لمن لا يعرف تعقيدات السياسة الإسرائيلية، يبدو التصويت بالإجماع (110-0) على حل الكنيست والذي أجري في يوم 20 مايو الماضي بمثابة الحدث الجلل. وإذا ما نظرنا ظاهريا إلى ما حدث فقد يبدو لنا أن أيام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وائتلافه من المتطرفين اليمينيين باتت معدودة، إلا أن الحقيقة أكثر تعقيداً بكثير من ذلك.
يرتبط الانهيار السياسي الحالي لإسرائيل بشكل أساسي بفشلها في التخلص من أشباح 7 أكتوبر 2023، عندما انهارت الدفاعات العسكرية للبلاد في ذلك اليوم، وتحولت إسرائيل من دولة ذات سمعة هائلة كقوة إقليمية عظمى لا تقهر إلى دولة محاصرة بجيش يعاني، وغير قادرة هيكليًّا على تحقيق نصر حاسم في حرب واحدة.
ومنذ بدء حرب الإبادة الجماعية المدمرة التي أشعل فتيلها بنيامين نتنياهو في قطاع غزة، لم تتمكن الحكومة الإسرائيلية ولا المؤسسة العسكرية من الإجابة عن سؤالين أساسيين وهما:
أولاً، كيف انهار ذلك الجيش الذي نصّب نفسه بنفسه في صورة «الجيش الذي لا يقهر» في غضون ساعات، تاركاً القيادة الجنوبية بأكملها - التي كانت مهمتها الوحيدة هي إبقاء سكان غزة محاصرين - في حالة فوضى عارمة؟
ثانياً، لماذا فشلت نفس الآلة العسكرية الممولة بكثافة في تحقيق نصر حاسم على الرغم من الدمار شبه الكامل لقطاع غزة والمذبحة غير المسبوقة التي راح ضحيتها جزء كبير من سكانه؟
ومما يزيد الأمر تعقيداً رفض بنيامين نتنياهو المرضي لإجراء أي تحقيق صادق لتحديد أسباب فشل أجهزة الاستخبارات في يوم 7 أكتوبر 2023 أو في السلوك اللاحق لحرب الإبادة في غزة.
وبدلاً من ذلك، ركز بنيامين نتنياهو بشكل كامل على احتواء الأضرار الداخلية وإدارة الصورة العامة، فعمل على تهميش أو فصل مسؤولي المخابرات أو كبار المسؤولين الذين عارضوا روايته. وبدلاً من اتباع استراتيجية خروج عملية، تعامل نتنياهو مع جهاز الدفاع كدرع للعلاقات العامة.
ونتيجة لذلك، بدأت أصوات المعارضة - بقيادة يائير لابيد وحزبه «يش عتيد» في البداية - تطالب باستقالة نتنياهو وإجراء انتخابات مبكرة. وما بدأ كتداعيات سياسية متوقعة سرعان ما تحول إلى حركة شعبية واسعة النطاق.
يستمر تراجع ثقة الشعب بالحكومة، حيث تُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة باستمرار أن غالبية الإسرائيليين يعتقدون أن نتنياهو يتصرف بدافع البقاء السياسي الشخصي وليس بدافع المصلحة الوطنية.
تشير البيانات إلى أنه إذا أجريت الانتخابات اليوم، فإن كتلته اليمينية ستتعرض لهزيمة كارثية على يد معارضة موحدة حديثًا - وهي بيشاد («معًا»)، القائمة الموحدة المشكلة حديثًا والتي أسسها نفتالي بينيت ويائير لابيد.
وهكذا، ولهذه الأسباب وغيرها، يعيش بنيامين نتنياهو، الذي بات إرثه كأطول رئيس وزراء في تاريخ إسرائيل يتسم بالفشل الاستراتيجي، أزمة شخصية وسياسية عميقة.
لم تخدم تصعيداته المتعمدة للصراع الإقليمي أي غرض عسكري واضح؛ بل أبرزت فقط يأسه، وحولت تعهداته الخطابية بـ«النصر الكامل» إلى محاولة جوفاء لمنع تحالفه من الانهيار.
في غضون ذلك، استغل وزير الأمن القومي المتطرف إيتامار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش الذي لا يقل عنه تطرفا ضعف بنيامين نتنياهو للترويج لأجنداتهما المتطرفة.
وانطلاقاً من رغبتهما في تسريع وتيرة التوسع الاستعماري الاستيطاني، فقد قاما بتسريع ضم الضفة الغربية، ودفعا بقوانين قاسية لإعدام السجناء الفلسطينيين، وشددا الحصار على القدس الشرقية المحتلة.
في الظروف العادية، كان من المفترض أن يؤدي حجم الضرر الداخلي والاقتصادي والدبلوماسي الهائل الذي أحدثه هذا التحالف إلى إزاحته من السلطة. ومع ذلك، نجا نتنياهو باستغلال الانقسامات الاجتماعية العميقة والاعتماد على دعم غير مشروط من واشنطن.
تعزز هذا الدرع الواقي بفضل ضعف المعارضة السياسية المتشرذمة في البداية، ومناخ الحرب الدائمة الذي سعى نتنياهو إلى خلقه لكبح جماح المعارضة. فحتى محاكمات الفساد التي خضع لها لم تُعرقل مسيرته المهنية؛ فقد حوّل مؤسسات الدولة إلى أدوات لضمان بقائه الشخصي.
لكن المفارقة النهائية للسياسة الإسرائيلية هي أن الضغط لم يأت من تزايد الخسائر أو العزلة الدولية، بل من التجنيد العسكري الإلزامي لليهود المتشددين، أو الحريديم.
لعقود من الزمن، اشتكى الإسرائيليون العلمانيون من الإعفاءات الواسعة من التجنيد الممنوحة لطلاب المدارس الدينية، لكن النخبة السياسية كانت تتجاهل الأمر بشكل روتيني باعتباره حربًا ثقافية ثانوية يمكن إدارتها من خلال صفقات سياسية سرية.
أدت حرب الاستنزاف الإسرائيلية الممتدة على جبهات متعددة إلى تحطيم ذلك التوازن تماماً، لتعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة لأن الجيش تناقص عدد أفراده وكثرت الضغوط التي تواجهه.
لقد انكشفت خطورة هذه الأزمة عندما خالف رئيس أركان الجيش، الفريق إيال زامير، الآراء بشكل صريح خلال اجتماع مغلق لمجلس الوزراء الأمني ليحذر من أن «جيش الدفاع الإسرائيلي سينهار على نفسه».
وبحسب ما ورد، فقد رفع زمير «عشرة أعلام حمراء» أمام القيادة السياسية، مصرحاً بصراحة أنه بعد أشهر من القتال المكثف عبر غزة والحدود الشمالية والمسارح الإقليمية، يواجه الجيش عجزاً فورياً وغير مستدام يزيد على 12000 جندي مقاتل.
ولأكثر من عامين، أرجأ نتنياهو صدور حكم قضائي بشأن التجنيد الإجباري للحريديم، لكن النكسات العسكرية المتزايدة، لا سيما على الجبهة اللبنانية، جعلت المزيد من التأجيلات مستحيلاً.
في الأثناء تسعى المعارضة السياسية إلى إجراء انتخابات بينما ينخرط بنيامين نتنياهو في مسرحية تشريعية، مستخدماً الموالين له والإجراءات البرلمانية لإبطاء العملية.
لكن هذه الدراما السياسية تعد ثانوية مقارنةً بالأزمة الأعمق. لا يمكن لأي مناورة ائتلافية أن تنقذ دولةً تواجه تدهورًا بنيويًّا. لن تلتئم صدوع إسرائيل ما لم تواجه السبب الجذري لأزمتها: الحملات العسكرية التي لا نهاية لها والتي لا يمكن كسبها والتي دمرت غزة والمنطقة بأسرها.
إن الأزمة التي تعصف بإسرائيل هي أزمة من صنع أيديها، ولن يتحقق سلام دائم حتى تنتهي جرائم الدولة المتجذرة والإبادة الجماعية المستمرة والحروب التي تشنها ضد الفلسطينيين والعالم العربي الأوسع.
{ أكاديمي وكاتب فلسطيني

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك