العدد : ١٧٦١١ - الخميس ١١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦١١ - الخميس ١١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

تحوّلات النظام الدولي ومخاطر العودة إلى استخدام القوة

بقلم: د. نبيل فهمي {

الأربعاء ١٠ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

لم‭ ‬يعد‭ ‬السؤال‭ ‬المطروح‭ ‬اليوم‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬قد‭ ‬ازداد‭ ‬بعد‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬بل‭ ‬كيف‭ ‬ولماذا‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬حضورا،‭ ‬وأقل‭ ‬خضوعا‭ ‬للقيود‭ ‬التي‭ ‬سعى‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬إلى‭ ‬ترسيخها‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭. ‬فالعالم‭ ‬لم‭ ‬ينزلق‭ ‬إلى‭ ‬حروب‭ ‬كبرى‭ ‬شاملة‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬لم‭ ‬يحقق‭ ‬الوعد‭ ‬الذي‭ ‬رافق‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭: ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬أكثر‭ ‬انضباطا،‭ ‬تحكمه‭ ‬قواعد‭ ‬واضحة‭ ‬ومساءلة‭ ‬فعّالة‭.‬

في‭ ‬تقديري،‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬هو‭ ‬تحوّل‭ ‬نوعي‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭. ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الحرب‭ ‬حدثا‭ ‬استثنائيا،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬أداة‭ ‬سياسية‭ ‬تُستخدم‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة،‭ ‬وبأشكال‭ ‬متعددة،‭ ‬من‭ ‬التدخلات‭ ‬العسكرية‭ ‬المباشرة‭ ‬إلى‭ ‬الحروب‭ ‬بالوكالة،‭ ‬مرورا‭ ‬بالضربات‭ ‬المحدودة‭ ‬والعمليات‭ ‬السيبرانية‭. ‬ولعل‭ ‬أبرز‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬هو‭ ‬انخفاض‭ ‬عتبة‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬القوة،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬ظلت‭ ‬كلفة‭ ‬الحرب‭ ‬الشاملة‭ ‬رادعا‭ ‬قائما‭.‬

هذا‭ ‬التحول‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فهمه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬التوقف‭ ‬عند‭ ‬لحظة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬حين‭ ‬انفردت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بالهيمنة‭ ‬الدولية،‭ ‬ما‭ ‬أتاح‭ ‬لها،‭ ‬ولحلفائها‭ ‬أحيانا،‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬سياقات‭ ‬متعددة،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬العراق‭.‬

‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬لم‭ ‬تدم‭ ‬طويلا‭. ‬فمع‭ ‬صعود‭ ‬الصين‭ ‬واستعادة‭ ‬روسيا‭ ‬عافيتها‭ ‬على‭ ‬المسرح‭ ‬الدولي‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬حرب‭ ‬أوكرانيا‭ ‬أصبح‭ ‬العالم‭ ‬أكثر‭ ‬تعددية،‭ ‬لكن‭ ‬أيضا‭ ‬أكثر‭ ‬سيولة،‭ ‬وأقل‭ ‬قابلية‭ ‬للضبط‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬التأثير‭ ‬الأعمق‭ ‬لهذا‭ ‬التحول‭ ‬يظهر‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬الذي‭ ‬تحول‭ ‬من‭ ‬ساحة‭ ‬صراع‭ ‬تقليدية‭ ‬إلى‭ ‬مختبر‭ ‬مفتوح‭ ‬لأنماط‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬الجديدة‭. ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬المنطقة‭ ‬تعرف‭ ‬توازنات‭ ‬مستقرة‭. ‬تفككت‭ ‬دول،‭ ‬وصعدت‭ ‬جماعات‭ ‬مسلحة،‭ ‬وتزايدت‭ ‬التدخلات‭ ‬الخارجية،‭ ‬لتصبح‭ ‬القوة‭ ‬أداة‭ ‬يومية‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬التفاعلات‭ ‬الإقليمية‭.‬

لم‭ ‬يعد‭ ‬بالإمكان‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬حروب‭ ‬بالوكالة‮»‬‭ ‬فقط‭. ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬نموذج‭ ‬جديد‭: ‬حرب‭ ‬مفتوحة،‭ ‬وتصعيد‭ ‬حقيقي،‭ ‬لكنه‭ ‬محسوب‭. ‬وهذا‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬يعكس‭ ‬تحوّلا‭ ‬في‭ ‬قواعد‭ ‬اللعبة،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬المعايير‭ ‬القديمة‭ ‬تمنع‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭..‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬ازدياد‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬ترك‭ ‬آثارا‭ ‬عميقة‭ ‬على‭ ‬خمسة‭ ‬معايير‭ ‬أساسية‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬شكّلت‭ ‬جوهر‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭.‬

أول‭ ‬هذه‭ ‬المعايير‭ ‬هو‭ ‬توازن‭ ‬القوى‭. ‬في‭ ‬الماضي،‭ ‬كان‭ ‬التوازن‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬ردع‭ ‬واضح‭ ‬بين‭ ‬قوى‭ ‬كبرى‭. ‬أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فقد‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدا‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الدول،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬فاعلين‭ ‬غير‭ ‬حكوميين‭ ‬وشبكات‭ ‬نفوذ‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود‭. ‬النتيجة‭ ‬هي‭ ‬توازن‭ ‬هش،‭ ‬قابل‭ ‬للاهتزاز،‭ ‬وأكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للتصعيد‭ ‬غير‭ ‬المحسوب‭.‬

ثانيها‭ ‬هو‭ ‬الضوابط‭ ‬والتوازنات‭ ‬المؤسسية‭. ‬فقد‭ ‬تراجعت‭ ‬قدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬على‭ ‬تنظيم‭ ‬استخدام‭ ‬القوة،‭ ‬سواء‭ ‬بسبب‭ ‬الانقسامات‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬أو‭ ‬بسبب‭ ‬تجاوز‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬عديدة،‭ ‬حيث‭ ‬تتم‭ ‬معظم‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬خارج‭ ‬أطر‭ ‬جماعية‭ ‬ملزمة،‭ ‬ما‭ ‬يضعف‭ ‬فكرة‭ ‬الرقابة‭ ‬الدولية‭.‬

ثالثها‭ ‬هو‭ ‬المساءلة‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬شهد‭ ‬تطورا‭ ‬في‭ ‬أدوات‭ ‬المحاسبة‭ ‬القانونية،‭ ‬لكن‭ ‬تطبيقها‭ ‬ظل‭ ‬انتقائيا‭. ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬والإقليمية‭ ‬نادرا‭ ‬ما‭ ‬تخضع‭ ‬لمساءلة‭ ‬حقيقية‭ ‬عن‭ ‬استخدام‭ ‬القوة،‭ ‬حيث‭ ‬تتكرر‭ ‬التدخلات‭ ‬دون‭ ‬عواقب‭ ‬قانونية‭ ‬تُذكر‭. ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬لا‭ ‬يضعف‭ ‬فقط‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬النظام،‭ ‬بل‭ ‬يشجع‭ ‬على‭ ‬تكرار‭ ‬السلوك‭ ‬ذاته‭.‬

أما‭ ‬المعيار‭ ‬الرابع‭ ‬فهو‭ ‬القواعد‭ ‬والمعايير‭ ‬الحاكمة‭. ‬فقد‭ ‬شهدت‭ ‬هذه‭ ‬القواعد‭ ‬تآكلا‭ ‬تدريجيا،‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إلغائها،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إعادة‭ ‬تفسيرها‭. ‬مفاهيم‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس‮»‬،‭ ‬و«الضربات‭ ‬الاستباقية‮»‬،‭ ‬و«مكافحة‭ ‬الإرهاب‮»‬‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬‮«‬تغيير‭ ‬الأنظمة‮»‬‭ ‬أصبحت‭ ‬تُستخدم‭ ‬لتبرير‭ ‬طيف‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭. ‬تحولت‭ ‬هذه‭ ‬المفاهيم‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬يومية‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الصراع،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الخط‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬المشروع‭ ‬وغير‭ ‬المشروع‭ ‬أكثر‭ ‬غموضا‭.‬

المعيار‭ ‬الخامس‭ ‬حول‭ ‬أساليب‭ ‬التسلح‭ ‬والخطط‭ ‬العسكرية،‭ ‬إزاء‭ ‬تطور‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وتدفقها‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬بأحجام‭ ‬وقوة‭ ‬مختلفة،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬بين‭ ‬حكومات‭ ‬ومؤسسات‭ ‬غير‭ ‬حكومية‭ ‬لم‭ ‬يعتاد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬تلك‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬متاحة‭ ‬لها،‭ ‬وأقرب‭ ‬أمثلة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬الخبرات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬في‭ ‬الصواريخ‭ ‬والمسيرات‭ ‬والتباين‭ ‬بين‭ ‬تكنولوجيات‭ ‬بالغة‭ ‬الدقة‭ ‬والعشوائية‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬خلطت‭ ‬أحيانا‭ ‬بين‭ ‬الأهداف‭ ‬العسكرية‭ ‬والمدنية‭ ‬وبين‭ ‬حسابات‭ ‬التكلفة‭ ‬المادية‭ ‬والتأثير‭ ‬العسكري‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬القاتم‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد،‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬انهار‭ ‬بالكامل،‭ ‬فهناك‭ ‬حدود‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قائمة،‭ ‬تفرضها‭ ‬كلفة‭ ‬الحرب‭ ‬الشاملة،‭ ‬والتشابك‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي،‭ ‬وبشكل‭ ‬خاصة‭ ‬الردع‭ ‬المتبادل‭ ‬إذا‭ ‬توافر‭.‬

ومن‭ ‬أخطر‭ ‬وأسوأ‭ ‬تداعيات‭ ‬الاستخدام‭ ‬المتزايد‭ ‬والمفرط‭ ‬للقوة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬محاسبة‭ ‬أن‭ ‬الاطراف‭ ‬المتنازعة‭ ‬والمجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬تفقد‭ ‬إنسانيتها‭ ‬بمعدلات‭ ‬متنامية،‭ ‬بالاستهداف‭ ‬المفرط‭ ‬للأهداف‭ ‬المدنية،‭ ‬وبالقبول‭ ‬المتنامي‭ ‬لما‭ ‬تسمى‭ ‬‮«‬المخاطر‭ ‬الجانبية‮»‬‭ ‬أثناء‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬والصدامات‭.‬

في‭ ‬رأيي،‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬تقليل‭ ‬عدد‭ ‬الصراعات‭ -‬وهو‭ ‬هدف‭ ‬يصعب‭ ‬تحقيقه‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب‭- ‬بل‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬حد‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬التوافق‭ ‬حول‭ ‬قواعد‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭. ‬من‭ ‬دون‭ ‬ذلك،‭ ‬سيستمر‭ ‬الانزلاق‭ ‬نحو‭ ‬نظام‭ ‬تحكمه‭ ‬موازين‭ ‬القوة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تحكمه‭ ‬القواعد‭.‬

بكلمات‭ ‬أخرى،‭ ‬لم‭ ‬تصبح‭ ‬القوة‭ ‬بديلا‭ ‬عن‭ ‬النظام،‭ ‬لكنها‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬قواعده‭ ‬الجديدة،‭ ‬وهنا‭ ‬يكمن‭ ‬جوهر‭ ‬التحوّل‭.‬

 

{ وزير‭ ‬خارجية‭ ‬مصر‭ ‬السابق

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا