العدد : ١٧٦١٠ - الأربعاء ١٠ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦١٠ - الأربعاء ١٠ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

الانتخابات الإسرائيلية وتوقعات التصعيد الصهيوني في الضفة الغربية وغزة

بقلم: د. أحمد رفيق عوض {

الأربعاء ١٠ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

الأشهر‭ ‬الثلاثة‭ ‬القادمة‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وقطاع‭ ‬غزة،‭ ‬وأيضًا‭ ‬في‭ ‬القدس،‭ ‬هي‭ ‬أشهر‭ ‬خطيرة‭ ‬جدًا،‭ ‬وحقيقة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬حبلى‭ ‬بأحداث‭ ‬ومخاطر‭ ‬متوقعة‭ ‬وغير‭ ‬متوقعة‭. ‬فما‭ ‬يجري‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬الضفة‭ ‬وقراها‭ ‬ومدنها‭ ‬ومخيماتها‭ ‬من‭ ‬اعتداءات‭ ‬واقتحامات‭ ‬وعمليات‭ ‬طرد‭ ‬وتضييق‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إليه‭ ‬باعتباره‭ ‬أحداثًا‭ ‬منفصلة،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬مشهد‭ ‬أكبر‭ ‬قد‭ ‬يتطور‭ ‬بصورة‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬المقبلة‭.‬

أولًا،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تسجل‭ ‬نصرًا‭ ‬سهلًا‭ ‬وسريعًا‭ ‬وبدون‭ ‬كلفة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬جبهة‭ ‬تعتبرها‭ ‬مضمونة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير،‭ ‬وهي‭ ‬الجبهة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وقطاع‭ ‬غزة‭. ‬ولذلك‭ ‬فإنها‭ ‬قد‭ ‬تتجه‭ ‬إلى‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬التصعيدية‭ ‬والسياسات‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬الأرض‭ ‬والإنسان‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬لأنها‭ ‬تعتقد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الساحة‭ ‬هي‭ ‬الأقل‭ ‬كلفة‭ ‬والأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬سياسية‭ ‬داخلية‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬دخلت‭ ‬الأحزاب‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬مبكرًا‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬الحملات‭ ‬الانتخابية،‭ ‬وكل‭ ‬حزب‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬تسجيل‭ ‬إنجاز‭ ‬يقدمه‭ ‬لجمهوره‭. ‬وللأسف‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الإنجازات‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قرارات‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬إجراءات‭ ‬ميدانية‭ ‬أو‭ ‬عمليات‭ ‬عسكرية‭ ‬أو‭ ‬تضييق‭ ‬اقتصادي‭. ‬وكما‭ ‬تسميها‭ ‬إسرائيل،‭ ‬فإن‭ ‬الجبهة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وقطاع‭ ‬غزة‭ ‬تبقى‭ ‬بالنسبة‭ ‬لها‭ ‬ساحة‭ ‬يمكن‭ ‬استعراض‭ ‬القوة‭ ‬فيها‭ ‬وتحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬انتخابية‭ ‬سريعة‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬زعيم‭ ‬سياسي‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬حزب‭ ‬متطرف‭ ‬قد‭ ‬يحاول‭ ‬تسجيل‭ ‬نصر‭ ‬لفظي‭ ‬أو‭ ‬استعراضي‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬فعلي‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيقه‭ ‬بسهولة‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬وهذا‭ ‬يرفع‭ ‬من‭ ‬احتمالات‭ ‬وقوع‭ ‬أحداث‭ ‬خطيرة‭ ‬جدًا‭ ‬قد‭ ‬تمس‭ ‬السكان‭ ‬والحقول‭ ‬والبيوت‭ ‬والمجتمع‭ ‬الأهلي،‭ ‬وربما‭ ‬تمتد‭ ‬آثارها‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ومؤسساتها،‭ ‬مع‭ ‬احتمالات‭ ‬لفرض‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬المالية‭ ‬وتجفيف‭ ‬الأموال‭ ‬ومحاولة‭ ‬تخفيض‭ ‬السقوف‭ ‬السياسية‭ ‬إلى‭ ‬أدنى‭ ‬مستوى‭ ‬ممكن،‭ ‬بما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬الحقوق‭ ‬الفلسطينية‭ ‬والمطالب‭ ‬الوطنية‭ ‬والجهود‭ ‬السياسية‭ ‬المبذولة‭.‬

لهذا‭ ‬السبب‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الأشهر‭ ‬الثلاثة‭ ‬القادمة‭ ‬تستوجب‭ ‬قدرًا‭ ‬عاليًا‭ ‬من‭ ‬الانتباه‭ ‬والحذر،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬الاعتدال‭ ‬داخل‭ ‬إسرائيل‭ ‬تراجع‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير،‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬الأحزاب‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬إلا‭ ‬بغموض‭ ‬شديد‭ ‬وإشارات‭ ‬غير‭ ‬واضحة،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬حديث‭ ‬جدي‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬تسوية‭ ‬سياسية‭ ‬حقيقية‭.‬

بل‭ ‬إن‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬الأحزاب‭ ‬الصهيونية‭ ‬لا‭ ‬تتنكر‭ ‬فقط‭ ‬للحقوق‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وقطاع‭ ‬غزة،‭ ‬وإنما‭ ‬تتعامل‭ ‬أيضًا‭ ‬مع‭ ‬العرب‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬باعتبارهم‭ ‬خارج‭ ‬أي‭ ‬شراكة‭ ‬سياسية‭ ‬حقيقية،‭ ‬ولا‭ ‬ترغب‭ ‬بإشراكهم‭ ‬في‭ ‬الحكومات‭ ‬أو‭ ‬منحهم‭ ‬دورًا‭ ‬مؤثرًا‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬القرار‭.‬

لهذا‭ ‬كله،‭ ‬فإن‭ ‬اليمين‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بكل‭ ‬تدرجاته‭ ‬وبكل‭ ‬ألوانه‭ ‬يزداد‭ ‬تطرفًا‭ ‬يومًا‭ ‬بعد‭ ‬يوم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬مليئة‭ ‬بالمخاطر‭ ‬والتحديات،‭ ‬ويضع‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬أمام‭ ‬واقع‭ ‬معقد‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أكبر‭ ‬قدر‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬الوعي‭ ‬والوحدة‭ ‬والصمود‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬تحمله‭ ‬الأيام‭ ‬القادمة‭.‬

في‭ ‬عيد‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬سافرت‭ ‬إلى‭ ‬يعبد‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تستغرق‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬ساعة‭ ‬وساعة‭ ‬ونصف‭ ‬تقريبًا،‭ ‬لكن‭ ‬الزمن‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬المحتلة‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬بالمسافات‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬بالحواجز‭ ‬العسكرية‭ ‬والبوابات‭ ‬والسواتر‭ ‬والإغلاقات‭ ‬التي‭ ‬تحوّل‭ ‬الطريق‭ ‬القصير‭ ‬إلى‭ ‬رحلة‭ ‬طويلة‭ ‬ومعقدة‭ ‬ومليئة‭ ‬بالتوتر‭. ‬وما‭ ‬إن‭ ‬يبدأ‭ ‬المرء‭ ‬السفر‭ ‬حتى‭ ‬يكتشف‭ ‬أن‭ ‬الشارع‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬للانتقال‭ ‬بين‭ ‬مكان‭ ‬وآخر،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬سياسي‭ ‬وجغرافي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭.‬

خلال‭ ‬رحلتي‭ ‬رأيت‭ ‬كل‭ ‬أنواع‭ ‬الشوارع‭: ‬شوارع‭ ‬التفافية‭ ‬واسعة،‭ ‬وشوارع‭ ‬هامشية‭ ‬ضيقة،‭ ‬وطرقًا‭ ‬محطمة،‭ ‬وأخرى‭ ‬مضاءة‭ ‬بعناية،‭ ‬وشوارع‭ ‬مستقيمة‭ ‬تمتد‭ ‬مسافات‭ ‬طويلة،‭ ‬وأخرى‭ ‬ملتوية‭ ‬تتعرج‭ ‬بين‭ ‬التلال‭ ‬والقرى‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬القاسم‭ ‬المشترك‭ ‬بينها‭ ‬جميعًا‭ ‬هو‭ ‬أنها‭ ‬نتاج‭ ‬هندسة‭ ‬خاصة‭ ‬فرضتها‭ ‬ظروف‭ ‬الاحتلال‭. ‬فهندسة‭ ‬الشوارع‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬عملية‭ ‬تخطيط‭ ‬عمراني،‭ ‬بل‭ ‬هي،‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬أداة‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬والمكان‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبدو‭ ‬شبكة‭ ‬الطرق‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الإجراءات‭ ‬التعسفية‭ ‬لسلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭. ‬إنها‭ ‬وسيلة‭ ‬لإعادة‭ ‬توزيع‭ ‬السكان،‭ ‬وتعميق‭ ‬العزل‭ ‬بين‭ ‬المناطق،‭ ‬وخلق‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬مسارات‭ ‬محددة‭ ‬تخضع‭ ‬للمراقبة‭ ‬والتحكم‭. ‬ولهذا‭ ‬يشعر‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المسافرين‭ ‬بأن‭ ‬الطريق‭ ‬ليس‭ ‬فضاءً‭ ‬محايدًا،‭ ‬بل‭ ‬تجربة‭ ‬تذكرهم‭ ‬باستمرار‭ ‬بالقيود‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬حركتهم‭ ‬وحياتهم‭ ‬اليومية‭.‬

إن‭ ‬السفر‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬يبقى‭ ‬تجربة‭ ‬محفوفة‭ ‬بالاحتمالات‭ ‬غير‭ ‬المتوقعة؛‭ ‬فالحاجز‭ ‬قد‭ ‬يغلق‭ ‬فجأة،‭ ‬والبوابة‭ ‬قد‭ ‬تعطل‭ ‬الرحلة،‭ ‬والطريق‭ ‬قد‭ ‬يتغير‭ ‬مساره‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬لحظة‭. ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬الشوارع‭ ‬هنا‭ ‬مجرد‭ ‬خطوط‭ ‬على‭ ‬الخريطة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬واقع‭ ‬معقد‭ ‬يترك‭ ‬أثره‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬والمكان‭ ‬معًا‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬نقاش‭ ‬حول‭ ‬الطرق‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الهندسة‭ ‬والمواصلات‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتناول‭ ‬أيضًا‭ ‬أثرها‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬والإنساني،‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬وأرضهم‭ ‬ومستقبلهم‭. ‬شبكة‭ ‬الطرق‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬المحتلة‭ ‬رؤية‭ ‬سياسية‭ ‬وتخطيط‭ ‬اقتصادي‭ ‬وخطة‭ ‬امنية،‭ ‬والمعضلة‭ ‬هنا‭ ‬ان‭ ‬التصعيد‭ ‬الصهيوني‭ ‬المتوقع‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الانتخابات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬القادمة‭ ‬سيجعل‭ ‬الأوضاع‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدا‭ ‬وحصارا‭ ‬لكل‭ ‬جوانب‭ ‬الحياة‭ ‬للسكان‭ ‬الفلسطينيين‭.‬

 

{‭ ‬مدير‭ ‬مركز‭ ‬المتوسط‭ ‬للدراسات‭ ‬الإقليمية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا