الأشهر الثلاثة القادمة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأيضًا في القدس، هي أشهر خطيرة جدًا، وحقيقة قد تكون حبلى بأحداث ومخاطر متوقعة وغير متوقعة. فما يجري اليوم في شوارع الضفة وقراها ومدنها ومخيماتها من اعتداءات واقتحامات وعمليات طرد وتضييق لا يمكن النظر إليه باعتباره أحداثًا منفصلة، وإنما هو جزء من مشهد أكبر قد يتطور بصورة أكثر خطورة خلال الفترة المقبلة.
أولًا، يبدو أن الحكومة الإسرائيلية تريد أن تسجل نصرًا سهلًا وسريعًا وبدون كلفة كبيرة على جبهة تعتبرها مضمونة إلى حد كبير، وهي الجبهة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. ولذلك فإنها قد تتجه إلى المزيد من الإجراءات التصعيدية والسياسات التي تستهدف الأرض والإنسان والمؤسسات الفلسطينية، لأنها تعتقد أن هذه الساحة هي الأقل كلفة والأكثر قدرة على تحقيق مكاسب سياسية داخلية.
إلى جانب ذلك، دخلت الأحزاب الإسرائيلية مبكرًا في أجواء الحملات الانتخابية، وكل حزب يسعى إلى تسجيل إنجاز يقدمه لجمهوره. وللأسف فإن هذه الإنجازات غالبًا ما تكون على حساب الفلسطينيين، سواء من خلال قرارات سياسية أو إجراءات ميدانية أو عمليات عسكرية أو تضييق اقتصادي. وكما تسميها إسرائيل، فإن الجبهة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة تبقى بالنسبة لها ساحة يمكن استعراض القوة فيها وتحقيق مكاسب انتخابية سريعة.
ومن هنا، فإن أي زعيم سياسي أو أي حزب متطرف قد يحاول تسجيل نصر لفظي أو استعراضي أو حتى فعلي يمكن تحقيقه بسهولة على الأرض الفلسطينية، وهذا يرفع من احتمالات وقوع أحداث خطيرة جدًا قد تمس السكان والحقول والبيوت والمجتمع الأهلي، وربما تمتد آثارها إلى السلطة الفلسطينية ومؤسساتها، مع احتمالات لفرض المزيد من الضغوط المالية وتجفيف الأموال ومحاولة تخفيض السقوف السياسية إلى أدنى مستوى ممكن، بما ينعكس على الحقوق الفلسطينية والمطالب الوطنية والجهود السياسية المبذولة.
لهذا السبب أعتقد أن الأشهر الثلاثة القادمة تستوجب قدرًا عاليًا من الانتباه والحذر، خاصة أن الاعتدال داخل إسرائيل تراجع إلى حد كبير، ولم تعد الأحزاب الإسرائيلية تتحدث عن العلاقة مع الفلسطينيين إلا بغموض شديد وإشارات غير واضحة، ومن دون أي حديث جدي عن الدولة الفلسطينية أو عن تسوية سياسية حقيقية.
بل إن كثيرًا من الأحزاب الصهيونية لا تتنكر فقط للحقوق الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وإنما تتعامل أيضًا مع العرب الفلسطينيين في الداخل الإسرائيلي باعتبارهم خارج أي شراكة سياسية حقيقية، ولا ترغب بإشراكهم في الحكومات أو منحهم دورًا مؤثرًا في صناعة القرار.
لهذا كله، فإن اليمين الإسرائيلي بكل تدرجاته وبكل ألوانه يزداد تطرفًا يومًا بعد يوم، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة مليئة بالمخاطر والتحديات، ويضع الفلسطينيين أمام واقع معقد يحتاج إلى أكبر قدر ممكن من الوعي والوحدة والصمود في مواجهة ما قد تحمله الأيام القادمة.
في عيد هذا العام، سافرت إلى يعبد في رحلة يفترض أن تستغرق ما بين ساعة وساعة ونصف تقريبًا، لكن الزمن في الضفة الغربية المحتلة لا يُقاس بالمسافات وحدها، بل بالحواجز العسكرية والبوابات والسواتر والإغلاقات التي تحوّل الطريق القصير إلى رحلة طويلة ومعقدة ومليئة بالتوتر. وما إن يبدأ المرء السفر حتى يكتشف أن الشارع هنا ليس مجرد وسيلة للانتقال بين مكان وآخر، بل هو جزء من واقع سياسي وجغرافي يفرض نفسه على تفاصيل الحياة اليومية.
خلال رحلتي رأيت كل أنواع الشوارع: شوارع التفافية واسعة، وشوارع هامشية ضيقة، وطرقًا محطمة، وأخرى مضاءة بعناية، وشوارع مستقيمة تمتد مسافات طويلة، وأخرى ملتوية تتعرج بين التلال والقرى. غير أن القاسم المشترك بينها جميعًا هو أنها نتاج هندسة خاصة فرضتها ظروف الاحتلال. فهندسة الشوارع في الضفة الغربية ليست مجرد عملية تخطيط عمراني، بل هي، في كثير من الأحيان، أداة لإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان.
ومن هنا تبدو شبكة الطرق في الضفة الغربية في ظل الإجراءات التعسفية لسلطات الاحتلال أكثر من مجرد بنية تحتية. إنها وسيلة لإعادة توزيع السكان، وتعميق العزل بين المناطق، وخلق مزيد من الاعتماد على مسارات محددة تخضع للمراقبة والتحكم. ولهذا يشعر كثير من المسافرين بأن الطريق ليس فضاءً محايدًا، بل تجربة تذكرهم باستمرار بالقيود المفروضة على حركتهم وحياتهم اليومية.
إن السفر في الضفة الغربية يبقى تجربة محفوفة بالاحتمالات غير المتوقعة؛ فالحاجز قد يغلق فجأة، والبوابة قد تعطل الرحلة، والطريق قد يتغير مساره في أي لحظة. لذلك لا تبدو الشوارع هنا مجرد خطوط على الخريطة، بل هي تعبير عن واقع معقد يترك أثره في الإنسان والمكان معًا. ولهذا فإن أي نقاش حول الطرق في الضفة الغربية لا يمكن أن يقتصر على الهندسة والمواصلات فقط، بل يجب أن يتناول أيضًا أثرها الاجتماعي والاقتصادي والإنساني، ودورها في تشكيل العلاقة بين الناس وأرضهم ومستقبلهم. شبكة الطرق في الضفة الغربية المحتلة رؤية سياسية وتخطيط اقتصادي وخطة امنية، والمعضلة هنا ان التصعيد الصهيوني المتوقع خلال فترة الانتخابات الإسرائيلية القادمة سيجعل الأوضاع في الضفة الغربية أكثر تعقيدا وحصارا لكل جوانب الحياة للسكان الفلسطينيين.
{ مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك