العدد : ١٧٦١٠ - الأربعاء ١٠ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦١٠ - الأربعاء ١٠ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

الفيلسوف الفرنسي الراحل «إدجار موران» ورؤيته للنظام العالمي

بقلم: د. عصام عبدالفتاح {

الأربعاء ١٠ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬الموافق‭ ‬29‭ ‬مايو،‭ ‬رحل‭ ‬عن‭ ‬عمر‭ ‬ناهز‭ ‬104‭ ‬أعوام‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬والفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬إدجار‭ ‬موران،‭ ‬أحد‭ ‬آخر‭ ‬المفكرين‭ ‬العمالقة‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يكتفوا‭ ‬بتفسير‭ ‬العالم،‭ ‬بل‭ ‬سعوا‭ ‬إلى‭ ‬تعليم‭ ‬الإنسانية‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬الطريقة‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تفكر‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭.‬

برحيله،‭ ‬لم‭ ‬تفقد‭ ‬الإنسانية‭ ‬مجرد‭ ‬أكاديمي‭ ‬مرموق‭ ‬أو‭ ‬فيلسوف‭ ‬موسوعي‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬فقدت‭ ‬شاهدًا‭ ‬حيًّا‭ ‬على‭ ‬قرن‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬التحولات‭ ‬العميقة‭ ‬والحروب‭ ‬والانهيارات‭ ‬والأوهام‭ ‬الجماعية‭ ‬والتساؤلات‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكف‭ ‬يومًا‭ ‬عن‭ ‬ملاحقة‭ ‬الإنسان‭ ‬الحديث‭.‬

ورغم‭ ‬عمر‭ ‬موران‭ ‬المديد‭ ‬فقد‭ ‬ظل‭ ‬حتى‭ ‬لحظة‭ ‬مماته‭ ‬حائرًا‭ ‬متسائلًا‭ ‬بتواضعه‭ ‬الجم‭ ‬أمام‭ ‬تعقيد‭ ‬العالم‭ ‬وتشابكاته‭. ‬فكيف‭ ‬فهمه؟

لئن‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬النعت‭ ‬المشتق‭ ‬من‭ ‬‮«‬التعقيد‭ ‬والتركيب‮»‬‭ ‬عندما‭ ‬نصف‭ ‬الأشياء‭ ‬المحيطة‭ ‬بنا‭ ‬فنقول‭: ‬‮«‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬مركبة‭ ‬ومعقدة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬هذه‭ ‬الآلة‭ ‬معقدة‮»‬‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬الصعوبة‭ ‬الإحاطة‭ ‬بالدلالات‭ ‬الفلسفية‭ ‬والابستمولوجية‭ ‬لفكرة‭ ‬‮«‬التعقيد‮»‬‭ ‬في‭ ‬ذاتها‭.‬

تلك‭ ‬هي‭ ‬الإشكالية‭ ‬الجوهرية‭ ‬التي‭ ‬كرس‭ ‬لها‭ ‬إدجار‭ ‬موران‭ ‬مقالاته‭ ‬ومؤلفاته‭ ‬وأحاديثه‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تأسيس‭ ‬نظريته‭ ‬الفلسفية‭ ‬حولها‭. ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يكاد‭ ‬يخلو‭ ‬حديث‭ ‬له‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬التعقيد‭ ‬عند‭ ‬تناوله‭ ‬أنظمة‭ ‬الواقع‭ ‬وكائناته‭ ‬الحية‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬نظرية‭ ‬‮«‬التعقيد‮»‬‭ ‬لموران‭ ‬هي‭ ‬أشبه‭ ‬بعمارة‭ ‬فلسفية‭ ‬شاهقة‭ ‬تفوق‭ ‬ناطحات‭ ‬السحاب‭ ‬علوًّا‭. ‬يفرق‭ ‬موران‭ ‬في‭ ‬نظريته‭ ‬بين‭ ‬نوعين‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬نوع‭ ‬اختزالي‭ ‬أحادي‭ ‬ونوع‭ ‬شامل‭ ‬مركب‭. ‬النوع‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يهيمن‭ ‬تقريبًا‭ ‬على‭ ‬ذهنية‭ ‬الغالبية‭ ‬العظمى‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬وفيه‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬لقد‭ ‬اعتدنا‭ ‬على‭ ‬تجزئة‭ ‬الواقع‭ ‬إلى‭ ‬شظايا،‭ ‬بحيث‭ ‬ندرس‭ ‬كل‭ ‬جزء‭ ‬منه‭ ‬على‭ ‬حدة‭ ‬وفق‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬تقسيم‭ ‬العمل‭ ‬العلمي‮»‬‭.‬

‭ ‬وقد‭ ‬أتاح‭ ‬لنا‭ ‬ذلك‭ ‬فهم‭ ‬بعض‭ ‬جوانب‭ ‬الواقع‭ ‬بصورة‭ ‬أفضل،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يمكّنا‭ ‬من‭ ‬فهم‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬اشتغاله‭ ‬ككلّ‭ ‬متكامل‭. ‬إن‭ ‬مشكلتنا‭ ‬الحقيقية‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أننا‭ ‬تعلّمنا‭ ‬الفصل‭ ‬بإتقان‭ ‬مفرط‭ ‬بين‭ ‬شرائح‭ ‬الواقع‭ ‬والأجدر‭ ‬بنا‭ ‬لكي‭ ‬نفهمه‭ ‬أن‭ ‬نتعلّم‭ ‬الربط‭ ‬بينها،‭ ‬والربط‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬مجرد‭ ‬وصل‭ ‬الأشياء‭ ‬بعضها‭ ‬ببعض،‭ ‬بل‭ ‬إقامة‭ ‬علاقة‭ ‬دائرية‭ ‬تفاعلية‭ ‬بينها‭. ‬ثم‭ ‬يضيف‭ ‬موران‭ ‬ملاحظة‭ ‬مهمة‭ ‬بقوله‭: ‬‮«‬اعتاد‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬يفسر‭ ‬ظواهر‭ ‬الواقع‭ ‬وفق‭ ‬مبدأ‭ ‬السببية‭ ‬الحتمية‭ ‬وتوهم‭ ‬بذلك‭ ‬أنه‭ ‬فهمه‭ ‬لكن‭ ‬الواقع‭ ‬مختلف‭ ‬تمامًا‭ ‬عن‭ ‬تصوره‭ ‬له‭ ‬فهو‭ ‬واقع‭ ‬مركب‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فهمه‭ ‬بمنهج‭ ‬أحادي‭ ‬اختزالي‮»‬‭. ‬وإنما‭ ‬يلزمه‭ ‬منهج‭ ‬خاص‭ ‬يتفق‭ ‬مع‭ ‬طبيعته‭ ‬المركبة‭ ‬والعلاقات‭ ‬المتشابكة‭ ‬بين‭ ‬أجزائه‭ ‬والربط‭ ‬بينها‭ ‬في‭ ‬معرفة‭ ‬موحدة‭ ‬وماذا‭ ‬عساه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المنهج‭ ‬الأمثل‭ ‬لفهم‭ ‬الواقع‭ ‬المركب؟

ثمة‭ ‬مبادئ‭ ‬أساسية‭ ‬عند‭ ‬موران‭ ‬ينبغي‭ ‬الأخذ‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬الواقع‭. ‬المبدأ‭ ‬الأول‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬تفكيرنا‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬نظام‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬نظرة‭ ‬كلية‭ ‬له‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نتطرق‭ ‬لأجزائه‭. ‬فإذا‭ ‬فكرنا‭ ‬مثلًا‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬كنظام‭ ‬علينا‭ ‬دراسته‭ ‬بوصفه‭ ‬كذلك‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ندرس‭ ‬خصائص‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬حدة‭ ‬مع‭ ‬ملاحظة‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬سيضطر‭ ‬إلى‭ ‬كبح‭ ‬وتعطيل‭ ‬بعض‭ ‬خصائصه‭ ‬الذاتية‭ ‬بسبب‭ ‬اندماجه‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المجتمعي،‭ ‬ومعنى‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الأفراد‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬يصنعون‭ ‬مجتمعهم،‭ ‬فالمجتمع‭ ‬بدوره‭ ‬ينتج‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأفراد‭ ‬ويؤنسنهم‭.‬

ويعلق‭ ‬موران‭ ‬على‭ ‬المبدأ‭ ‬بقوله‭: ‬‮«‬إن‭ ‬بعض‭ ‬خصائص‭ ‬الأجزاء‭ (‬الأفراد‭) ‬قد‭ ‬تكبح‭ ‬وتتعطل‭ ‬بفعل‭ ‬منظومة‭ ‬الكل‭ ‬ومقتضياته‭ ‬ولكن‭ ‬يظل‭ ‬الكل‭ (‬المجتمع‭) ‬حاضرًا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬أجزائه‮»‬‭.‬

أما‭ ‬المبدأ‭ ‬الثاني‭ ‬فيقول‭ ‬إن‭ ‬الكائنات‭ ‬الحية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التنظيم‭ ‬الذاتي‭ ‬لنفسها‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬فيها‭ ‬فهي‭ ‬بمثابة‭ ‬أنظمة‭ ‬‮«‬تنتج‭ ‬ذاتها‭ ‬بنفسها،‭ ‬لكنها‭ ‬تستهلك‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬طاقتها‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬سعيها‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬استقلاليتها‭ ‬ولذلك‭ ‬فهي‭ ‬تضطر‭ ‬اضطرارًا‭ ‬إلى‭ ‬استمداد‭ ‬الطاقة‭ ‬من‭ ‬بيئتها‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬عليها‭ ‬لكي‭ ‬تكون‭ ‬مستقلة‭ ‬وهنا‭ ‬تبدو‭ ‬المفارقة‭.‬

‭ ‬لأن‭ ‬كل‭ ‬كائن‭ ‬ينزع‭ ‬إلى‭ ‬الاستقلال‭ ‬بذاته‭ ‬ولكي‭ ‬لا‭ ‬تنفد‭ ‬طاقته‭ ‬يلجأ‭ ‬إلى‭ ‬البيئة‭ ‬التي‭ ‬يريد‭ ‬الاستقلال‭ ‬عنها‭ ‬لكي‭ ‬يستمد‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬يحتاجه‭ ‬من‭ ‬طاقة‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تنشأ‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬الاستقلالية‭ ‬التابعة‮»‬‭ ‬المتناقضة‭ ‬ظاهريًّا‭. ‬ومعنى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬التنظيم‭ ‬الذاتي‭ ‬للكائن‭ ‬الحي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬البتة‭ ‬فصله‭ ‬عن‭ ‬بيئته‭.‬

والمبدأ‭ ‬الثالث‭ ‬يقول‭ ‬كل‭ ‬كائن‭ ‬من‭ ‬الكائنات‭ ‬يحتوي‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬على‭ ‬قطبين‭ ‬متعارضين‭ ‬وبسببهما‭ ‬يعيش‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التوتر‭ ‬الدائم‭. ‬فالكائن‭ ‬بوصفه‭ ‬نظامًا‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بسماته‭ ‬التنظيمية‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬استمراريتها‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬ذاته‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬ضربًا‭ ‬من‭ ‬اللانظام‭ ‬والفوضى‭ ‬التي‭ ‬تهدد‭ ‬بقاءه‭ ‬واستقراره‭ ‬ويصير‭ ‬التحدي‭ ‬الأكبر‭ ‬أمامه‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يكافح‭ ‬باستمرار‭ ‬ضد‭ ‬تدهوره‭ ‬الذاتي‭ ‬وضد‭ ‬الموت‭ ‬الذي‭ ‬يحمله‭ ‬في‭ ‬داخله،‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يبدع‭ ‬حلولًا‭ ‬ووسائل‭ ‬جديدة‭ ‬يمكنه‭ ‬بها‭ ‬مواجهة‭ ‬حالة‭ ‬اللايقين‭ ‬التي‭ ‬تحاصره‭ ‬وتهدده‭ ‬في‭ ‬بقائه‭.‬

أما‭ ‬المبدأ‭ ‬الرابع‭ ‬فمؤداه‭ ‬أن‭ ‬الكائن‭ ‬مهما‭ ‬ناضل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬البقاء‭ ‬فإن‭ ‬الفوضى‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬هزيمتها‭ ‬أبدًا؛‭ ‬لأنها‭ ‬الخلفية‭ ‬الدائمة‭ ‬لوجودنا‭ ‬وعلينا‭ ‬أن‭ ‬نتعلم‭ ‬العيش‭ ‬معها‭.‬

‮«‬يجب‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نتحمّل‭ ‬اللايقين‭ ‬بقوة‭ ‬وحيوية‮»‬‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬فلسفة‭ ‬اللغة‭ ‬والأدب‭ ‬الفرنسي

‭ ‬بكلية‭ ‬الآداب‭ - ‬جامعة‭ ‬حلوان‭. ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا