لقد عانى المسلمون طويلًا من بغض كفار قريش لهم، ومحاربتهم للدعوة الجديدة التي تحمَّل المسلمون الأوائل الكثير من المعاناة والجهد في وقت لم يشتد بعد عود الدعوة، ولم تستكمل أدواتها الدعوية، ولم تستقطب أعوانًا يقفون معها، وهي تواجه المناوئين للدعوة الجديدة الذين ضحوا من أجلها بالأهل والولد، وظلوا على ولائهم والتزامهم بما تفرضه الدعوة الجديدة عليهم، وهم على ثقة ويقين بأن النصر آتٍ لا محالة وإن طال الزمن، وأن التاريخ لن ينسى لهم صنيعهم، ولن يخذلهم مهما اشتدّت المحن، وغالبتهم الأيام، وأن الحق سبحانه وتعالى الذي اختار لهم الإسلام دينًا بعد أن استكمل شرائعه وأحكامه، وبلغت القيم الأخلاقية فيه كمالها وتمامها ولا يمكن أن يخذلهم ويتخلى عنهم، وذلك لعدة أسباب، ومن هذه الأسباب أن المسلمين وهم الأمة الوحيدة التي اختارها الله تعالى ليؤول إليها مواريث الأنبياء جميعًا من آدم عليه السلام إلى محمد (صلى الله عليه وسلم) الذين بلغوا مرتبة أولي العزم من الرسل الكرام، وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد (صلى الله وسلم عليهم جميعًا) ثم ختم ركب الرسالات برسالة سيد الخلق محمد (صلوات ربي وسلامه عليه).
وهكذا مضت الدعوة المباركة الجديدة في طريقها المحفوف بالمخاطر، وهي كل يوم تزداد نصرًا وتوفيقًا وظل الحال على ما هو عليه من الشد والجذب حتى نزل قوله تعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (40)) سورة الحج.
إذًا، فقد أذن الله تعالى لرسوله (صلى الله عليه وسلم) وللمسلمين في أن يبدؤوا المواجهة دفاعًا عن أنفسهم، واستردادًا لحقوقهم التي سلبتها قريش منهم.
في المدينة المنورة بدأ الرسول (صلى الله عليه وسلم) في تنظيم العلاقات بين المسلمين ونظرائهم من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ومن ليس لهم كتاب سماوي أمر الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن يستن فيهم المسلمون سنة أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
وبعد أن فرغ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من العناية بمجتمع المدينة الداخلي اتجه إلى العلاقات الخارجية مع الدول والإمبراطوريات كبلاد فارس والروم والحبشة ومصر، فبدأ بمراسلة هذه الدول، فمن قبل بالمهادنة هادنهم، ومن دخل في الإسلام، ورضي بأن يكون من المسلمين له ما لهم، وعليه ما عليهم، ومن أبى واستكبر فلغة القوة هي الخيار الذي لا تستبعده، كما رسم الرسول (صلى الله عليه وسلم) نهج كيفية التعامل معهم.
ولقد رسم الرسول (صلى الله عليه وسلم) حدودًا للعلاقة بين الرسول والنبي وأن هناك معنى محددا للرسول وآخر للنبي، وإذا كان الرسول هو من أنزل الله تعالى عليه شريعة وأمرّه بتبليغها، فإن النبي يكتفي بدور الأسوة التي اختارها الله تعالى وليس مطلوبًا منه أن يبلغها إلى غيره من الناس وهذه كانت المواجهة الأولى بين النبي والرسول والمسلمين، وقال لهم: «أنتم أعلم بأمور دنياكم».
وبهذا تكون الأمة ووفًق الأمر الإلهي معنية ومسؤولة عن الدعوة إلى الله تعالى، يقول سبحانه: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلًحون) آل عمران / 104.
إذًا، فمهمة الدعوة أمر منوطة بها أمة الإسلام التي اختارها الله تعالى على عينه، وبوأها هذه المكانة العظيمة التي خلقت من أجلها، قال تعالى: (.. اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا …) المائدة / 3.
وبعد، فمن أولًى بهذه الدعوة للدين الجديد من المسلمين الذين صنعهم الله تعالى على عينه، وحقق فيهم العديد من الصفات التي تؤهلهم لحمل هذه الرسالة، قال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله …) آل عمران / 110.
وكونهم خير أمة أخرجت للناس، فلأنهم أمة أعلى الله تعالى من شأنها، فاختار لها الإسلام بعد أن كمل وتمت نعمته، واختارها له، وختمت بها الرسالات، ولهذا سماهم أبو الأنبياء إبراهيم المسلمين، قال تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل …) الحج / 78.
إذًا، فالمسلمون هم أمة الدعوة الخاتمة، وهم الشهداء على الناس يوم القيامة، وهم بهذا الاعتبار سوف يتقدمون الصفوف ليدلوا بشهادتهم ولينصروا الحق على الباطل، وليقولوا كلمة الفصل في ذلك اليوم العظيم، يا له من مشهدٍ عظيم تكشف فيه الحقائق وفق ما هي عليه: (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) الحج / 3.
ذلكم هو الإسلام، وتلك هي مسؤولياته، وهذا هو شرف الانتماء إليه، فهيا شمروا عن سواعدكم لبلوغ الغاية المبتغاة منه.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك