العدد : ١٧٦٠٨ - الاثنين ٠٨ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٨ - الاثنين ٠٨ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

التحرك الخليجي المطلوب في مواجهة العدوان الإيراني الغاشم على البحرين والكويت

بقلم: يعقوب سامي القوز

الاثنين ٠٨ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬السياسة،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الأزمات،‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬مسؤولية‭ ‬الدول‭ ‬بما‭ ‬ترفعه‭ ‬من‭ ‬شعارات،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬تلتزم‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬قواعد،‭ ‬وما‭ ‬تحترمه‭ ‬من‭ ‬مواثيق،‭ ‬وما‭ ‬تصونه‭ ‬من‭ ‬أمن‭ ‬الجوار‭ ‬واستقرار‭ ‬الإقليم‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬فإن‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭ ‬الغاشمة‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬ودولة‭ ‬الكويت‭ ‬الشقيقة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إليها‭ ‬بوصفها‭ ‬حوادث‭ ‬معزولة‭ ‬أو‭ ‬رسائل‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬باعتبارها‭ ‬تصعيدًا‭ ‬خطيرًا‭ ‬يمس‭ ‬سيادة‭ ‬دولتين‭ ‬خليجيتين،‭ ‬ويستهدف‭ ‬أمن‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬إقليمية‭ ‬بالغة‭ ‬الحساسية‭.‬

إن‭ ‬أمن‭ ‬البحرين‭ ‬والكويت‭ ‬ليس‭ ‬شأنًا‭ ‬وطنيا‭ ‬منفصلًا‭ ‬عن‭ ‬محيطه‭ ‬الخليجي‭ ‬والعربي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬أصيل‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬أمن‭ ‬جماعي‭ ‬راسخة،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬وحدة‭ ‬المصير،‭ ‬وترابط‭ ‬المصالح،‭ ‬ورفض‭ ‬أي‭ ‬مساس‭ ‬بسيادة‭ ‬الدول‭ ‬واستقرار‭ ‬شعوبها‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬اعتداء‭ ‬يطال‭ ‬إحدى‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬هو‭ ‬تهديد‭ ‬مباشر‭ ‬للمنظومة‭ ‬بأكملها،‭ ‬ورسالة‭ ‬عدائية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬بمنطق‭ ‬التهوين‭ ‬أو‭ ‬الانتظار‭.‬

لقد‭ ‬أثبتت‭ ‬التجارب‭ ‬أن‭ ‬السياسة‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬اتجهت‭ ‬إلى‭ ‬صناعة‭ ‬الأزمات‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬احتوائها،‭ ‬وإلى‭ ‬اختبار‭ ‬حدود‭ ‬الصبر‭ ‬الإقليمي‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬احترام‭ ‬قواعد‭ ‬حسن‭ ‬الجوار‭. ‬وهذه‭ ‬المقاربة،‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬التصعيد‭ ‬والتهديد،‭ ‬لا‭ ‬تنتج‭ ‬أمنًا‭ ‬ولا‭ ‬تبني‭ ‬ثقة،‭ ‬بل‭ ‬تفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التوتر،‭ ‬وتزيد‭ ‬احتمالات‭ ‬الخطأ‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬وتعرض‭ ‬المدنيين‭ ‬والمنشآت‭ ‬الحيوية‭ ‬وممرات‭ ‬الملاحة‭ ‬والطاقة‭ ‬لمخاطر‭ ‬لا‭ ‬تتحملها‭ ‬المنطقة‭ ‬ولا‭ ‬العالم‭.‬

ومن‭ ‬زاوية‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات،‭ ‬فإن‭ ‬خطورة‭ ‬هذه‭ ‬الاعتداءات‭ ‬لا‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الفعل‭ ‬العسكري‭ ‬أو‭ ‬الأمني‭ ‬المباشر،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬آثارها‭ ‬السياسية‭ ‬والاستراتيجية‭. ‬فهي‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬استباقية‭ ‬أكثر‭ ‬صرامة،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الرصد‭ ‬المبكر‭ ‬للتهديدات،‭ ‬وتكامل‭ ‬القدرات‭ ‬الدفاعية،‭ ‬وتوحيد‭ ‬الخطاب‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬والإعلامي،‭ ‬وتوثيق‭ ‬الانتهاكات‭ ‬أمام‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬ألا‭ ‬يتحول‭ ‬الصمت‭ ‬أو‭ ‬التردد‭ ‬إلى‭ ‬فرصة‭ ‬جديدة‭ ‬للمعتدي‭.‬

إن‭ ‬البحرين‭ ‬والكويت،‭ ‬بما‭ ‬عُرف‭ ‬عنهما‭ ‬من‭ ‬حكمة‭ ‬واتزان‭ ‬والتزام‭ ‬بالشرعية‭ ‬الدولية،‭ ‬لم‭ ‬تكونا‭ ‬يومًا‭ ‬مصدر‭ ‬تصعيد‭ ‬أو‭ ‬تهديد‭. ‬بل‭ ‬ظلتا‭ ‬حاضرتين‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مسار‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬الحوار‭ ‬وخفض‭ ‬التوتر‭ ‬واحترام‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬الاعتداء‭ ‬عليهما‭ ‬يكشف‭ ‬مفارقة‭ ‬صارخة‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬الاستقرار‭ ‬والتنمية،‭ ‬ودولة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬أدوات‭ ‬الضغط‭ ‬والتهديد‭ ‬وتصدير‭ ‬الأزمات‭.‬

وليس‭ ‬المطلوب‭ ‬اليوم‭ ‬الاكتفاء‭ ‬ببيانات‭ ‬الإدانة،‭ ‬على‭ ‬أهميتها‭ ‬السياسية‭ ‬والمعنوية،‭ ‬بل‭ ‬بناء‭ ‬موقف‭ ‬خليجي‭ ‬وعربي‭ ‬ودولي‭ ‬واضح،‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬الفعل‭ ‬العدائي‭ ‬وتبعاته،‭ ‬ويؤكد‭ ‬أن‭ ‬سيادة‭ ‬الدول‭ ‬ليست‭ ‬مجالًا‭ ‬للمساومة،‭ ‬وأن‭ ‬أمن‭ ‬المدنيين‭ ‬والمنشآت‭ ‬الحيوية‭ ‬خط‭ ‬أحمر،‭ ‬وأن‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يُفعّل‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬يُستدعى‭ ‬عند‭ ‬الحاجة‭ ‬فقط‭. ‬فإدارة‭ ‬الأزمة‭ ‬الناجحة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬امتصاص‭ ‬الصدمة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬منع‭ ‬تكرارها،‭ ‬وتجفيف‭ ‬مصادرها،‭ ‬ورفع‭ ‬كلفة‭ ‬العدوان‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يمارسه‭.‬

إن‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬طهران‭ ‬بوضوح‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬حسن‭ ‬الجوار‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬بالتصريحات،‭ ‬بل‭ ‬بالأفعال؛‭ ‬وأن‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬ليس‭ ‬ساحة‭ ‬اختبار،‭ ‬ولا‭ ‬ورقة‭ ‬تفاوض،‭ ‬ولا‭ ‬مجالًا‭ ‬للمغامرات‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية‭. ‬فالدول‭ ‬المسؤولة‭ ‬تحترم‭ ‬حدود‭ ‬غيرها،‭ ‬وتفي‭ ‬بالتزاماتها،‭ ‬وتدرك‭ ‬أن‭ ‬العبث‭ ‬بأمن‭ ‬الجيران‭ ‬لا‭ ‬يصنع‭ ‬نفوذًا،‭ ‬بل‭ ‬يعمّق‭ ‬العزلة‭ ‬ويفقد‭ ‬الثقة‭.‬

ختامًا،‭ ‬فإن‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬البحرين‭ ‬والكويت‭ ‬تستوجب‭ ‬موقفًا‭ ‬حازمًا‭ ‬لا‭ ‬ينفصل‭ ‬عن‭ ‬الحكمة،‭ ‬وردعًا‭ ‬لا‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬الاتزان،‭ ‬ودبلوماسية‭ ‬نشطة‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بتسجيل‭ ‬المواقف‭. ‬فالخليج‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مقاربة‭ ‬أكثر‭ ‬صلابة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات،‭ ‬تُقدّم‭ ‬الوقاية‭ ‬على‭ ‬المعالجة،‭ ‬والتنسيق‭ ‬على‭ ‬الانفراد،‭ ‬والردع‭ ‬على‭ ‬الانتظار‭. ‬ومن‭ ‬لا‭ ‬يستحي‭ ‬من‭ ‬انتهاك‭ ‬سيادة‭ ‬جيرانه‭ ‬وترويع‭ ‬الآمنين،‭ ‬فليعلم‭ ‬أن‭ ‬صبر‭ ‬الدول‭ ‬ليس‭ ‬ضعفًا،‭ ‬وأن‭ ‬احترام‭ ‬القانون‭ ‬ليس‭ ‬عجزًا،‭ ‬وأن‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬سيبقى‭ ‬ثابتًا،‭ ‬عصيًا‭ ‬على‭ ‬العبث،‭ ‬ومحميًّا‭ ‬بوحدة‭ ‬الموقف‭ ‬وقوة‭ ‬الإرادة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا