لَم يَعد اَلحدِيثُ عن التَّعْليم الأخْضر فِي مُؤسسَات التَّعْليم العالي العربيَّة ترفًا فِكْريًّا، ولَا اِسْتجابة تجْميليَّة لِموْجة عَالمِية عابرَة، بل أَصبَح ضَرُورَة اِسْتراتيجيَّة تُمْليهَا تحوُّلَات المناخ، وَضغُوط الموارد، وتحدِّيات الأمْن الغذائيِّ والْمائيِّ، ومتطلَّبات الاقْتصاد اَلجدِيد القائم على المعْرفة والاسْتدامة. فقد أَكدَت اَلأُممُ المتَّحدة أنَّ التَّعْليم مِن أَجْل التَّنْمية المسْتدامة جُزْء أصيل مِن التَّعْليم الجيِّد، وأنَّ إِدمَاج الاسْتدامة فِي التَّعْليم الرسْمِي على جميع المسْتويات يُعَد شرْطًا داعمًا لِلتَّنْمية المسْتدامة على المدى البعيد. كمَا أَوضَحت اليونسْكو أنَّ مُؤسسَات التَّعْليم العالي لَا يَقتَصِر أَثرُها على الهدف الرَّابع مِن أَهدَاف التَّنْمية المسْتدامة، بل يَمتَد إِلى مُجمَل الأهْداف مِن خِلَال التَّدْريس، والْبَحْث العلْميِّ، والْمبادرات الطُّلَّابيَّة، وإنْتَاج اَلحُلول لِلْمشْكلات الاجْتماعيَّة والْبيئيَّة والاقْتصاديَّة. وَمِن هُنَا، فَإِن الجامعات العربيَّة لَم تَعُد مُطَالبَة فقط بِتخْرِيج حَملَة شهادات، بل بِصناعة أَجيَال قَادِرة على حِماية المسْتقْبل العرَبيِّ نَفسهِ.
والتَّعْليم الأخْضر، فِي جَوهرِه، لَيْس مُقَررا مُنْفصِلا يُضَاف إِلى اَلخُطة الدِّراسيَّة، بل فَلسفَة مُؤسَّسِيَّة شَامِلة تُعيد بِنَاء العلاقة بَيْن المعْرفة والْبيئة والتَّنْمية. إِنَّه تَعلِيم يُدْمِج مَفاهِيم الاسْتدامة، والْعدالة البيئيَّة، وَكَفاءَة اِسْتخْدام الموارد، والطَّاقة النَّظيفة، والْمسْؤوليَّة المجْتمعيَّة فِي بِنْيَة الجامعة كُلِّها: فِي مناهجها، وَفِي مبانيها، وَفِي أوْلويَّاتهَا البحْثيَّة، وَفِي سُلوكِهَا الإداريِّ اليوْميِّ. وتشير الأدبيَّات العربيَّة الحديثة إِلى أنَّ التَّعْليم الجامعيَّ الأخْضر يُمثِّل رَكِيزَة أَساسِية لِلاقْتصاد الأخْضر، لِأَنه لَا يَكتَفِي بِتقْدِيم المعْرفة النَّظريَّة، بل يَخلُق أَرضِية تطْبيقيَّة لِلْبرامج التَّعْليميَّة الصَّديقة لِلْبيئة المبْنيَّة على الثَّقافة البيئيَّة دَاخِل المؤسَّسة الجامعيَّة. وَهذَا المعْنى بَالِغ الأهمِّيَّة بِالنِّسْبة إِلى الوطن العربيِّ، لِأنَّ المنْطقة تُوَاجِه وَاحِدة مِن أَكثَر البيئات هَشاشَة أَمَام التَّغيُّرات المناخيَّة، فِي وَقْت لا تَزَال فِيه فَجوَة المواءمة قَائِمة بَيْن مَا تَدرسُه الجامعات ومَا تحْتاجه خُطَط التَّنْمية الوطنيَّة.
إِنَّ إِدمَاج التَّعْليم الأخْضر فِي مُؤسسَات التَّعْليم العالي العربيَّة يَجِب أن يَبدَأ مِن صُلْب السِّياسة التَّعْليميَّة، لَا مِن هَوامِش الأنْشطة. فالْخطْوة اَلأُولى تَتَمثَّل فِي إِعادة النَّظر فِي فَلسفَة المناهج الجامعيَّة ذاتهَا، بِحَيث تُصْبِح الاسْتدامة إِطارًا ناظمًا لِلتَّعلُّم، لَا مَوضُوعا ثانويًّا. ويقْتَضي ذَلِك إِدرَاج مُقررَات تأْسيسيَّة مُشتركَة حَوْل التَّغَيُّر المناخيِّ، وأخْلاقيَّات البيئة، والاقْتصاد الدَّائريِّ، وإدارة الموارد، مع دَمْج القضايَا البيئيَّة فِي التَّخصُّصات المخْتلفة؛ فالْهنْدسة تَدرُس البنَاء المسْتدام، والزِّراعة تَدرُس الزِّراعة اَلذكِية مُناخيًّا، والاقْتصاد يُعَالِج التَّحَوُّل إِلى الاقْتصاد الأخْضر، والْإعْلام يُعنَى بِبناء خِطَاب بِيئيٍّ رشيد، والْحقوق تُعَالِج التَّشْريعات البيئيَّة والْعدالة المناخيَّة. وقد بيَّنْت دِراسَات عَرَبيَّة أنَّ مِن مُتطلَّبات تَطبِيق التَّعْليم الأخْضر فِي الجامعات وُجُود مُتطلَّبات تشْريعيَّة وتنْظيميَّة، ومادِّيَّة، وبشريَّة، فضْلا عن مُتطلَّبات مُرتبطَة بِوظائف الجامعة الثَّلاث: التَّدْريس، والْبَحْث العلْميُّ، وَخِدمَة المجْتمع.
غَيْر أنَّ نَجَاح هذَا التَّحَوُّل لَا يَتَحقَّق بِالْمناهج وحْدهَا، لِأنَّ الجامعة اَلتِي تَدرُس الاسْتدامة فِي القاعات ثُمَّ تُهْدِر الكهْرباء والْمياه والْوَرق فِي مرافقهَا تُنْتِج تناقضًا تَربوِيا لَا وعْيًا بِيئيًّا. وَلذَلِك فَإِن الحرم الجامعيَّ يَنبَغِي أن يَتَحوَّل إِلى نَمُوذَج تطْبيقيٍّ حيٍّ. وَفِي هذَا السِّيَاق تُبْرِز تجْربتان عربيَّتان جديرتان بِالاسْتشْهاد: فَفِي مَمْلَكة البحْرين، أَصدَرت وِزارة التَّرْبية والتَّعْليم دليلا رسْميًّا لِلتَّعْليم الأخْضر وَأَطلقَت مُبَادرَة Green IT لِتحْوِيل الخدْمات الطُّلَّابيَّة إِلى نِظَام رَقمِي كَامِل بِلَا ورق، ونظَّمتْ جَامِعة البحْريْنِ عام 2025 أَوَّل لِقَاء تعْريفيٍّ رَسمِي لِإطْلَاق التَّعْليم الأخْضر بِمشاركة أَكثَر مِن 128 مُعَلما ومعلِّمة، فضْلا عن إِصدَار خُطَّة وَطَنيَّة شَامِلة لِتطْبيقه فِي المدارس الحكوميَّة والْخاصَّة لِجميع المراحل. وَفِي مِصرَ، أَنشَأت جَامِعة القاهرة أَوَّل مَكتَب لِلاسْتدامة فِي الجامعات الحكوميَّة مع شَبكَة مَكاتِب خَضْراء فِي كُلِّ كُلِّيَّة، وفازتْ مُنَاصفَة مع جَامِعة المنْصورة بِالْمرْكز الأوَّل فِي مُسَابقَة الجامعة الأكْثر صَداقَة لِلْبيئة. وَفِي مَايُو 2026 اختتَم مَشرُوع «جامعَات خَضْراء مِن أَجْل مُسْتقْبَل أَفضَل» فِي جَامِعة الإسْكنْدريَّة اَلمُمول مِن مِرفَق البيئة العالميّ، فِيمَا نَظمَت اللَّجْنة الوطنيَّة المصْريَّة لِلْيونسْكو فِي دِيسمْبر 2025 مائدتيْنِ مُسْتديرتيْنِ رسْميَّتيْنِ حَوْل التَّعْليم الأخْضر فِي أَوَّل تبنٍّ وِزاريٍّ صريح لِهَذا المفْهوم.
ويتطَلَّب التَّعْليم الأخْضر كَذلِك إِعادة تَوجِيه البحْث اَلعلْمِي العرَبيِّ نَحْو الأوْلويَّات البيئيَّة الفعْليَّة لِلْمجْتمعات العربيَّة. فالْجامعات لَيسَت مُؤسسَات تَعلِيم فقطْ، بل مَراكِز لِإنْتَاج الحلول. والْيونسْكو تُؤكِّد أنَّ الجامعات قَادِرة على إِحدَاث تَأثِير إِيجابيٍّ وَاسِع مِن خِلَال مُخرجَات البحْث والتَّعلُّم والْعَمل الطُّلَّابيِّ، وأنَّ المنْطقة العربيَّة تَحْتاج إِلى تَسرِيع التَّقَدُّم فِي هذَا المسار. وَعليْهِ، فَإِن مِن الضَّروريِّ تَخصِيص مِنح وتمْويلات تنافسيَّة لِلْأبْحاث المرْتبطة بِندْرة المياه، والتَّصحُّر، والطَّاقة المتجدِّدة، وإدارة المخلَّفات، والْعمارة المسْتدامة، والْأَمْن الغذائيِّ، وَربَط رَسائِل الماجسْتير والدُّكْتوراه بِاحْتياجات المجْتمعات المحلِّيَّة. كمَا أنَّ بِنَاء كَراسِي بَحثِية عَرَبيَّة مُشْتركة، ومراكز تُميِّز بَيْن الجامعات العربيَّة، يُمْكِن أن يُحوِّل مِلفّ الاسْتدامة مِن مَجَال مَعرفِي مُتَناثِر إِلى مَشرُوع حَضارِي عَربِي مُتكامل.
وَلعَل مَا أثْبتَتْه التَّجْربة البحْرينيَّة مِن قُدرَة على الانْتقال مِن الخطَاب إِلى اَلدلِيل اَلرسْمِي والْخطَّة الوطنيَّة، ومَا أَبدَته الجامعات المصْريَّة مِن إِرادة فِي التَّحَوُّل وَإِن ظَلَّت فِي طَوْر المبادرات اَلتِي تَنتَظِر المأْسسة، يُؤكِّدَان معًا أنَّ المنْطقة العربيَّة لَا تَفتَقِر إِلى الإمْكان، بل تَحْتاج إِلى إِرادة التَّعْميم وَتحوِيل المبادرات المبعْثرة إِلى سِياسة وَطَنيَّة مُلزمَة. وَعليْهِ، فَإِن الدَّعْوة اليوْم مُوَجهَة إِلى القيادات السِّياسيَّة العربيَّة، وَإلَى وِزارَات التَّعْليم العالي، وَإلَى مَجالِس الجامعات واتِّحاداتها، لِكيْ تَنتَقِل مِن الإقْرار النَّظَريِّ بِأهمِّيَّة الاسْتدامة إِلى مِيثَاق عَربِي مُشتَرَك لِلْجامعات الخضْراء تَحْت مِظَلة جَامِعة الدُّول العربيَّة، يَتَضمَّن مَعايِير لِلاعْتماد، ومؤشِّرات لِلْأداء، وحوافز لِلْمؤسَّسات الرَّائدة. ذَلِك أنَّ مُسْتقْبَل الوطن العرَبيِّ لَن يُصَان بِمَا نمْلكه مِن مَوارِد وحسب، بل بِمَا نعْلِّمه لِأبْنائنَا عن كَيفِية صَوْن هَذِه الموارد وتحْويلهَا إِلى تَنمِية عَادِلة ومسْتدامة لِلْأجْيال القادمة.
{ أستاذ اللغويات والترجمة
زميل أكاديمية التعليم العالي البريطانية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك