العدد : ١٧٦٠٩ - الثلاثاء ٠٩ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٩ - الثلاثاء ٠٩ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

الأساس القانوني لمطالبة دول الخليج بتعويضات عن الاعتداءات الإيرانية

بقلم: فضل عبد الغني {

الثلاثاء ٠٩ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

تفتح‭ ‬الهجمات‭ ‬العدوانية‭ ‬الإيرانية‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬بعد‭ ‬الضربات‭ ‬الأمريكية‭ - ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬باباً‭ ‬قانونياً‭ ‬لا‭ ‬يقلّ‭ ‬أهميةً‭ ‬عن‭ ‬البابين‭ ‬العسكري‭ ‬والسياسي‭. ‬فحين‭ ‬تُصاب‭ ‬مطارات‭ ‬ومحطّات‭ ‬مياه‭ ‬ومنشآت‭ ‬نفطية‭ ‬وأعيان‭ ‬مدنية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬أعلنت‭ ‬أنّها‭ ‬ليست‭ ‬طرفاً‭ ‬في‭ ‬النزاع،‭ ‬يبرز‭ ‬السؤال‭: ‬هل‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬الإدانة‭ ‬السياسية،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬أساسا‭ ‬قانونيا‭ ‬متينا‭ ‬يخوّل‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬المطالبة‭ ‬بجبر‭ ‬الضرر؟

ينتقل‭ ‬الكاتب‭ ‬هنا‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬السجال‭ ‬العام‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬التكييف‭ ‬القانوني‭ ‬الدقيق،‭ ‬بربط‭ ‬الوقائع‭ ‬بحظر‭ ‬استخدام‭ ‬القوة،‭ ‬وقواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني،‭ ‬ومبادئ‭ ‬مسؤولية‭ ‬الدولة‭ ‬عن‭ ‬الأفعال‭ ‬غير‭ ‬المشروعة‭ ‬دولياً،‭ ‬ثم‭ ‬يفحص‭ ‬الذرائع‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تُثار‭ ‬لتبرير‭ ‬الهجمات،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬العقدة‭ ‬الأصعب‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬إنفاذ‭ ‬الحقّ‭ ‬في‭ ‬التعويض‭ ‬أمام‭ ‬التعقيدات‭ ‬القضائية‭ ‬والسياسية‭ ‬القائمة؟

وقد‭ ‬دفعت‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬النزاع‭ ‬الذي‭ ‬تفجّر‭ ‬عقب‭ ‬الضربات‭ ‬الأمريكية‭ - ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬نحو‭ ‬مرحلة‭ ‬إقليمية‭ ‬أكثر‭ ‬اتساعاً‭ ‬وتعقيداً‭. ‬وفي‭ ‬ظلّ‭ ‬الأضرار‭ ‬التي‭ ‬لحقت‭ ‬بأعيان‭ ‬مدنية‭ ‬وبنية‭ ‬تحتية‭ ‬حيوية،‭ ‬يبرز‭ ‬هنا‭ ‬سؤال‭ ‬التعويض‭: ‬هل‭ ‬تملك‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬أساساً‭ ‬للمطالبة‭ ‬بالتعويض‭ ‬بموجب‭ ‬القانون‭ ‬الدولي؟

تستند‭ ‬المطالبات‭ ‬القانونية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تتقدّم‭ ‬بها‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬طلباً‭ ‬للتعويض‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬تلاقي‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬القواعد‭ ‬الراسخة‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬وفي‭ ‬مقدّمتها‭ ‬حظر‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬المنصوص‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬المادة‭ ‬2‭ (‬4‭) ‬من‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وقواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬العرفي،‭ ‬وإطار‭ ‬مسؤولية‭ ‬الدولة‭ ‬كما‭ ‬صاغته‭ ‬مواد‭ ‬لجنة‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬بشأن‭ ‬مسؤولية‭ ‬الدول‭ ‬عن‭ ‬الأفعال‭ ‬غير‭ ‬المشروعة‭ ‬دولياً‭ ‬لعام‭ ‬2001‭. ‬ويوفّر‭ ‬استهداف‭ ‬إيران‭ ‬للبنية‭ ‬التحتية‭ ‬المدنية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المطارات‭ ‬ومحطّات‭ ‬المياه‭ ‬ومصافي‭ ‬النفط،‭ ‬أساساً‭ ‬قانونياً‭ ‬متيناً‭ ‬للمطالبة‭ ‬بجبر‭ ‬كامل‭ ‬للضرر،‭ ‬يشمل‭ ‬الردّ‭ ‬والتعويض‭ ‬والترضية‭. ‬ولا‭ ‬تكمن‭ ‬الصعوبة‭ ‬الرئيسة‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬الموضوعي‭ ‬للمطالبة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬بنيتها‭ ‬الإجرائية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬إثبات‭ ‬الاختصاص‭ ‬القضائي،‭ ‬وإنفاذ‭ ‬أيّ‭ ‬حكم‭ ‬يصدر‭ ‬ضدّ‭ ‬دولة‭ ‬لم‭ ‬تقبل‭ ‬الاختصاص‭ ‬الإلزامي‭ ‬لمحكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية،‭ ‬ويخضع‭ ‬اقتصادها‭ ‬أصلاً‭ ‬لقيود‭ ‬واسعة‭ ‬بفعل‭ ‬العقوبات‭.‬

ويندرج‭ ‬السلوك‭ ‬الإيراني‭ ‬ضمن‭ ‬تعريف‭ ‬العدوان‭ ‬الوارد‭ ‬في‭ ‬قرار‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬رقم‭ ‬3314‭ ‬لعام‭ ‬1974،‭ ‬الذي‭ ‬يعدّ‭ ‬قصف‭ ‬إقليم‭ ‬دولة‭ ‬أخرى‭ ‬عملاً‭ ‬عدوانياً‭ ‬بموجب‭ ‬المادة‭ ‬3‭ (‬ب‭) ‬و3‭ (‬د‭). ‬كما‭ ‬تتعارض‭ ‬هذه‭ ‬الهجمات‭ ‬مع‭ ‬المبادئ‭ ‬الأساسية‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬المتعلّقة‭ ‬بالتمييز‭ ‬والتناسب،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬قواعد‭ ‬اللجنة‭ ‬الدولية‭ ‬للصليب‭ ‬الأحمر‭ ‬العرفية‭ ‬ذات‭ ‬الصلة،‭ ‬لأنَّ‭ ‬المنشآت‭ ‬المستهدَفة‭ ‬كانت‭ ‬تخدم‭ ‬سكّاناً‭ ‬مدنيين‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬ليست‭ ‬أطرافاً‭ ‬في‭ ‬النزاع‭ ‬المسلّح‭.‬

وقد‭ ‬طرحت‭ ‬طهران‭ ‬مبرِّرات،‭ ‬لا‭ ‬يصمد‭ ‬أيّ‭ ‬منها‭ ‬أمام‭ ‬الفحص‭ ‬الدقيق‭: ‬الأول،‭ ‬التذرّع‭ ‬بالدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬بموجب‭ ‬المادة‭ ‬51‭ ‬من‭ ‬الميثاق،‭ ‬وهو‭ ‬دفع‭ ‬غير‭ ‬قائم‭ ‬قانوناً،‭ ‬لأنَّ‭ ‬حقّ‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬لا‭ ‬يجيز‭ ‬شنّ‭ ‬هجمات‭ ‬على‭ ‬دولٍ‭ ‬لم‭ ‬تشارك‭ ‬في‭ ‬الهجوم‭ ‬المسلّح‭ ‬المدَّعى‭ ‬به‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬لا‭ ‬سيّما‭ ‬أنَّ‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬أعلنت‭ ‬صراحةً‭ ‬قبل‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬أنَّ‭ ‬أراضيها‭ ‬لن‭ ‬تُستخدم‭ ‬في‭ ‬شنّ‭ ‬ضربات‭ ‬ضدّها‭.‬

يندرج‭ ‬السلوك‭ ‬الإيراني‭ ‬ضمن‭ ‬تعريف‭ ‬العدوان‭ ‬الوارد‭ ‬في‭ ‬قرار‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬رقم‭ ‬3314‭ ‬لعام‭ ‬1974،‭ ‬الذي‭ ‬يعدّ‭ ‬قصف‭ ‬إقليم‭ ‬دولة‭ ‬أخرى‭ ‬عملاً‭ ‬عدوانياً‭ ‬بموجب‭ ‬المادة‭ ‬3‭ (‬ب‭) ‬و3‭ (‬د‭).‬

‭ ‬ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أنَّ‭ ‬ما‭ ‬تحدّث‭ ‬عنه‭ ‬الرئيس‭ ‬الإيراني‭ ‬من‭ ‬اعتذار‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬المجاورة‭ ‬خلال‭ ‬النزاع‭ ‬فيمكن‭ ‬فهمه‭ ‬بوصفه‭ ‬إقراراً‭ ‬ضمنياً‭ ‬بغياب‭ ‬المبرِّر‭ ‬القانوني‭ ‬للهجمات،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يناقض‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬لاحقاً‭ ‬تصريح‭ ‬رئيس‭ ‬السلطة‭ ‬القضائية‭ ‬باستمرار‭ ‬الضربات‭.‬

ويحدّد‭ ‬إطار‭ ‬مسؤولية‭ ‬الدولة،‭ ‬كما‭ ‬صاغته‭ ‬مواد‭ ‬لجنة‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬مضمون‭ ‬التعويضات‭ ‬الممكن‭ ‬المطالبة‭ ‬بها‭. ‬فالمادة‭ ‬31‭ ‬تقرّر‭ ‬التزام‭ ‬الدولة‭ ‬المسؤولة‭ ‬بجبر‭ ‬الضرر‭ ‬كاملاً‭ ‬عن‭ ‬الفعل‭ ‬غير‭ ‬المشروع‭ ‬دولياً،‭ ‬بما‭ ‬يشمل‭ ‬صراحة‭ ‬الضررَين‭ ‬المادي‭ ‬والمعنوي‭. ‬وتبيّن‭ ‬المادة‭ ‬34‭ ‬أنَّ‭ ‬صور‭ ‬الجبر‭ ‬ثلاث‭: ‬الردّ،‭ ‬والتعويض،‭ ‬والترضية‭. ‬ويظل‭ ‬المعيار‭ ‬الحاكم‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬قررته‭ ‬المحكمة‭ ‬الدائمة‭ ‬للعدل‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬مصنع‭ ‬تشورزوف‭ ‬بين‭ ‬ألمانيا‭ ‬وبولندا،‭ ‬من‭ ‬أنَّ‭ ‬الجبر‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يزيل‭ ‬جميع‭ ‬آثار‭ ‬الفعل‭ ‬غير‭ ‬المشروع‭ ‬وأن‭ ‬يعيد‭ ‬الوضع،‭ ‬قدر‭ ‬الإمكان،‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬لولا‭ ‬ارتكاب‭ ‬ذلك‭ ‬الفعل‭. ‬وقد‭ ‬أعادت‭ ‬محكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‭ ‬تأكيد‭ ‬هذا‭ ‬المبدأ‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬الكونجو‭ ‬الديمقراطية‭ ‬ضدّ‭ ‬أوغندا‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬التعويضات،‭ ‬مع‭ ‬إقرارها‭ ‬بأنَّ‭ ‬القدرة‭ ‬المالية‭ ‬للدولة‭ ‬المسؤولة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬عنصراً‭ ‬ذا‭ ‬صلة‭ ‬عند‭ ‬تقدير‭ ‬مقدار‭ ‬التعويض‭.‬

ويقتضي‭ ‬الرد،‭ ‬وفق‭ ‬المادة‭ ‬35،‭ ‬إعادة‭ ‬الحال‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬قبل‭ ‬وقوع‭ ‬الانتهاك‭. ‬وإذا‭ ‬تعذّر‭ ‬الردّ‭ ‬العيني‭ ‬بالمعنى‭ ‬الحرفي‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬المدمّرة،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الالتزام‭ ‬يمتدّ‭ ‬إلى‭ ‬تمويل‭ ‬إعادة‭ ‬البناء‭ ‬الوظيفي‭ ‬الكامل،‭ ‬ويُعدّ‭ ‬هذا‭ ‬بمثابة‭ ‬ما‭ ‬تشير‭ ‬إليه‭ ‬بعض‭ ‬التطبيقات‭ ‬القضائية‭ ‬أحياناً‭ ‬بصيغة‭ ‬التعويض‭ ‬العيني‭ ‬المحدّد‭. ‬ويشمل‭ ‬هذا‭ ‬تكاليف‭ ‬إعادة‭ ‬إعمار‭ ‬المطارات‭ ‬ومنشآت‭ ‬الغاز‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬النفطية‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬يعيد‭ ‬إليها‭ ‬قدرتها‭ ‬التشغيلية‭ ‬السابقة‭.‬

‭ ‬أمّا‭ ‬التعويض،‭ ‬بموجب‭ ‬المادة‭ ‬36،‭ ‬فيغطّي‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يجبره‭ ‬الردّ‭. ‬وتشمل‭ ‬عناصره‭ ‬تكلفة‭ ‬إعادة‭ ‬البناء‭ ‬المادي،‭ ‬والخسائر‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬تراجع‭ ‬إنتاج‭ ‬النفط‭ ‬وعائدات‭ ‬التصدير،‭ ‬وهي‭ ‬خسائر‭ ‬يمكن‭ ‬تقديرها‭ ‬بالاستناد‭ ‬إلى‭ ‬معدّلات‭ ‬الإنتاج‭ ‬قبل‭ ‬الهجوم‭ ‬والأسعار‭ ‬السائدة،‭ ‬وكذلك‭ ‬النفقات‭ ‬العسكرية‭ ‬وتكاليف‭ ‬الاستجابة‭ ‬الطارئة‭ ‬خلال‭ ‬الهجمات،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬الخسائر‭ ‬التي‭ ‬تكبّدها‭ ‬المستثمرون‭ ‬والمشغّلون‭ ‬من‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬في‭ ‬المنشآت‭ ‬المتضرِّرة‭.‬

‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬معيار‭ ‬مصنع‭ ‬تشورزوف‭ ‬يقتضي،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المبدأ،‭ ‬تعويض‭ ‬الأرباح‭ ‬الفائتة‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬التدمير‭ ‬إلى‭ ‬حين‭ ‬صدور‭ ‬الحكم‭ ‬متى‭ ‬أمكن‭ ‬إثباتها‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬كاف‭. ‬وقد‭ ‬اعتمدت‭ ‬محكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬الكونجو‭ ‬ضدّ‭ ‬أوغندا‭ ‬منهجية‭ ‬المبلغ‭ ‬الإجمالي‭ ‬بسبب‭ ‬اتساع‭ ‬نطاق‭ ‬الدمار‭ ‬وصعوبة‭ ‬الإثبات‭ ‬التفصيلي،‭ ‬ومنحت‭ ‬40‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬عن‭ ‬أضرار‭ ‬الممتلكات‭ ‬وحدها‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬أضيق‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬السياق‭ ‬محلّ‭ ‬البحث‭ ‬هنا‭.‬

أما‭ ‬الترضية،‭ ‬وفق‭ ‬المادة‭ ‬37،‭ ‬فتتناول‭ ‬الضرر‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬لجبره‭ ‬الردّ‭ ‬أو‭ ‬التعويض‭ ‬المالي‭ ‬وحدهما‭. ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬تشمل‭ ‬اعتذاراً‭ ‬رسمياً،‭ ‬وإقراراً‭ ‬صريحاً‭ ‬بوقوع‭ ‬الانتهاك،‭ ‬وتأكيدات‭ ‬وضمانات‭ ‬بعدم‭ ‬التكرار،‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬المتصل‭ ‬أيضاً‭ ‬بالالتزامات‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬المادة‭ ‬30‭ ‬بشأن‭ ‬الكفّ‭ ‬عن‭ ‬الفعل‭ ‬غير‭ ‬المشروع‭ ‬وتقديم‭ ‬ضمانات‭ ‬بعدم‭ ‬تكراره‭ ‬حيثما‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬مناسباً‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬أيّ‭ ‬اعتذار‭ ‬صدر‭ ‬عن‭ ‬الرئيس‭ ‬الإيراني،‭ ‬ثم‭ ‬يتناقض‭ ‬لاحقاً‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬الهجمات،‭ ‬لا‭ ‬يفي‭ ‬بالمتطلّبات‭ ‬القانونية‭ ‬للترضية،‭ ‬التي‭ ‬تستلزم‭ ‬موقفاً‭ ‬رسمياً‭ ‬واضحاً‭ ‬ومؤسّسياً‭. ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬الأضرار‭ ‬المعنوية‭ ‬التي‭ ‬تصيب‭ ‬السكان‭ ‬المدنيين،‭ ‬مثل‭ ‬الخوف‭ ‬والنزوح‭ ‬والأذى‭ ‬النفسي،‭ ‬تظلّ‭ ‬قابلة‭ ‬للجبر‭ ‬بموجب‭ ‬المادة‭ ‬31‭.‬

 

الاختصاص‭ ‬القضائي

التحدي‭ ‬الأهم‭ ‬مسألة‭ ‬الاختصاص‭ ‬القضائي،‭ ‬فإيران‭ ‬لم‭ ‬تصدر‭ ‬إعلاناً‭ ‬بقبول‭ ‬الاختصاص‭ ‬الإلزامي‭ ‬لمحكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‭ ‬وفق‭ ‬المادة‭ ‬36‭ (‬2‭) ‬من‭ ‬نظامها‭ ‬الأساسي‭. ‬وتوجد‭ ‬مسارات‭ ‬بديلة،‭ ‬لكنَّها‭ ‬جميعاً‭ ‬محدودة‭. ‬فقد‭ ‬تتيح‭ ‬بعض‭ ‬شروط‭ ‬التسوية‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬معاهدات‭ ‬ثنائية‭ ‬أو‭ ‬متعدّدة‭ ‬الأطراف،‭ ‬مثل‭ ‬اتفاقات‭ ‬الطيران‭ ‬المدني‭ ‬أو‭ ‬الشؤون‭ ‬البحرية‭ ‬أو‭ ‬العلاقات‭ ‬القنصلية،‭ ‬منافذ‭ ‬قانونية‭ ‬جزئية‭.‬

أمّا‭ ‬الاتفاق‭ ‬الخاص‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬على‭ ‬عرض‭ ‬النزاع‭ ‬على‭ ‬المحكمة،‭ ‬فيبقى‭ ‬ممكناً‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬النظرية،‭ ‬لكنَّه‭ ‬يبدو‭ ‬غير‭ ‬واقعي‭ ‬سياسياً‭ ‬في‭ ‬الظروف‭ ‬الراهنة‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬الآلية‭ ‬الأجدر‭ ‬عملياً‭ ‬إنشاء‭ ‬لجنة‭ ‬مطالبات‭ ‬خاصّة‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬لجنة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬للتعويضات‭ ‬التي‭ ‬أُنشئت‭ ‬عقب‭ ‬غزو‭ ‬العراق‭ ‬الكويت‭ ‬عام‭ ‬1990‭. ‬فقد‭ ‬منحت‭ ‬تلك‭ ‬اللجنة،‭ ‬المنشأة‭ ‬بقرار‭ ‬من‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬بموجب‭ ‬الفصل‭ ‬السابع،‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬52‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬من‭ ‬التعويضات،‭ ‬وطوّرت‭ ‬منهجيةً‭ ‬عمليةً‭ ‬لتصنيف‭ ‬المطالبات‭ ‬بحسب‭ ‬أنواعها،‭ ‬وتحديد‭ ‬فئات‭ ‬الخسائر،‭ ‬واعتماد‭ ‬قرائن‭ ‬إثباتية‭ ‬ملائمة،‭ ‬وهي‭ ‬عناصر‭ ‬يمكن‭ ‬تكييفها‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬حالة‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭. ‬إنَّ‭ ‬صدور‭ ‬قرار‭ ‬بموجب‭ ‬الفصل‭ ‬السابع‭ ‬لإنشاء‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الآلية،‭ ‬لا‭ ‬سيّما‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬الإدانة‭ ‬الدولية‭ ‬الواسعة‭ ‬لهجمات‭ ‬إيران،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يوفّر‭ ‬مساراً‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تجميد‭ ‬الأصول‭ ‬الإيرانية‭ ‬أو‭ ‬تخصيصها‭ ‬لتمويل‭ ‬آلية‭ ‬التعويض‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يسدّ‭ ‬فجوة‭ ‬الإنفاذ‭ ‬التي‭ ‬يعجز‭ ‬الحكم‭ ‬القضائي‭ ‬التقليدي،‭ ‬المعتمد‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬على‭ ‬الامتثال‭ ‬الطوعي،‭ ‬عن‭ ‬معالجتها‭ ‬وحده‭.‬

من‭ ‬حيث‭ ‬الإثبات،‭ ‬يمكن‭ ‬إدارة‭ ‬عبء‭ ‬الإثبات‭ ‬وفق‭ ‬المعايير‭ ‬التي‭ ‬اعتمدتها‭ ‬محكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‭ ‬حديثاً‭. ‬ولذلك‭ ‬ينبغي‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬بتوثيق‭ ‬الأضرار‭ ‬بصورة‭ ‬منهجية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬صور‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية،‭ ‬والتقييمات‭ ‬الهندسية،‭ ‬وتحليل‭ ‬الإيرادات‭ ‬المفقودة،‭ ‬وبيانات‭ ‬الوفيات‭ ‬والإصابات،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬تلبية‭ ‬متطلّبات‭ ‬الإثبات‭ ‬أمام‭ ‬أيّ‭ ‬هيئة‭ ‬قضائية‭ ‬أو‭ ‬شبه‭ ‬قضائية‭ ‬مستقبلية،‭ ‬ويعزّز‭ ‬كذلك‭ ‬موقعها‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬مفاوضات‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬دبلوماسية‭. ‬أمّا‭ ‬خيار‭ ‬التسوية‭ ‬بمبلغ‭ ‬إجمالي‭ ‬عبر‭ ‬المفاوضات‭ ‬الثنائية،‭ ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنَّه‭ ‬يضحّي‭ ‬بجزء‭ ‬من‭ ‬الدقة‭ ‬القانونية‭ ‬لعناصر‭ ‬المطالبة،‭ ‬قد‭ ‬يوفّر‭ ‬حلاً‭ ‬عملياً،‭ ‬وقد‭ ‬استُخدم‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬منازعات‭ ‬تعويض‭ ‬تاريخية‭ ‬بين‭ ‬الدول‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬الأساس‭ ‬الموضوعي‭ ‬لمطالبات‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬بالتعويض‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬لا‭ ‬يواجه‭ ‬عقبةً‭ ‬جديةً‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التكييف‭ ‬القانوني‭. ‬فالمطالبة‭ ‬مستندة‭ ‬إلى‭ ‬حظر‭ ‬استخدام‭ ‬القوة،‭ ‬وحماية‭ ‬الأعيان‭ ‬المدنية‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬العرفي،‭ ‬وقواعد‭ ‬مسؤولية‭ ‬الدولة‭ ‬عن‭ ‬الأفعال‭ ‬غير‭ ‬المشروعة‭ ‬دولياً‭.‬

‭ ‬ويبقى‭ ‬الإشكال‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬الوسيلة‭ ‬المؤسّسية‭ ‬للفصل‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المطالبات‭ ‬وإنفاذها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬دولة‭ ‬ترفض‭ ‬الخضوع‭ ‬للاختصاص‭ ‬القضائي‭ ‬الإلزامي‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يبدو‭ ‬إنشاء‭ ‬لجنة‭ ‬مطالبات‭ ‬خاصّة‭ ‬بتفويض‭ ‬من‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬مستلهَمةً‭ ‬من‭ ‬سابقة‭ ‬لجنة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬للتعويضات،‭ ‬هو‭ ‬المسار‭ ‬الأكثر‭ ‬ملاءمة،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬مرهوناً‭ ‬بتوافق‭ ‬سياسي‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬قد‭ ‬يعرقله‭ ‬حقّ‭ ‬النقض‭ (‬الفيتو‭).‬

لا‭ ‬ينبغي‭ ‬لانتظار‭ ‬هذا‭ ‬التوافق‭ ‬أن‭ ‬يعطّل‭ ‬الخطوات‭ ‬التحضيرية‭. ‬فعلى‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬أن‭ ‬تبادر‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬آلية‭ ‬توثيق‭ ‬مشتركة‭ ‬تجمع‭ ‬الأدلة‭ ‬وتصنّفها‭ ‬وفق‭ ‬معايير‭ ‬مقبولة‭ ‬قضائياً،‭ ‬لأنّ‭ ‬تأخّر‭ ‬التوثيق‭ ‬يُضعف‭ ‬القيمة‭ ‬الإثباتية‭ ‬للأدلة‭ ‬ويُعقّد‭ ‬أي‭ ‬مطالبة‭ ‬لاحقة‭. ‬كما‭ ‬ينبغي‭ ‬لها‭ ‬استكشاف‭ ‬المنافذ‭ ‬القضائية‭ ‬الجزئية‭ ‬المتاحة‭ ‬عبر‭ ‬شروط‭ ‬تسوية‭ ‬النزاعات‭ ‬في‭ ‬معاهدات‭ ‬متعدّدة‭ ‬الأطراف‭ ‬تكون‭ ‬إيران‭ ‬طرفاً‭ ‬فيها،‭ ‬وربط‭ ‬ملفّ‭ ‬التعويضات‭ ‬بمسار‭ ‬العقوبات‭ ‬بحيث‭ ‬يُدرج‭ ‬تخصيص‭ ‬الأصول‭ ‬الإيرانية‭ ‬المجمّدة‭ ‬ضمن‭ ‬شروط‭ ‬أيّ‭ ‬تخفيف‭ ‬مستقبلي‭ ‬لها‭. ‬إن‭ ‬بناء‭ ‬ملف‭ ‬قانوني‭ ‬وتوثيقي‭ ‬متكامل‭ ‬منذ‭ ‬الآن‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يحوّل‭ ‬الحقّ‭ ‬القانوني‭ ‬من‭ ‬حجّة‭ ‬نظرية‭ ‬إلى‭ ‬موقف‭ ‬تفاوضي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزه‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬ترتيب‭ ‬إقليمي‭ ‬مقبل‭.‬

 

{ كاتب‭ ‬وناشط‭ ‬حقوقي‭ ‬من‭ ‬سوريا

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا