منذ وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإيرانية قبل بضعة أسابيع وبدء المفاوضات المباشرة وغير المباشرة بين الطرفين بوساطة باكستانية وجدنا أنفسنا ندور في حلقة مفرغة في يوم نفرح بعلامات تؤشر إلى انتهاء هذا الصراع والاتجاه إلى السلام ولكن في اليوم التالي تظهر مؤشرات معاكسة تماما تظهر بأن الحرب قد تعود في أي وقت.
وبين هذا المد والجزر ولعبة الشد والجذب بين الطرفين يعيش العالم على وقع حرب باردة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران يدفع ثمنها العالم كله اقتصاديا وسياسيا وأمنيا وهنا تكمن المشكلة فلا حرب شاملة ولا سلام قريب.
إن الصراع الأمريكي الإيراني بطبيعته الحالية هو صراع معقد وتصعيد واسع النطاق في بعض الأحيان من الطرفين تتخلله ضربات عسكرية ويشهد في المقابل بعض فترات الهدوء والتصريحات المبشرة بإمكانية الوصول إلى حل تفاوضي يجعل عودة هذه الحرب مستحيلة.
ولكن هذا الوضع المتأزم بين الجانبين يجعل من الصعب استشراف آفاق هذا الصراع بناء على ما نراه ونلمسه من التصعيد العسكري والسياسي والاقتصادي لكلا البلدين ويمكن هنا أن نتوقف عند ثلاث نقاط أساسية في محاولة لفهم هذا الصراع واستشراف مستقبله:
أولا: ما يتعلق بموازين القوى بين الطرفين فلا شك هنا أن التفوق العسكري والاستخباراتي والتكنولوجي للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها يتجاوز بكثير جدا القدرات العسكرية الإيرانية ولكن من الواضح خلال الأشهر الماضية من الحرب والمفاوضات أن الولايات المتحدة الأمريكية مترددة في عملية سحق إيران عسكريا بشكل كامل بالرغم من إنها قادرة على ذلك لأنها ربما لا تريد أن تتحول إيران إلى حالة فوضى كتلك التي حدثت في العراق عام 2003.
وفي هذا الجانب الآخر، أيضا نلاحظ أن إيران تستخدم الابتزاز من خلال غلق مضيق هرمز وتفخخه، وتستخدم الأساليب الانتهازية للأذرع والعصابات المسلحة التي تديرها إيران عبر شبكاتها الواسعة في لبنان والعراق واليمن دون الدخول المباشر والكامل في مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة الأمريكية لأنها ستخسر مثل هذه المواجهة عسكريا وهذا يجعلها تلعب بالورقة الاقتصادية إضافة إلى ورقة الطاقة من خلال إغلاق مضيق هرمز وتعطيلها الجزء الأكبر من إمدادات النفط المتجهة نحو العالم وهذه وسيلة ضغط استراتيجية تجعل من الحرب باهظة الثمن ليس للولايات المتحدة الأمريكية فقط بل لدول المنطقة والعالم كله.
ثانيا: يتعلق بالانقسامات في المواقف السياسية الداخلية لكل من الولايات المتحدة الأمريكية من نقاش وتجاذب وصراع بين الجمهوريين والديمقراطيين وتتعرض إدارة الرئيس ترامب منذ فترة إلى ضغوط كبيرة من المعارضة الديمقراطية التي تحذر من الوقوع في مستنقع صراع عسكري طويل المدى وتأثيره الكبير في الداخل الأمريكي كما تواجه هذه الإدارة ضغوطا شعبية متزايدة خاصة ما تثيره الصحافة الأمريكية بأن ما قام به الرئيس ترامب هو أقرب إلى المغامرة العسكرية من دون خطة خروج واضحة تحقق النصر الحاسم للولايات المتحدة الأمريكية التي تحتاج إلى هذا النصر قبل الخروج من المعركة لأن هذا النصر سيكون منقوصا وسيحسب لصالح الجانب الإيراني.
وعلى الجانب الآخر ، فإن نفس المشكلة موجودة أيضا في الداخل الإيراني حاليا فإن الساسة والعسكريين ومجمل الشعب الإيراني منقسمون بين من يتحدث عن الصمود ومواصلة هذه الحرب لإلحاق الهزيمة «بالشيطان الأكبر» ومن يدعو إلى التفاوض وحل سياسي لإنقاذ إيران من هذه الحرب المدمرة وإنقاذ النظام أيضا وتخفيف الضغوط على الشعب الإيراني الذي يعاني الأمرين من نتائج هذه الحرب والخوف من استمراريتها إضافة إلى النتائج الكارثية التي تتسبب فيها مواصلة هذه الحرب من خسارة للمواطن الإيراني واقتصاد البلاد والتي تقدر بحوالي 500 مليون دولار يوميا حسب المصادر الأمريكية.
ثالثا: الآفاق والسيناريوهات المستقبلية لهذه المواجهة وفي ظل الوضع الراهن المتسم بالجمود العسكري والسياسي تؤكد التحليلات الجادة لهذا الوضع بأن هنالك 3 احتمالات:
الأول: نجاح الحل التفاوضي الذي يجري حاليا بوساطة باكستانية كما أسلفنا من خلال الضغط الاقتصادي المتبادل وتشجيع معظم الدول على إنهاء هذه المواجهة من خلال إبرام اتفاق ينهي هذه الحرب ويضع حدا للطموح الإيراني في الحصول على سلاح نووي والحد من تدخلها في شؤون دول الإقليم.
الثاني: يرتبط بإمكانية استمرار الوضع الحالي القائم على استنزاف الطرفين في ظل رفض الولايات المتحدة الأمريكية التراجع من ناحية وعدم رغبتها في دحول حرب شاملة مرة أخرى وفي ظل استمرار إيران في الدعاية الجوفاء حول قدرتها وصمودها للوصول إلى حل يظهر بأنها غير مهزومة.
الثالث: إمكانية العودة إلى الحرب الشاملة إذا ما فشلت كل هذه الجهود وهذه الحرب إذا ما وقعت سوف تدمر إيران تدميرا شاملا ويؤدي إلى تفككها مثلما حدث للعراق في عام 2003 وربما إلى الأسوأ.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك