‬للحركات‭ ‬والأحزاب‭ ‬الشعبوية‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأمريكا‭ ‬اللاتينية‭ ‬والعالم‭ ‬العربي‭ ‬يطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬جوهرية‭ ‬بشأن‭ ‬طبيعة‭ ‬التمثيل‭ ‬السياسي،‭ ‬وحدود‭ ‬المؤسّسات‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬ومعنى‭ ‬‮«‬الشعب‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يُستدعى‭ ‬باستمرار‭ ‬في‭ ‬الخطابات‭ ‬السياسية‭ ‬المعاصرة‭.‬

في‭ ‬السياق‭ ‬الأوروبي،‭ ‬تبدو‭ ‬فرنسا‭ ‬حالة‭ ‬مدرسية‭ ‬لفهم‭ ‬هذه‭ ‬التحولات،‭ ‬فالتوتر‭ ‬بين‭ ‬إرادة‭ ‬الشعب‭ ‬والمؤسّسات‭ ‬الوسيطة،‭ ‬والمطالبة‭ ‬بالمشاركة‭ ‬المباشرة‭ ‬والالتزام‭ ‬بقواعد‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الليبرالية،‭ ‬ليس‭ ‬ظاهرة‭ ‬مستجدّة،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬جذور‭ ‬تاريخية‭ ‬عميقة‭ ‬رافقت‭ ‬تشكل‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الشعبوية‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬استثناءً‭ ‬طارئاً‭ ‬أو‭ ‬انحرافاً‭ ‬مؤقتاً،‭ ‬وإنما‭ ‬أحد‭ ‬الأبعاد‭ ‬الملازمة‭ ‬لتطوّر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬نفسها‭.‬

تستند‭ ‬الشعبوية،‭ ‬في‭ ‬جوهرها،‭ ‬إلى‭ ‬رؤية‭ ‬تبسيطية‭ ‬للعالم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والسياسي،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تقسيم‭ ‬المجتمع‭ ‬إلى‭ ‬معسكرَين‭ ‬متقابلَين‭: ‬‮«‬شعب‮»‬‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬مصدر‭ ‬الفضيلة‭ ‬والشرعية،‭ ‬و«نخبة‮»‬‭ ‬تُقدَّم‭ ‬منفصلة‭ ‬عن‭ ‬مصالح‭ ‬المواطنين‭ ‬أو‭ ‬متواطئة‭ ‬ضدهم‭.‬

‭ ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬تدّعي‭ ‬الحركات‭ ‬الشعبوية‭ ‬أنها‭ ‬تمثل‭ ‬الإرادة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للشعب،‭ ‬وتعتبر‭ ‬أن‭ ‬المؤسّسات‭ ‬القائمة‭ ‬والأحزاب‭ ‬التقليدية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التعبير‭ ‬عنها‭. ‬وبالتالي‭ ‬هي‭ ‬تفقد‭ ‬كل‭ ‬مشروعية‭ ‬تمثيلية‭.‬

‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الشعبوية‭ ‬ليست‭ ‬ظاهرة‭ ‬متجانسة،‭ ‬فبينما‭ ‬اتخذت‭ ‬بعض‭ ‬أشكالها‭ ‬التاريخية‭ ‬طابعاً‭ ‬سلطويّاً‭ ‬وصدامياً‭ ‬مع‭ ‬الديمقراطية‭ ‬التمثيلية،‭ ‬تحرص‭ ‬أشكالها‭ ‬المعاصرة‭ ‬غالباً‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬نفسها‭ ‬حركات‭ ‬مدافعة‭ ‬عن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وعن‭ ‬السيادة‭ ‬الشعبية،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تُبدي‭ ‬شكوكاً‭ ‬عميقة‭ ‬تجاه‭ ‬المؤسّسات‭ ‬الوسيطة،‭ ‬كالأحزاب‭ ‬والبرلمانات‭ ‬والقضاء‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬المستقلة،‭ ‬معتبرة‭ ‬أنها‭ ‬تعيق‭ ‬التعبير‭ ‬المباشر‭ ‬عن‭ ‬الإرادة‭ ‬الشعبية‭ ‬الكاملة‭.‬

وتتجلى‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الشعبوية‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬تيار‭ ‬سياسي‭ ‬واحد،‭ ‬فهي‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬اليمين‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬اليسار،‭ ‬وإن‭ ‬اختلفت‭ ‬تصوّرات‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬لمفهوم‭ ‬الشعب‭.‬

‭ ‬ففي‭ ‬الخطابات‭ ‬اليمينية‭ ‬يُقدَّم‭ ‬الشعب‭ ‬عادة‭ ‬باعتباره‭ ‬جماعة‭ ‬متجانسة‭ ‬ذات‭ ‬جذور‭ ‬تاريخية‭ ‬وثقافية‭ ‬مهدّدة‭ ‬بفعل‭ ‬الهجرة‭ ‬والعولمة‭ ‬والتحوّلات‭ ‬الثقافية،‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬الخطابات‭ ‬اليسارية‭ ‬فيُنظر‭ ‬إليه‭ ‬بناءً‭ ‬اجتماعيّاً‭ ‬وسياسيّاً‭ ‬مفتوحاً‭ ‬يضم‭ ‬فئات‭ ‬متنوعة‭ ‬تتشارك‭ ‬المطالبة‭ ‬بالعدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ومقاومة‭ ‬الهيمنة‭ ‬الاقتصادية‭.‬

ويكشف‭ ‬هذا‭ ‬الاختلاف‭ ‬أن‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الشعب‮»‬‭ ‬نفسه‭ ‬ليس‭ ‬حقيقة‭ ‬ثابتة‭ ‬أو‭ ‬معطى‭ ‬طبيعيّاً،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬موضوع‭ ‬صراع‭ ‬سياسي‭ ‬ورمزي‭ ‬دائم،‭ ‬فكل‭ ‬تيار‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬تعريف‭ ‬الشعب‭ ‬وفقاً‭ ‬لرؤيته‭ ‬الخاصة‭ ‬للمجتمع‭ ‬ولمستقبل‭ ‬الدولة‭.‬

‭ ‬ولذلك؛‭ ‬السؤال‭ ‬المركزي‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بوجود‭ ‬الشعبوية‭ ‬أو‭ ‬غيابها‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬بمن‭ ‬يمتلك‭ ‬شرعية‭ ‬تعريف‭ ‬الشعب‭ ‬والتحدّث‭ ‬باسمه‭.‬

وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الكبرى،‭ ‬أخيراً،‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬ودول‭ ‬أخرى،‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬يزداد‭ ‬إلحاحاً‭ ‬مع‭ ‬اتساع‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬المواطنين‭ ‬والمؤسّسات‭ ‬السياسية‭. ‬فقد‭ ‬برزت‭ ‬حركات‭ ‬احتجاجية‭ ‬قاعدية‭ ‬ترفع‭ ‬شعارات‭ ‬تؤكد‭ ‬أولوية‭ ‬‮«‬صوت‭ ‬الشعب‮»‬‭ ‬وتنتقد‭ ‬النخب‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬مع‭ ‬المطالبة‭ ‬بأشكال‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬المشاركة‭ ‬المباشرة‭. ‬

إلّا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المطالب‭ ‬تثير‭ ‬إشكالية‭ ‬معقدة،‭ ‬فهل‭ ‬يؤدّي‭ ‬توسيع‭ ‬الديمقراطية‭ ‬المباشرة‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬التعدّدية‭ ‬السياسية،‭ ‬أم‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬لإقصاء‭ ‬الأصوات‭ ‬المختلفة‭ ‬باسم‭ ‬الإرادة‭ ‬الشعبية‭ ‬الموحدة؟

لا‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬صعود‭ ‬الشعبوية‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬التحوّلات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭. ‬فالعولمة،‭ ‬واتساع‭ ‬اللا‭ ‬مساواة،‭ ‬وتراجع‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬المؤسّسات،‭ ‬والشعور‭ ‬بفقدان‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬المصير‭ ‬الجماعي،‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬بيئة‭ ‬مواتية‭ ‬لانتشار‭ ‬الخطابات‭ ‬الشعبوية،‭ ‬كما‭ ‬أنّ‭ ‬التحولات‭ ‬الثقافية‭ ‬المتسارعة‭ ‬وما‭ ‬تثيره‭ ‬من‭ ‬قلق‭ ‬حول‭ ‬الهوية‭ ‬والانتماء‭ ‬دفعت‭ ‬قطاعات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬أشكال‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التعبير‭ ‬السياسي‭ ‬تبدو‭ ‬أكثر‭ ‬قرباً‭ ‬من‭ ‬همومهم‭ ‬اليومية‭.‬

ومع‭ ‬ذلك؛‭ ‬فإنّ‭ ‬اختزال‭ ‬الشعبوية‭ ‬في‭ ‬مجرد‭ ‬ردة‭ ‬فعل‭ ‬على‭ ‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أو‭ ‬الثقافية‭ ‬يبقى‭ ‬تفسيراً‭ ‬غير‭ ‬كافٍ‭. ‬فالعلاقات‭ ‬داخل‭ ‬المجتمعات‭ ‬الحديثة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬من‭ ‬الصورة‭ ‬الثنائية‭ ‬التي‭ ‬تروجها‭ ‬الخطابات‭ ‬الشعبوية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التعدد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والثقافي‭ ‬والهوياتي‭ ‬الذي‭ ‬يميّز‭ ‬الديمقراطيات‭ ‬المعاصرة‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬إرادة‭ ‬شعبية‭ ‬واحدة‭ ‬ومتجانسة‭.‬

‭ ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬تظل‭ ‬الشعبوية‭ ‬ظاهرة‭ ‬إشكالية؛‭ ‬فهي‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬اختلالات‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬أنظمة‭ ‬التمثيل‭ ‬السياسي،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬تبسيط‭ ‬الواقع‭ ‬واختزال‭ ‬تنوعه‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬بين‭ ‬‮«‬الشعب‮»‬‭ ‬و«النخب‮»‬‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬تكشف‭ ‬الشعبوية‭ ‬عن‭ ‬مفارقة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬الديمقراطيات‭ ‬المعاصرة،‭ ‬فهي‭ ‬تعبّر،‭ ‬من‭ ‬جهةٍ،‭ ‬عن‭ ‬مطالب‭ ‬حقيقية‭ ‬تتعلق‭ ‬بالتمثيل‭ ‬السياسي‭ ‬والعدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬واستعادة‭ ‬الثقة‭ ‬بالمؤسّسات،‭ ‬لكنها‭ ‬قد‭ ‬تتحوّل‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬خطاب‭ ‬يختزل‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬ثنائية‭ ‬حادّة‭ ‬بين‭ ‬‮«‬الشعب‮»‬‭ ‬و«أعدائه‮»‬،‭ ‬بما‭ ‬يهدد‭ ‬قيم‭ ‬التعدّدية‭ ‬والتوازن‭ ‬المؤسّسي‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الحديثة‭.‬

‭ ‬ولذلك‭ ‬تظل‭ ‬الشعبوية‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مجرّد‭ ‬انحراف‭ ‬سياسي،‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬حلاً‭ ‬لأزمة‭ ‬الديمقراطية؛‭ ‬إنها‭ ‬مرآة‭ ‬تعكس‭ ‬التوترات‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬المجتمعات‭ ‬المعاصرة،‭ ‬وتعيد‭ ‬طرح‭ ‬سؤالٍ‭ ‬لا‭ ‬يفقد‭ ‬راهنيته،‭ ‬من‭ ‬الشعب،‭ ‬ومن‭ ‬يملك‭ ‬حق‭ ‬التحدُّث‭ ‬باسمه؟

 

{ كاتب‭ ‬وباحث‭ ‬سوري‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا