في يوم الجمعة الموافق 29 مايو، رحل عن عمر ناهز 104 أعوام عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي إدجار موران، أحد آخر المفكرين العمالقة الذين لم يكتفوا بتفسير العالم، بل سعوا إلى تعليم الإنسانية من جديد الطريقة ذاتها التي ينبغي أن تفكر بها في هذا العالم.
برحيله، لم تفقد الإنسانية مجرد أكاديمي مرموق أو فيلسوف موسوعي فحسب، بل فقدت شاهدًا حيًّا على قرن كامل من التحولات العميقة والحروب والانهيارات والأوهام الجماعية والتساؤلات التي لم تكف يومًا عن ملاحقة الإنسان الحديث.
ورغم عمر موران المديد فقد ظل حتى لحظة مماته حائرًا متسائلًا بتواضعه الجم أمام تعقيد العالم وتشابكاته. فكيف فهمه؟
لئن كان من الممكن أن نفهم النعت المشتق من «التعقيد والتركيب» عندما نصف الأشياء المحيطة بنا فنقول: «هذه المسألة مركبة ومعقدة» أو «هذه الآلة معقدة» فإن من الصعوبة الإحاطة بالدلالات الفلسفية والابستمولوجية لفكرة «التعقيد» في ذاتها.
تلك هي الإشكالية الجوهرية التي كرس لها إدجار موران مقالاته ومؤلفاته وأحاديثه من أجل تأسيس نظريته الفلسفية حولها. إذ لا يكاد يخلو حديث له عن فكرة التعقيد عند تناوله أنظمة الواقع وكائناته الحية.
إن نظرية «التعقيد» لموران هي أشبه بعمارة فلسفية شاهقة تفوق ناطحات السحاب علوًّا. يفرق موران في نظريته بين نوعين من التفكير نوع اختزالي أحادي ونوع شامل مركب. النوع الأول هو الذي يهيمن تقريبًا على ذهنية الغالبية العظمى من البشر وفيه يقول: «لقد اعتدنا على تجزئة الواقع إلى شظايا، بحيث ندرس كل جزء منه على حدة وفق منطق «تقسيم العمل العلمي».
وقد أتاح لنا ذلك فهم بعض جوانب الواقع بصورة أفضل، لكنه لم يمكّنا من فهم الواقع في كيفية اشتغاله ككلّ متكامل. إن مشكلتنا الحقيقية تكمن في أننا تعلّمنا الفصل بإتقان مفرط بين شرائح الواقع والأجدر بنا لكي نفهمه أن نتعلّم الربط بينها، والربط لا يعني مجرد وصل الأشياء بعضها ببعض، بل إقامة علاقة دائرية تفاعلية بينها. ثم يضيف موران ملاحظة مهمة بقوله: «اعتاد الإنسان أن يفسر ظواهر الواقع وفق مبدأ السببية الحتمية وتوهم بذلك أنه فهمه لكن الواقع مختلف تمامًا عن تصوره له فهو واقع مركب لا يمكن فهمه بمنهج أحادي اختزالي». وإنما يلزمه منهج خاص يتفق مع طبيعته المركبة والعلاقات المتشابكة بين أجزائه والربط بينها في معرفة موحدة وماذا عساه أن يكون المنهج الأمثل لفهم الواقع المركب؟
ثمة مبادئ أساسية عند موران ينبغي الأخذ بها في تفسير الواقع. المبدأ الأول يقول إن تفكيرنا في أي نظام ينبغي أن ينطلق من نظرة كلية له قبل أن نتطرق لأجزائه. فإذا فكرنا مثلًا في المجتمع كنظام علينا دراسته بوصفه كذلك قبل أن ندرس خصائص كل فرد فيه على حدة مع ملاحظة أن كل فرد سيضطر إلى كبح وتعطيل بعض خصائصه الذاتية بسبب اندماجه في النظام المجتمعي، ومعنى ذلك أنه إذا كان الأفراد هم الذين يصنعون مجتمعهم، فالمجتمع بدوره ينتج هؤلاء الأفراد ويؤنسنهم.
ويعلق موران على المبدأ بقوله: «إن بعض خصائص الأجزاء (الأفراد) قد تكبح وتتعطل بفعل منظومة الكل ومقتضياته ولكن يظل الكل (المجتمع) حاضرًا في كل جزء من أجزائه».
أما المبدأ الثاني فيقول إن الكائنات الحية قادرة على التنظيم الذاتي لنفسها في البيئة التي تعيش فيها فهي بمثابة أنظمة «تنتج ذاتها بنفسها، لكنها تستهلك في الوقت نفسه طاقتها الداخلية في سعيها للحفاظ على استقلاليتها ولذلك فهي تضطر اضطرارًا إلى استمداد الطاقة من بيئتها التي تعتمد عليها لكي تكون مستقلة وهنا تبدو المفارقة.
لأن كل كائن ينزع إلى الاستقلال بذاته ولكي لا تنفد طاقته يلجأ إلى البيئة التي يريد الاستقلال عنها لكي يستمد منها ما يحتاجه من طاقة ومن ثم تنشأ فكرة «الاستقلالية التابعة» المتناقضة ظاهريًّا. ومعنى ذلك أن التنظيم الذاتي للكائن الحي لا يمكن البتة فصله عن بيئته.
والمبدأ الثالث يقول كل كائن من الكائنات يحتوي في داخله على قطبين متعارضين وبسببهما يعيش حالة من التوتر الدائم. فالكائن بوصفه نظامًا يسعى إلى الاحتفاظ بسماته التنظيمية والحفاظ على استمراريتها يحمل في ذاته في نفس الوقت ضربًا من اللانظام والفوضى التي تهدد بقاءه واستقراره ويصير التحدي الأكبر أمامه هو أن يكافح باستمرار ضد تدهوره الذاتي وضد الموت الذي يحمله في داخله، عليه أن يبدع حلولًا ووسائل جديدة يمكنه بها مواجهة حالة اللايقين التي تحاصره وتهدده في بقائه.
أما المبدأ الرابع فمؤداه أن الكائن مهما ناضل من أجل البقاء فإن الفوضى لا يمكن هزيمتها أبدًا؛ لأنها الخلفية الدائمة لوجودنا وعلينا أن نتعلم العيش معها.
«يجب علينا أن نتحمّل اللايقين بقوة وحيوية».
{ أستاذ فلسفة اللغة والأدب الفرنسي
بكلية الآداب - جامعة حلوان.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك