العدد : ١٧٦١٠ - الأربعاء ١٠ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦١٠ - الأربعاء ١٠ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

الوعي.. الحصن الذي لا تخترقه أيديولوجيا

بقلم: نبيلة رجب

الثلاثاء ٠٩ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

العقل‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬أساس،‭ ‬لا‭ ‬تفصيل‭ ‬ثانوي‭. ‬والقرآن‭ ‬الكريم‭ ‬لم‭ ‬يكتف‭ ‬بدعوة‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬الإيمان،‭ ‬إنما‭ ‬خاطب‭ ‬عقله‭ ‬مراراً‭: ‬أفلا‭ ‬تعقلون؟‭ ‬أفلا‭ ‬تتفكرون؟‭ ‬وكأن‭ ‬الرسالة‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬واضحة؛‭ ‬الإيمان‭ ‬الحقيقي‭ ‬يمر‭ ‬عبر‭ ‬العقل،‭ ‬ويقوم‭ ‬على‭ ‬وعي‭ ‬الإنسان‭ ‬بما‭ ‬يؤمن‭ ‬به،‭ ‬ولماذا‭ ‬يؤمن‭ ‬به‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬ثمة‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أصعب‭ ‬من‭ ‬معرفة‭ ‬ما‭ ‬نحمله‭ ‬من‭ ‬أفكار‭: ‬كيف‭ ‬وصلت‭ ‬إلينا‭. ‬كم‭ ‬فكرة‭ ‬نحملها‭ ‬اليوم‭ ‬اخترناها‭ ‬فعلاً،‭ ‬وكم‭ ‬فكرة‭ ‬وجدناها‭ ‬جاهزة‭ ‬ولبسناها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نقيسها؟‭ ‬وإذا‭ ‬وقفنا‭ ‬عند‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة،‭ ‬ندرك‭ ‬أن‭ ‬كثيراً‭ ‬مما‭ ‬نحمله‭ ‬لم‭ ‬نختره،‭ ‬وجدناه‭ ‬موضوعاً‭ ‬فينا‭. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬التبعية‭ ‬الفكرية‭: ‬لا‭ ‬تبدأ‭ ‬بقرار،‭ ‬تبدأ‭ ‬بتسليم‭ ‬صغير‭ ‬نظنه‭ ‬حكمة‭.‬

ما‭ ‬يبدو‭ ‬هاجساً‭ ‬فكريا،‭ ‬أثره‭ ‬يمتد‭ ‬من‭ ‬الفرد‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭ ‬إلى‭ ‬الدولة‭. ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الوعي‭ ‬بمصدر‭ ‬قناعاته‭ ‬إنسان‭ ‬مكشوف،‭ ‬قابل‭ ‬للتوجيه‭ ‬نحو‭ ‬أي‭ ‬اتجاه،‭ ‬وقابل‭ ‬للإقناع‭ ‬بأي‭ ‬شيء،‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬الصوت‭ ‬القادم‭ ‬إليه‭ ‬يرتدي‭ ‬لباس‭ ‬اليقين‭.‬

الوعي‭ ‬أبعد‭ ‬مدىً‭ ‬من‭ ‬الثقافة،‭ ‬وأبعد‭ ‬من‭ ‬التعليم‭. ‬فكم‭ ‬من‭ ‬إنسان‭ ‬حمل‭ ‬شهادات‭ ‬وأمضى‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬القراءة،‭ ‬وظل‭ ‬يتلقى‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يسأل‭. ‬الوعي‭ ‬هو‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الوقوف‭ ‬أمام‭ ‬الفكرة،‭ ‬أياً‭ ‬كان‭ ‬مصدرها،‭ ‬وسؤالها‭: ‬من‭ ‬أين‭ ‬جئت؟‭ ‬وعلى‭ ‬ماذا‭ ‬تقوم؟‭ ‬ومن‭ ‬يستفيد‭ ‬منك؟

الانقياد‭ ‬وليد‭ ‬هذا‭ ‬الغياب،‭ ‬وله‭ ‬أبواب‭ ‬كثيرة،‭ ‬أخطرها‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬طبيعية‭ ‬ومألوفة‭. ‬وتبدأ‭ ‬الجماعة‭ ‬في‭ ‬التشكّل‭ ‬حول‭ ‬من‭ ‬يتكلم‭ ‬بثقة،‭ ‬لا‭ ‬حول‭ ‬من‭ ‬يتكلم‭ ‬بحق‭.‬

وهذه‭ ‬الأبواب‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬أنواع‭: ‬أولها‭ ‬التبعية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وهي‭ ‬الأهدأ‭ ‬صوتاً‭ ‬والأعمق‭ ‬أثراً‭. ‬المرء‭ ‬يفعل‭ ‬شيئاً‭ ‬لأن‭ ‬الجميع‭ ‬يفعله،‭ ‬ويورث‭ ‬أبناءه‭ ‬عادات‭ ‬وأفكاراً‭ ‬لم‭ ‬يسأل‭ ‬يوماً‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬جاءت‭. ‬العرف‭ ‬الاجتماعي‭ ‬سجن‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬خاص،‭ ‬قضبانه‭ ‬غير‭ ‬مرئية‭ ‬وبابه‭ ‬مفتوح،‭ ‬لكن‭ ‬أحداً‭ ‬لا‭ ‬يخرج‭.‬

وإلى‭ ‬جانب‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬الصامت،‭ ‬ثمة‭ ‬باب‭ ‬أعلى‭ ‬صوتاً‭ ‬وأسرع‭ ‬انتشاراً‭: ‬التبعية‭ ‬الإعلامية،‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬السوشيال‭ ‬ميديا‭ ‬وباءً‭ ‬حقيقيا‭. ‬المنشور‭ ‬الذي‭ ‬يُعاد‭ ‬تداوله‭ ‬آلاف‭ ‬المرات‭ ‬يكتسب‭ ‬هالة‭ ‬الحقيقة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يمر‭ ‬بأي‭ ‬فحص‭. ‬كم‭ ‬من‭ ‬خبر‭ ‬كاذب‭ ‬انتشر‭ ‬عبر‭ ‬مجموعات‭ ‬الواتساب‭ ‬وصدَّقه‭ ‬الناس‭ ‬لمجرد‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬المقربين‭ ‬أرسله‭. ‬من‭ ‬يتلقى‭ ‬المعلومة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يسأل‭ ‬عن‭ ‬مصدرها‭ ‬ودوافع‭ ‬من‭ ‬نشرها،‭ ‬يصبح‭ ‬ناقلاً‭ ‬للأكاذيب‭ ‬بإخلاص‭ ‬وحسن‭ ‬نية،‭ ‬وهذا‭ ‬أشد‭ ‬خطورة‭ ‬من‭ ‬الكذب‭ ‬المتعمد‭. ‬وقد‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭: ‬‮«‬ولا‭ ‬تقفُ‭ ‬ما‭ ‬ليس‭ ‬لك‭ ‬به‭ ‬علم،‭ ‬إن‭ ‬السمع‭ ‬والبصر‭ ‬والفؤاد‭ ‬كل‭ ‬أولئك‭ ‬كان‭ ‬عنه‭ ‬مسؤولاً‮»‬،‭ ‬تكاد‭ ‬الآية‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬وصفاً‭ ‬لحالنا‭ ‬اليوم‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬أشد‭ ‬هذه‭ ‬الأبواب‭ ‬خطرا‭ ‬ما‭ ‬يأتي‭ ‬مُلبَّساً‭ ‬بالفضيلة‭: ‬التبعية‭ ‬الدينية‭. ‬وعبر‭ ‬التاريخ،‭ ‬حين‭ ‬يتحول‭ ‬الدين‭ ‬إلى‭ ‬تبعية،‭ ‬يصبح‭ ‬السؤال‭ ‬تهمة‭ ‬والصمت‭ ‬فضيلة‭. ‬والثابت‭ ‬أن‭ ‬الإسلام‭ ‬بنى‭ ‬دعوته‭ ‬على‭ ‬العقل‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬آخر،‭ ‬فكلمة‭ ‬‮«‬عقل‮»‬‭ ‬ومشتقاتها‭ ‬وردت‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬تسعاً‭ ‬وأربعين‭ ‬مرة،‭ ‬وكلمة‭ ‬‮«‬تفكُّر‮»‬‭ ‬ثماني‭ ‬عشرة‭ ‬مرة،‭ ‬وكأن‭ ‬الوحي‭ ‬يقرع‭ ‬باب‭ ‬العقل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يطلب‭ ‬التسليم‭. ‬ترجم‭ ‬علماء‭ ‬الإسلام‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬إلى‭ ‬منهج؛‭ ‬فالإمام‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬طالب‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬قال‭ ‬في‭ ‬نهج‭ ‬البلاغة‭: ‬‮«‬العقل‭ ‬صاحب‭ ‬جيش‭ ‬الرحمن،‭ ‬والهوى‭ ‬قائد‭ ‬جيش‭ ‬الشيطان‮»‬،‭ ‬وقال‭ ‬أيضاً‭: ‬‮«‬على‭ ‬قدر‭ ‬العقل‭ ‬يكون‭ ‬الدين‮»‬‭. ‬والإمام‭ ‬الشافعي‭ ‬قال‭: ‬‮«‬رأيي‭ ‬صواب‭ ‬يحتمل‭ ‬الخطأ،‭ ‬ورأي‭ ‬غيري‭ ‬خطأ‭ ‬يحتمل‭ ‬الصواب‮»‬‭. ‬الإيمان‭ ‬الحقيقي‭ ‬أرسخ‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يرتجف‭ ‬أمام‭ ‬سؤال‭.‬

على‭ ‬اختلافها‭ ‬وتنوعها،‭ ‬ما‭ ‬يجمع‭ ‬هذه‭ ‬الأنواع‭ ‬الثلاثة‭ ‬شيء‭ ‬واحد‭: ‬غياب‭ ‬السؤال‭. ‬وهذا‭ ‬الغياب‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬تبحث‭ ‬عنه‭ ‬الفكرة‭ ‬المنحرفة،‭ ‬فهي‭ ‬تجد‭ ‬طريقها‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتعلم‭ ‬المساءلة،‭ ‬وتتكسر‭ ‬أمام‭ ‬العقل‭ ‬الذي‭ ‬تعلّمها‭. ‬ولهذا‭ ‬كان‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬يُفعل‭ ‬بأي‭ ‬مجتمع‭ ‬أن‭ ‬يعلَم‭ ‬أبناءه‭ ‬الحفظ‭ ‬دون‭ ‬الفهم،‭ ‬والولاء‭ ‬للشخص‭ ‬قبل‭ ‬محاكمة‭ ‬الفكرة‭.‬

المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تحصين‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬التطرف‭ ‬فعلت‭ ‬ذلك‭ ‬بمنح‭ ‬أبنائها‭ ‬شيئاً‭ ‬يتجاوز‭ ‬القوانين‭: ‬وهو‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬أحدهم‭ ‬‮«‬لماذا؟‮»‬‭ ‬ويتلقى‭ ‬إجابةً‭ ‬لا‭ ‬تهديداً‭. ‬هذه‭ ‬القدرة‭ ‬هي‭ ‬الحصن‭ ‬الذي‭ ‬تعجز‭ ‬عن‭ ‬اختراقه‭ ‬أيديولوجيا،‭ ‬والخطاب‭ ‬الذي‭ ‬يصطدم‭ ‬بها‭ ‬يتكسر‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصل‭.‬

والرهان‭ ‬الحقيقي‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬نزرعه‭ ‬في‭ ‬الجيل‭ ‬القادم‭. ‬الطفل‭ ‬الذي‭ ‬يُعلَّم‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬فضيلة،‭ ‬يكبر‭ ‬إنساناً‭ ‬يصعب‭ ‬استخدامه‭. ‬والطفل‭ ‬الذي‭ ‬يُعلَم‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬جريمة،‭ ‬يكبر‭ ‬فريسةً‭ ‬جاهزة‭ ‬لأي‭ ‬فكرة‭ ‬توضع‭ ‬في‭ ‬يده‭. ‬الوعي‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬بقرار،‭ ‬يُغرس‭ ‬في‭ ‬الطفل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكبر،‭ ‬ويحتاج‭ ‬جيلاً‭ ‬كاملاً‭ ‬من‭ ‬الصبر‭ ‬حتى‭ ‬يؤتي‭ ‬ثماره‭. ‬وما‭ ‬نختاره‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬تعليم‭ ‬أبنائنا،‭ ‬سيقرر‭ ‬غداً‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬بلادنا‭ ‬تُنتج‭ ‬مواطنين‭ ‬يفكرون،‭ ‬أم‭ ‬أتباعاً‭ ‬ينتظرون‭ ‬من‭ ‬يفكر‭ ‬عنهم‭.‬

الوعي‭ ‬ضرورة‭ ‬وطنية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬رفاهية‭ ‬فكرية‭. ‬المواطن‭ ‬الواعي‭ ‬لا‭ ‬يُستغَل،‭ ‬ولا‭ ‬يُضلَل،‭ ‬ولا‭ ‬يُحرَض،‭ ‬لأنه‭ ‬يعرف‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬تأتيه‭ ‬الأفكار‭ ‬وإلى‭ ‬أين‭ ‬تريد‭ ‬أخذه‭. ‬وبلد‭ ‬يمتلئ‭ ‬بمواطنين‭ ‬كهؤلاء‭ ‬تضيق‭ ‬فيه‭ ‬المساحة‭ ‬أمام‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يتاجر‭ ‬باليقين‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الحقيقة،‭ ‬ويصبح‭ ‬الانقياد‭ ‬الأعمى‭ ‬ظاهرة‭ ‬يرفضها‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬داخله،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يضطر‭ ‬أي‭ ‬قانون‭ ‬لرفضها‭ ‬من‭ ‬خارجه‭.‬

الوعي‭ ‬أمانة،‭ ‬من‭ ‬أداها‭ ‬حمى‭ ‬دينه‭ ‬وحمى‭ ‬نفسه‭ ‬ووطنه‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا