العقل في الإسلام أساس، لا تفصيل ثانوي. والقرآن الكريم لم يكتف بدعوة الإنسان إلى الإيمان، إنما خاطب عقله مراراً: أفلا تعقلون؟ أفلا تتفكرون؟ وكأن الرسالة منذ البداية واضحة؛ الإيمان الحقيقي يمر عبر العقل، ويقوم على وعي الإنسان بما يؤمن به، ولماذا يؤمن به.
ومع ذلك، ثمة ما هو أصعب من معرفة ما نحمله من أفكار: كيف وصلت إلينا. كم فكرة نحملها اليوم اخترناها فعلاً، وكم فكرة وجدناها جاهزة ولبسناها دون أن نقيسها؟ وإذا وقفنا عند هذه الفكرة، ندرك أن كثيراً مما نحمله لم نختره، وجدناه موضوعاً فينا. وهذا هو جوهر التبعية الفكرية: لا تبدأ بقرار، تبدأ بتسليم صغير نظنه حكمة.
ما يبدو هاجساً فكريا، أثره يمتد من الفرد إلى المجتمع إلى الدولة. الإنسان الذي يفتقر إلى الوعي بمصدر قناعاته إنسان مكشوف، قابل للتوجيه نحو أي اتجاه، وقابل للإقناع بأي شيء، ما دام الصوت القادم إليه يرتدي لباس اليقين.
الوعي أبعد مدىً من الثقافة، وأبعد من التعليم. فكم من إنسان حمل شهادات وأمضى سنوات في القراءة، وظل يتلقى دون أن يسأل. الوعي هو القدرة على الوقوف أمام الفكرة، أياً كان مصدرها، وسؤالها: من أين جئت؟ وعلى ماذا تقوم؟ ومن يستفيد منك؟
الانقياد وليد هذا الغياب، وله أبواب كثيرة، أخطرها تلك التي تبدو طبيعية ومألوفة. وتبدأ الجماعة في التشكّل حول من يتكلم بثقة، لا حول من يتكلم بحق.
وهذه الأبواب على ثلاثة أنواع: أولها التبعية الاجتماعية، وهي الأهدأ صوتاً والأعمق أثراً. المرء يفعل شيئاً لأن الجميع يفعله، ويورث أبناءه عادات وأفكاراً لم يسأل يوماً من أين جاءت. العرف الاجتماعي سجن من نوع خاص، قضبانه غير مرئية وبابه مفتوح، لكن أحداً لا يخرج.
وإلى جانب هذا الباب الصامت، ثمة باب أعلى صوتاً وأسرع انتشاراً: التبعية الإعلامية، التي باتت في زمن السوشيال ميديا وباءً حقيقيا. المنشور الذي يُعاد تداوله آلاف المرات يكتسب هالة الحقيقة دون أن يمر بأي فحص. كم من خبر كاذب انتشر عبر مجموعات الواتساب وصدَّقه الناس لمجرد أن أحد المقربين أرسله. من يتلقى المعلومة دون أن يسأل عن مصدرها ودوافع من نشرها، يصبح ناقلاً للأكاذيب بإخلاص وحسن نية، وهذا أشد خطورة من الكذب المتعمد. وقد جاء في القرآن الكريم: «ولا تقفُ ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً»، تكاد الآية أن تكون وصفاً لحالنا اليوم.
غير أن أشد هذه الأبواب خطرا ما يأتي مُلبَّساً بالفضيلة: التبعية الدينية. وعبر التاريخ، حين يتحول الدين إلى تبعية، يصبح السؤال تهمة والصمت فضيلة. والثابت أن الإسلام بنى دعوته على العقل قبل أي شيء آخر، فكلمة «عقل» ومشتقاتها وردت في القرآن الكريم تسعاً وأربعين مرة، وكلمة «تفكُّر» ثماني عشرة مرة، وكأن الوحي يقرع باب العقل قبل أن يطلب التسليم. ترجم علماء الإسلام هذا المعنى إلى منهج؛ فالإمام علي بن أبي طالب عليه السلام قال في نهج البلاغة: «العقل صاحب جيش الرحمن، والهوى قائد جيش الشيطان»، وقال أيضاً: «على قدر العقل يكون الدين». والإمام الشافعي قال: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب». الإيمان الحقيقي أرسخ من أن يرتجف أمام سؤال.
على اختلافها وتنوعها، ما يجمع هذه الأنواع الثلاثة شيء واحد: غياب السؤال. وهذا الغياب هو ما تبحث عنه الفكرة المنحرفة، فهي تجد طريقها في العقل الذي لم يتعلم المساءلة، وتتكسر أمام العقل الذي تعلّمها. ولهذا كان أخطر ما يُفعل بأي مجتمع أن يعلَم أبناءه الحفظ دون الفهم، والولاء للشخص قبل محاكمة الفكرة.
المجتمعات التي نجحت في تحصين نفسها من التطرف فعلت ذلك بمنح أبنائها شيئاً يتجاوز القوانين: وهو القدرة على أن يقول أحدهم «لماذا؟» ويتلقى إجابةً لا تهديداً. هذه القدرة هي الحصن الذي تعجز عن اختراقه أيديولوجيا، والخطاب الذي يصطدم بها يتكسر قبل أن يصل.
والرهان الحقيقي اليوم على ما نزرعه في الجيل القادم. الطفل الذي يُعلَّم أن السؤال فضيلة، يكبر إنساناً يصعب استخدامه. والطفل الذي يُعلَم أن السؤال جريمة، يكبر فريسةً جاهزة لأي فكرة توضع في يده. الوعي لا يأتي بقرار، يُغرس في الطفل قبل أن يكبر، ويحتاج جيلاً كاملاً من الصبر حتى يؤتي ثماره. وما نختاره اليوم في طريقة تعليم أبنائنا، سيقرر غداً إن كانت بلادنا تُنتج مواطنين يفكرون، أم أتباعاً ينتظرون من يفكر عنهم.
الوعي ضرورة وطنية قبل أن يكون رفاهية فكرية. المواطن الواعي لا يُستغَل، ولا يُضلَل، ولا يُحرَض، لأنه يعرف من أين تأتيه الأفكار وإلى أين تريد أخذه. وبلد يمتلئ بمواطنين كهؤلاء تضيق فيه المساحة أمام كل من يتاجر باليقين على حساب الحقيقة، ويصبح الانقياد الأعمى ظاهرة يرفضها المجتمع من داخله، قبل أن يضطر أي قانون لرفضها من خارجه.
الوعي أمانة، من أداها حمى دينه وحمى نفسه ووطنه.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك