العدد : ١٧٦٠٨ - الاثنين ٠٨ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٨ - الاثنين ٠٨ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

ذلكم هو الإسلام!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٠٧ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

لقد‭ ‬عانى‭ ‬المسلمون‭ ‬طويلًا‭ ‬من‭ ‬بغض‭ ‬كفار‭ ‬قريش‭ ‬لهم،‭ ‬ومحاربتهم‭ ‬للدعوة‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬تحمَّل‭ ‬المسلمون‭ ‬الأوائل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المعاناة‭ ‬والجهد‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لم‭ ‬يشتد‭ ‬بعد‭ ‬عود‭ ‬الدعوة،‭ ‬ولم‭ ‬تستكمل‭ ‬أدواتها‭ ‬الدعوية،‭ ‬ولم‭ ‬تستقطب‭ ‬أعوانًا‭ ‬يقفون‭ ‬معها،‭ ‬وهي‭ ‬تواجه‭ ‬المناوئين‭ ‬للدعوة‭ ‬الجديدة‭ ‬الذين‭ ‬ضحوا‭ ‬من‭ ‬أجلها‭ ‬بالأهل‭ ‬والولد،‭ ‬وظلوا‭ ‬على‭ ‬ولائهم‭ ‬والتزامهم‭ ‬بما‭ ‬تفرضه‭ ‬الدعوة‭ ‬الجديدة‭ ‬عليهم،‭ ‬وهم‭ ‬على‭ ‬ثقة‭ ‬ويقين‭ ‬بأن‭ ‬النصر‭ ‬آتٍ‭ ‬لا‭ ‬محالة‭ ‬وإن‭ ‬طال‭ ‬الزمن،‭ ‬وأن‭ ‬التاريخ‭ ‬لن‭ ‬ينسى‭ ‬لهم‭ ‬صنيعهم،‭ ‬ولن‭ ‬يخذلهم‭ ‬مهما‭ ‬اشتدّت‭ ‬المحن،‭ ‬وغالبتهم‭ ‬الأيام،‭ ‬وأن‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬الذي‭ ‬اختار‭ ‬لهم‭ ‬الإسلام‭ ‬دينًا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬استكمل‭ ‬شرائعه‭ ‬وأحكامه،‭ ‬وبلغت‭ ‬القيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬فيه‭ ‬كمالها‭ ‬وتمامها‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يخذلهم‭ ‬ويتخلى‭ ‬عنهم،‭ ‬وذلك‭ ‬لعدة‭ ‬أسباب،‭ ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الأسباب‭ ‬أن‭ ‬المسلمين‭ ‬وهم‭ ‬الأمة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬اختارها‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬ليؤول‭ ‬إليها‭ ‬مواريث‭ ‬الأنبياء‭ ‬جميعًا‭ ‬من‭ ‬آدم‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬إلى‭ ‬محمد‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬الذين‭ ‬بلغوا‭ ‬مرتبة‭ ‬أولي‭ ‬العزم‭ ‬من‭ ‬الرسل‭ ‬الكرام،‭ ‬وهم‭: ‬نوح،‭ ‬وإبراهيم،‭ ‬وموسى،‭ ‬وعيسى،‭ ‬ومحمد‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬وسلم‭ ‬عليهم‭ ‬جميعًا‭) ‬ثم‭ ‬ختم‭ ‬ركب‭ ‬الرسالات‭ ‬برسالة‭ ‬سيد‭ ‬الخلق‭ ‬محمد‭ (‬صلوات‭ ‬ربي‭ ‬وسلامه‭ ‬عليه‭).‬

وهكذا‭ ‬مضت‭ ‬الدعوة‭ ‬المباركة‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬المحفوف‭ ‬بالمخاطر،‭ ‬وهي‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬تزداد‭ ‬نصرًا‭ ‬وتوفيقًا‭ ‬وظل‭ ‬الحال‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬الشد‭ ‬والجذب‭ ‬حتى‭ ‬نزل‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: (‬أذن‭ ‬للذين‭ ‬يقاتلون‭ ‬بأنهم‭ ‬ظلموا‭ ‬وإن‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬نصرهم‭ ‬لقدير‭ (‬39‭) ‬الذين‭ ‬أخرجوا‭ ‬من‭ ‬ديارهم‭ ‬بغير‭ ‬حق‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يقولوا‭ ‬ربنا‭ ‬الله‭ ‬ولولا‭ ‬دفع‭ ‬الله‭ ‬الناس‭ ‬بعضهم‭ ‬ببعض‭ ‬لهدمت‭ ‬صوامع‭ ‬وبيع‭ ‬وصلوات‭ ‬ومساجد‭ ‬يذكر‭ ‬فيها‭ ‬اسم‭ ‬الله‭ ‬كثيرًا‭ ‬ولينصرن‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬ينصره‭ ‬إن‭ ‬الله‭ ‬لقوي‭ ‬عزيز‭ (‬40‭)) ‬سورة‭ ‬الحج‭.‬

إذًا،‭ ‬فقد‭ ‬أذن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬لرسوله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬وللمسلمين‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يبدؤوا‭ ‬المواجهة‭ ‬دفاعًا‭ ‬عن‭ ‬أنفسهم،‭ ‬واستردادًا‭ ‬لحقوقهم‭ ‬التي‭ ‬سلبتها‭ ‬قريش‭ ‬منهم‭.‬

في‭ ‬المدينة‭ ‬المنورة‭ ‬بدأ‭ ‬الرسول‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬المسلمين‭ ‬ونظرائهم‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬الكتاب‭ ‬من‭ ‬اليهود‭ ‬والنصارى،‭ ‬ومن‭ ‬ليس‭ ‬لهم‭ ‬كتاب‭ ‬سماوي‭ ‬أمر‭ ‬الرسول‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬أن‭ ‬يستن‭ ‬فيهم‭ ‬المسلمون‭ ‬سنة‭ ‬أهل‭ ‬الكتاب‭ ‬من‭ ‬اليهود‭ ‬والنصارى‭.‬

وبعد‭ ‬أن‭ ‬فرغ‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬من‭ ‬العناية‭ ‬بمجتمع‭ ‬المدينة‭ ‬الداخلي‭ ‬اتجه‭ ‬إلى‭ ‬العلاقات‭ ‬الخارجية‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬والإمبراطوريات‭ ‬كبلاد‭ ‬فارس‭ ‬والروم‭ ‬والحبشة‭ ‬ومصر،‭ ‬فبدأ‭ ‬بمراسلة‭ ‬هذه‭ ‬الدول،‭ ‬فمن‭ ‬قبل‭ ‬بالمهادنة‭ ‬هادنهم،‭ ‬ومن‭ ‬دخل‭ ‬في‭ ‬الإسلام،‭ ‬ورضي‭ ‬بأن‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬المسلمين‭ ‬له‭ ‬ما‭ ‬لهم،‭ ‬وعليه‭ ‬ما‭ ‬عليهم،‭ ‬ومن‭ ‬أبى‭ ‬واستكبر‭ ‬فلغة‭ ‬القوة‭ ‬هي‭ ‬الخيار‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تستبعده،‭ ‬كما‭ ‬رسم‭ ‬الرسول‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬نهج‭ ‬كيفية‭ ‬التعامل‭ ‬معهم‭.‬

ولقد‭ ‬رسم‭ ‬الرسول‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬حدودًا‭ ‬للعلاقة‭ ‬بين‭ ‬الرسول‭ ‬والنبي‭ ‬وأن‭ ‬هناك‭ ‬معنى‭ ‬محددا‭ ‬للرسول‭ ‬وآخر‭ ‬للنبي،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الرسول‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬أنزل‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬عليه‭ ‬شريعة‭ ‬وأمرّه‭ ‬بتبليغها،‭ ‬فإن‭ ‬النبي‭ ‬يكتفي‭ ‬بدور‭ ‬الأسوة‭ ‬التي‭ ‬اختارها‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬وليس‭ ‬مطلوبًا‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يبلغها‭ ‬إلى‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬وهذه‭ ‬كانت‭ ‬المواجهة‭ ‬الأولى‭ ‬بين‭ ‬النبي‭ ‬والرسول‭ ‬والمسلمين،‭ ‬وقال‭ ‬لهم‭: ‬‮«‬أنتم‭ ‬أعلم‭ ‬بأمور‭ ‬دنياكم‮»‬‭.‬

وبهذا‭ ‬تكون‭ ‬الأمة‭ ‬ووفًق‭ ‬الأمر‭ ‬الإلهي‭ ‬معنية‭ ‬ومسؤولة‭ ‬عن‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬يقول‭ ‬سبحانه‭: (‬ولتكن‭ ‬منكم‭ ‬أمة‭ ‬يدعون‭ ‬إلى‭ ‬الخير‭ ‬ويأمرون‭ ‬بالمعروف‭ ‬وينهون‭ ‬عن‭ ‬المنكر‭ ‬وأولئك‭ ‬هم‭ ‬المفلًحون‭) ‬آل‭ ‬عمران‭ / ‬104‭. ‬

إذًا،‭ ‬فمهمة‭ ‬الدعوة‭ ‬أمر‭ ‬منوطة‭ ‬بها‭ ‬أمة‭ ‬الإسلام‭ ‬التي‭ ‬اختارها‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬على‭ ‬عينه،‭ ‬وبوأها‭ ‬هذه‭ ‬المكانة‭ ‬العظيمة‭ ‬التي‭ ‬خلقت‭ ‬من‭ ‬أجلها،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: (.. ‬اليوم‭ ‬أكملت‭ ‬لكم‭ ‬دينكم‭ ‬وأتممت‭ ‬عليكم‭ ‬نعمتي‭ ‬ورضيت‭ ‬لكم‭ ‬الإسلام‭ ‬دينًا‭ ‬‭) ‬المائدة‭ / ‬3‭.‬

وبعد،‭ ‬فمن‭ ‬أولًى‭ ‬بهذه‭ ‬الدعوة‭ ‬للدين‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬المسلمين‭ ‬الذين‭ ‬صنعهم‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬على‭ ‬عينه،‭ ‬وحقق‭ ‬فيهم‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الصفات‭ ‬التي‭ ‬تؤهلهم‭ ‬لحمل‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: (‬كنتم‭ ‬خير‭ ‬أمة‭ ‬أخرجت‭ ‬للناس‭ ‬تأمرون‭ ‬بالمعروف‭ ‬وتنهون‭ ‬عن‭ ‬المنكر‭ ‬وتؤمنون‭ ‬بالله‭ ‬‭) ‬آل‭ ‬عمران‭ / ‬110‭.‬

وكونهم‭ ‬خير‭ ‬أمة‭ ‬أخرجت‭ ‬للناس،‭ ‬فلأنهم‭ ‬أمة‭ ‬أعلى‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬من‭ ‬شأنها،‭ ‬فاختار‭ ‬لها‭ ‬الإسلام‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كمل‭ ‬وتمت‭ ‬نعمته،‭ ‬واختارها‭ ‬له،‭ ‬وختمت‭ ‬بها‭ ‬الرسالات،‭ ‬ولهذا‭ ‬سماهم‭ ‬أبو‭ ‬الأنبياء‭ ‬إبراهيم‭ ‬المسلمين،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: (‬وجاهدوا‭ ‬في‭ ‬الله‭ ‬حق‭ ‬جهاده‭ ‬هو‭ ‬اجتباكم‭ ‬وما‭ ‬جعل‭ ‬عليكم‭ ‬في‭ ‬الدين‭ ‬من‭ ‬حرج‭ ‬ملة‭ ‬أبيكم‭ ‬إبراهيم‭ ‬هو‭ ‬سماكم‭ ‬المسلمين‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬‭) ‬الحج‭ / ‬78‭.‬

إذًا،‭ ‬فالمسلمون‭ ‬هم‭ ‬أمة‭ ‬الدعوة‭ ‬الخاتمة،‭ ‬وهم‭ ‬الشهداء‭ ‬على‭ ‬الناس‭ ‬يوم‭ ‬القيامة،‭ ‬وهم‭ ‬بهذا‭ ‬الاعتبار‭ ‬سوف‭ ‬يتقدمون‭ ‬الصفوف‭ ‬ليدلوا‭ ‬بشهادتهم‭ ‬ولينصروا‭ ‬الحق‭ ‬على‭ ‬الباطل،‭ ‬وليقولوا‭ ‬كلمة‭ ‬الفصل‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬العظيم،‭ ‬يا‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬مشهدٍ‭ ‬عظيم‭ ‬تكشف‭ ‬فيه‭ ‬الحقائق‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬عليه‭: (‬يوم‭ ‬ترونها‭ ‬تذهل‭ ‬كل‭ ‬مرضعة‭ ‬عما‭ ‬أرضعت‭ ‬وتضع‭ ‬كل‭ ‬ذات‭ ‬حمل‭ ‬حملها‭ ‬وترى‭ ‬الناس‭ ‬سكارى‭ ‬وما‭ ‬هم‭ ‬بسكارى‭ ‬ولكن‭ ‬عذاب‭ ‬الله‭ ‬شديد‭) ‬الحج‭ / ‬3‭.‬

ذلكم‭ ‬هو‭ ‬الإسلام،‭ ‬وتلك‭ ‬هي‭ ‬مسؤولياته،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬شرف‭ ‬الانتماء‭ ‬إليه،‭ ‬فهيا‭ ‬شمروا‭ ‬عن‭ ‬سواعدكم‭ ‬لبلوغ‭ ‬الغاية‭ ‬المبتغاة‭ ‬منه‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا