العدد : ١٧٦٠٩ - الثلاثاء ٠٩ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٩ - الثلاثاء ٠٩ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

إلى متى تستمر لعبة الشد والجذب في المفاوضات الأمريكية الإيرانية؟

بقلم: د. نبيل العسومي

الثلاثاء ٠٩ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

منذ‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬والجمهورية‭ ‬الإيرانية‭ ‬قبل‭ ‬بضعة‭ ‬أسابيع‭ ‬وبدء‭ ‬المفاوضات‭ ‬المباشرة‭ ‬وغير‭ ‬المباشرة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬بوساطة‭ ‬باكستانية‭ ‬وجدنا‭ ‬أنفسنا‭ ‬ندور‭ ‬في‭ ‬حلقة‭ ‬مفرغة‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬نفرح‭ ‬بعلامات‭ ‬تؤشر‭ ‬إلى‭ ‬انتهاء‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬والاتجاه‭ ‬إلى‭ ‬السلام‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬تظهر‭ ‬مؤشرات‭ ‬معاكسة‭ ‬تماما‭ ‬تظهر‭ ‬بأن‭ ‬الحرب‭ ‬قد‭ ‬تعود‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬وقت‭.‬

وبين‭ ‬هذا‭ ‬المد‭ ‬والجزر‭ ‬ولعبة‭ ‬الشد‭ ‬والجذب‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬يعيش‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬حرب‭ ‬باردة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وإيران‭ ‬يدفع‭ ‬ثمنها‭ ‬العالم‭ ‬كله‭ ‬اقتصاديا‭ ‬وسياسيا‭ ‬وأمنيا‭ ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬فلا‭ ‬حرب‭ ‬شاملة‭ ‬ولا‭ ‬سلام‭ ‬قريب‭.‬

إن‭ ‬الصراع‭ ‬الأمريكي‭ ‬الإيراني‭ ‬بطبيعته‭ ‬الحالية‭ ‬هو‭ ‬صراع‭ ‬معقد‭ ‬وتصعيد‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬من‭ ‬الطرفين‭ ‬تتخلله‭ ‬ضربات‭ ‬عسكرية‭ ‬ويشهد‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬بعض‭ ‬فترات‭ ‬الهدوء‭ ‬والتصريحات‭ ‬المبشرة‭ ‬بإمكانية‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬حل‭ ‬تفاوضي‭ ‬يجعل‭ ‬عودة‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬مستحيلة‭.‬

ولكن‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬المتأزم‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬استشراف‭ ‬آفاق‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬ونلمسه‭ ‬من‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري‭ ‬والسياسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬لكلا‭ ‬البلدين‭ ‬ويمكن‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬نتوقف‭ ‬عند‭ ‬ثلاث‭ ‬نقاط‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لفهم‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬واستشراف‭ ‬مستقبله‭:‬

أولا‭: ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بموازين‭ ‬القوى‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬فلا‭ ‬شك‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري‭ ‬والاستخباراتي‭ ‬والتكنولوجي‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وحلفائها‭ ‬يتجاوز‭ ‬بكثير‭ ‬جدا‭ ‬القدرات‭ ‬العسكرية‭ ‬الإيرانية‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الماضية‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬والمفاوضات‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬مترددة‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬سحق‭ ‬إيران‭ ‬عسكريا‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬إنها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬لأنها‭ ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬فوضى‭ ‬كتلك‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬عام‭ ‬2003‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر،‭ ‬أيضا‭ ‬نلاحظ‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬تستخدم‭ ‬الابتزاز‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬غلق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬وتفخخه،‭ ‬وتستخدم‭ ‬الأساليب‭ ‬الانتهازية‭ ‬للأذرع‭ ‬والعصابات‭ ‬المسلحة‭ ‬التي‭ ‬تديرها‭ ‬إيران‭ ‬عبر‭ ‬شبكاتها‭ ‬الواسعة‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬والعراق‭ ‬واليمن‭ ‬دون‭ ‬الدخول‭ ‬المباشر‭ ‬والكامل‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬شاملة‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬لأنها‭ ‬ستخسر‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المواجهة‭ ‬عسكريا‭ ‬وهذا‭ ‬يجعلها‭ ‬تلعب‭ ‬بالورقة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ورقة‭ ‬الطاقة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬وتعطيلها‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬إمدادات‭ ‬النفط‭ ‬المتجهة‭ ‬نحو‭ ‬العالم‭ ‬وهذه‭ ‬وسيلة‭ ‬ضغط‭ ‬استراتيجية‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬باهظة‭ ‬الثمن‭ ‬ليس‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬لدول‭ ‬المنطقة‭ ‬والعالم‭ ‬كله‭.‬

ثانيا‭: ‬يتعلق‭ ‬بالانقسامات‭ ‬في‭ ‬المواقف‭  ‬السياسية‭ ‬الداخلية‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬نقاش‭ ‬وتجاذب‭ ‬وصراع‭ ‬بين‭ ‬الجمهوريين‭ ‬والديمقراطيين‭ ‬وتتعرض‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬إلى‭ ‬ضغوط‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬المعارضة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬التي‭ ‬تحذر‭ ‬من‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬مستنقع‭ ‬صراع‭ ‬عسكري‭ ‬طويل‭ ‬المدى‭ ‬وتأثيره‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬الأمريكي‭ ‬كما‭ ‬تواجه‭ ‬هذه‭ ‬الإدارة‭ ‬ضغوطا‭ ‬شعبية‭ ‬متزايدة‭ ‬خاصة‭ ‬ما‭ ‬تثيره‭ ‬الصحافة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بأن‭ ‬ما‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬هو‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬المغامرة‭ ‬العسكرية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬خطة‭ ‬خروج‭ ‬واضحة‭ ‬تحقق‭ ‬النصر‭ ‬الحاسم‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬النصر‭ ‬قبل‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬المعركة‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬النصر‭ ‬سيكون‭ ‬منقوصا‭ ‬وسيحسب‭ ‬لصالح‭ ‬الجانب‭ ‬الإيراني‭.‬

وعلى‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬،‭ ‬فإن‭ ‬نفس‭ ‬المشكلة‭ ‬موجودة‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬الإيراني‭ ‬حاليا‭ ‬فإن‭ ‬الساسة‭ ‬والعسكريين‭ ‬ومجمل‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬منقسمون‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬الصمود‭ ‬ومواصلة‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬لإلحاق‭ ‬الهزيمة‭ ‬‮«‬بالشيطان‭ ‬الأكبر‮»‬‭ ‬ومن‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬التفاوض‭ ‬وحل‭ ‬سياسي‭ ‬لإنقاذ‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬المدمرة‭ ‬وإنقاذ‭ ‬النظام‭ ‬أيضا‭ ‬وتخفيف‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬الذي‭ ‬يعاني‭ ‬الأمرين‭ ‬من‭ ‬نتائج‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬والخوف‭ ‬من‭ ‬استمراريتها‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬النتائج‭ ‬الكارثية‭ ‬التي‭ ‬تتسبب‭ ‬فيها‭ ‬مواصلة‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬خسارة‭ ‬للمواطن‭ ‬الإيراني‭ ‬واقتصاد‭ ‬البلاد‭ ‬والتي‭ ‬تقدر‭ ‬بحوالي‭ ‬500‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬يوميا‭ ‬حسب‭ ‬المصادر‭ ‬الأمريكية‭.‬

ثالثا‭: ‬الآفاق‭ ‬والسيناريوهات‭ ‬المستقبلية‭ ‬لهذه‭ ‬المواجهة‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬الوضع‭ ‬الراهن‭ ‬المتسم‭ ‬بالجمود‭ ‬العسكري‭ ‬والسياسي‭ ‬تؤكد‭ ‬التحليلات‭ ‬الجادة‭ ‬لهذا‭ ‬الوضع‭ ‬بأن‭ ‬هنالك‭ ‬3‭ ‬احتمالات‭:‬

الأول‭: ‬نجاح‭ ‬الحل‭ ‬التفاوضي‭ ‬الذي‭ ‬يجري‭ ‬حاليا‭ ‬بوساطة‭ ‬باكستانية‭ ‬كما‭ ‬أسلفنا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الضغط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المتبادل‭ ‬وتشجيع‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬إنهاء‭ ‬هذه‭ ‬المواجهة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إبرام‭ ‬اتفاق‭ ‬ينهي‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬ويضع‭ ‬حدا‭ ‬للطموح‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬سلاح‭ ‬نووي‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬تدخلها‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬دول‭ ‬الإقليم‭.‬

الثاني‭: ‬يرتبط‭ ‬بإمكانية‭ ‬استمرار‭ ‬الوضع‭ ‬الحالي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬استنزاف‭ ‬الطرفين‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬رفض‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬التراجع‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬وعدم‭ ‬رغبتها‭ ‬في‭ ‬دحول‭ ‬حرب‭ ‬شاملة‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬الدعاية‭ ‬الجوفاء‭ ‬حول‭ ‬قدرتها‭ ‬وصمودها‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬حل‭ ‬يظهر‭ ‬بأنها‭ ‬غير‭ ‬مهزومة‭.‬

الثالث‭: ‬إمكانية‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬الشاملة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬فشلت‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الجهود‭ ‬وهذه‭ ‬الحرب‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬وقعت‭ ‬سوف‭ ‬تدمر‭ ‬إيران‭ ‬تدميرا‭ ‬شاملا‭ ‬ويؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تفككها‭ ‬مثلما‭ ‬حدث‭ ‬للعراق‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬وربما‭ ‬إلى‭ ‬الأسوأ‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا