العدد : ١٧٦١٢ - الجمعة ١٢ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦١٢ - الجمعة ١٢ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

قراءة في دور الوساطة الباكستانية في إنهاء حرب إيران

بقلم: منال علان

الخميس ١١ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

برز‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬دور‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الباكستانية‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وأُعلن،‭ ‬في‭ ‬22‭ ‬أبريل‭ ‬2026،‭ ‬تمديد‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران‭ ‬الذي‭ ‬جرى‭ ‬التوصّل‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬8‭ ‬من‭ ‬الشهر‭ ‬نفسه،‭ ‬بوساطة‭ ‬باكستانية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أوضح‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الباكستاني،‭ ‬شهباز‭ ‬شريف،‭ ‬أنّ‭ ‬قرار‭ ‬التمديد‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬إتاحة‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬الجهود‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬لمواصلة‭ ‬مسارها،‭ ‬معرباً‭ ‬عن‭ ‬تطلّعه‭ ‬إلى‭ ‬التزام‭ ‬الأطراف‭ ‬بالهدنة،‭ ‬والانخراط‭ ‬في‭ ‬مفاوضات‭ ‬تُفضي‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬اتفاق‭ ‬سلام‮»‬‭ ‬شامل‭.‬

تندرج‭ ‬هذه‭ ‬الوساطة‭ ‬ضمن‭ ‬مسار‭ ‬تراكمي‭ ‬يرتبط‭ ‬بالتحوّلات‭ ‬البنيوية‭ ‬الأوسع‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬الإقليم،‭ ‬ولا‭ ‬سيّما‭ ‬مع‭ ‬تنامي‭ ‬التداخل‭ ‬بين‭ ‬جنوب‭ ‬آسيا‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬المجالَين‭ ‬الأمني‭ ‬والدفاعي‭. ‬ويعكس‭ ‬تصاعد‭ ‬الاتفاقات‭ ‬الدفاعية‭ ‬العابرة‭ ‬للأقاليم‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الماضية،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬تزايد‭ ‬الدعوات‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬تحالفات‭ ‬أمنية‭ ‬مرنة،‭ ‬ومُتعدّدة‭ ‬الأطراف،‭ ‬اتجاهاً‭ ‬تدريجياً‭ ‬نحو‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬التصوّرات‭ ‬الأمنية‭ ‬وأُطر‭ ‬التعاون‭ ‬الدفاعي،‭ ‬بما‭ ‬يُسهم‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الأدوار‭ ‬بين‭ ‬الفاعلين‭ ‬الإقليميين‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يُفضي‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬إلى‭ ‬تكريس‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬السيولة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬تتجلّى‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬مستويات‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬بشأن‭ ‬مستقبل‭ ‬البنية‭ ‬الأمنية‭ ‬والدفاعية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

وفي‭ ‬إطار‭ ‬هذا‭ ‬التداخل‭ ‬بين‭ ‬فضاءي‭ ‬جنوب‭ ‬آسيا‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬يمكن‭ ‬تفسير‭ ‬الوساطة‭ ‬الباكستانية‭ ‬باعتبارها‭ ‬أداةً‭ ‬لإعادة‭ ‬تموضع‭ ‬إسلام‭ ‬آباد‭ ‬داخل‭ ‬شبكة‭ ‬التفاعلات‭ ‬الإقليمية‭. ‬إذ‭ ‬تعكس‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬توجّهاً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬الدور‭ ‬الوسيط‭ ‬لتعزيز‭ ‬الشرعية‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬وتوسيع‭ ‬هامش‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬مخرجات‭ ‬التوازنات‭ ‬الإقليمية‭.‬

‭ ‬ويكتسب‭ ‬هذا‭ ‬التوجّه‭ ‬أهميةً‭ ‬متزايدةً‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬إدراك‭ ‬باكستان‭ ‬لاحتمالات‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬ميزان‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمي‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬يظهر‭ ‬تورطا‭ ‬أكبر‭ ‬لإسرائيل،‭ ‬بما‭ ‬قد‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬إنتاج‭ ‬أنماط‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬من‭ ‬سياسات‭ ‬الاحتواء،‭ ‬تمتدّ‭ ‬تداعياتها‭ ‬إلى‭ ‬فاعلين‭ ‬إقليميين‭ ‬آخرين،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬باكستان‭ ‬ذاتها‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬يغدو‭ ‬الدور‭ ‬الباكستاني‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬استراتيجية‭ ‬أشمل‭ ‬لإدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬تتجاوز‭ ‬احتواء‭ ‬الأزمات‭ ‬الآنية‭ ‬نحو‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬التموضع‭ ‬داخل‭ ‬معادلات‭ ‬توازن‭ ‬إقليمي‭ ‬آخذة‭ ‬في‭ ‬التعقيد‭.‬

تتعدّد‭ ‬المحدّدات‭ ‬التي‭ ‬تفسّر‭ ‬اختيار‭ ‬باكستان‭ ‬وسيطاً‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران،‭ ‬في‭ ‬مقدّمها‭ ‬ما‭ ‬تتمتّع‭ ‬به‭ ‬إسلام‭ ‬آباد‭ ‬من‭ ‬هامش‭ ‬علاقات‭ ‬متوازنة‭ ‬مع‭ ‬كلا‭ ‬الطرفَين،‭ ‬بما‭ ‬يهيّئها‭ ‬مبدئياً‭ ‬للاضطلاع‭ ‬بهذا‭ ‬الدور‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬العامل‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬بمفرده‭ ‬لتفسير‭ ‬ترجيح‭ ‬هذا‭ ‬الخيار؛‭ ‬إذ‭ ‬تبرز‭ ‬مسألتان‭ ‬محوريتان‭ ‬تعكسان‭ ‬اعتبارات‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬تتصل‭ ‬بالأمن‭ ‬والسيادة‭.‬

تتصل‭ ‬المسألة‭ ‬الأولى‭ ‬بالاعتبارات‭ ‬الأمنية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بسلامة‭ ‬الوفود‭ ‬التفاوضية‭ ‬وبيئة‭ ‬انعقاد‭ ‬المحادثات‭. ‬فاختيار‭ ‬باكستان،‭ ‬بوصفها‭ ‬دولةً‭ ‬مجاورةً‭ ‬لإيران،‭ ‬يعكس‭ ‬توجّهاً‭ ‬إيرانياً‭ ‬نحو‭ ‬تقليص‭ ‬المخاطر‭ ‬الأمنية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بتنقل‭ ‬الوفود‭ ‬وطبيعة‭ ‬البيئة‭ ‬المستضيفة‭. ‬

وقد‭ ‬تعزّز‭ ‬هذا‭ ‬التوجّه‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬سوابق‭ ‬حديثة،‭ ‬لا‭ ‬سيّما‭ ‬العدوان‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬قطر‭ ‬في‭ ‬سبتمبر2025،‭ ‬واستهدف‭ ‬وفداً‭ ‬من‭ ‬قيادة‭ ‬حركة‭ ‬حماس‭ ‬خلال‭ ‬وجوده‭ ‬في‭ ‬الدوحة‭ ‬لمناقشة‭ ‬ترتيبات‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬غزّة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬أنّه‭ ‬ظلّ‭ ‬حاضراً‭ ‬في‭ ‬الحسابات‭ ‬الأمنية‭ ‬الإيرانية‭. ‬ويُسهم‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬تراجع‭ ‬بعض‭ ‬مسارات‭ ‬الوساطة‭ ‬الإقليمية‭ ‬التقليدية،‭ ‬مثل‭ ‬قطر،‭ ‬بسبب‭ ‬تعرّضها‭ ‬لهجمات‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬التصعيد،‭ ‬وأيضاً‭ ‬نتيجة‭ ‬العدوان‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الذي‭ ‬تعرضت‭ ‬له‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬الوساطة‭ ‬تعكس،‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أبعادها،‭ ‬مطلباً‭ ‬إيرانياً،‭ ‬فإنّها،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬أهمية‭ ‬استراتيجية‭ ‬متنامية‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬باكستان‭. ‬ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬اختزال‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬في‭ ‬أنّه‭ ‬استجابة‭ ‬ظرفية‭ ‬للتطوّرات‭ ‬الجارية،‭ ‬بل‭ ‬يتعيّن‭ ‬فهمه‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬مسار‭ ‬تراكمي‭ ‬من‭ ‬التحولات‭ ‬العسكرية‭ ‬والاستراتيجية‭ ‬المتزامنة‭ ‬في‭ ‬كلٍّ‭ ‬من‭ ‬جنوب‭ ‬آسيا‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬ففي‭ ‬مايو‭ ‬2025،‭ ‬شهد‭ ‬جنوب‭ ‬آسيا‭ ‬تصعيداً‭ ‬عسكرياً‭ ‬لافتاً‭ ‬تمثّل‭ ‬في‭ ‬مواجهات‭ ‬جوّية‭ ‬مباشرة‭ ‬بين‭ ‬الهند‭ ‬وباكستان،‭ ‬أعقبه‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬ذاته‭ ‬اندلاع‭ ‬مواجهة‭ ‬عسكرية‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬وإيران‭. ‬وأسهم‭ ‬هذا‭ ‬التزامن‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬إدراكات‭ ‬التهديد‭ ‬لدى‭ ‬الفاعلين‭ ‬الإقليميين،‭ ‬فأعقبته‭ ‬تحرّكات‭ ‬هندية‭ ‬–‭ ‬إسرائيلية‭ ‬متزايدة‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬أمني‭ ‬ودفاعي‭. ‬ففي‭ ‬يوليو‭ ‬2025،‭ ‬شهدت‭ ‬تفاهمات‭ ‬بين‭ ‬الهند‭ ‬وإسرائيل‭ ‬بشأن‭ ‬اتفاق‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬التعاون‭ ‬الدفاعي‭ ‬طويل‭ ‬الأمد،‭ ‬والعمل‭ ‬لتطوير‭ ‬إطار‭ ‬مؤسّسي‭ ‬دفاعي،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تبادل‭ ‬التقديرات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بشأن‭ ‬تطوّرات‭ ‬المشهد‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬واستعراض‭ ‬الخبرات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬والعملياتية‭ ‬والتكنولوجية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬عُرف‭ ‬بـ«عملية‭ ‬الأسد‭ ‬الصاعد‮»‬‭ ‬ضدّ‭ ‬إيران‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬الـ12‭ ‬يوماً‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬برز‭ ‬تنامي‭ ‬التقارب‭ ‬الهندي‭ ‬–‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بوصفه‭ ‬أحد‭ ‬المحدّدات‭ ‬البنيوية‭ ‬المؤثّرة‭ ‬في‭ ‬توجّهات‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الباكستانية‭ ‬تجاه‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬لا‭ ‬سيّما‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬ما‭ ‬ينطوي‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬توسّع‭ ‬نوعي‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬التعاون‭ ‬الدفاعي‭ ‬والأمني‭ ‬بين‭ ‬الطرفَين‭. ‬ومنذ‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬أظهرت‭ ‬باكستان‭ ‬حركيةً‭ ‬دبلوماسيةً‭ ‬متزايدةً‭ ‬في‭ ‬تعاطيها‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬المتسارعة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬خاصّةً‭ ‬في‭ ‬ملفات‭ ‬الوساطة،‭ ‬فكانت‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬ثلاث‭ ‬دول‭ ‬تقدّمت‭ ‬بطلب‭ ‬إلى‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬لمناقشة‭ ‬العدوان‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬قطر‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬2025،‭ ‬كما‭ ‬اضطلعت‭ ‬بدور‭ ‬ملحوظ‭ ‬في‭ ‬الشهر‭ ‬التالي‭ ‬ضمن‭ ‬الجهود‭ ‬الدولية‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬غزّة،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬انخراطها‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬الوساطة‭ ‬الراهنة‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

ورغم‭ ‬تعقيد‭ ‬هذه‭ ‬الوساطة‭ ‬وحساسيتها؛‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬تنطوي‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬أبعاد‭ ‬جيوسياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬تتجاوز‭ ‬نطاقها‭ ‬الإقليمي‭ ‬إلى‭ ‬المستوى‭ ‬الدولي،‭ ‬فإنّه‭ ‬يمكن‭ ‬تفسير‭ ‬الحراك‭ ‬الباكستاني‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬مقاربة‭ ‬‮«‬توازن‭ ‬القوى‭ ‬المرن‮»‬،‭ ‬إذ‭ ‬تميل‭ ‬الدول‭ ‬المتوسّطة‭ ‬القوة‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬هامش‭ ‬مناورتها‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬عبر‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬أدوار‭ ‬الوساطة،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬لها‭ ‬إعادة‭ ‬التموضع‭ ‬ضمن‭ ‬معادلات‭ ‬النفوذ‭ ‬الإقليمي‭. ‬

ويندرج‭ ‬هذا‭ ‬التوجّه‭ ‬ضمن‭ ‬استراتيجية‭ ‬أوسع‭ ‬تستهدف‭ ‬تعزيز‭ ‬الحضور‭ ‬الباكستاني‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬تصاعد‭ ‬التنافس‭ ‬مع‭ ‬الهند،‭ ‬التي‭ ‬وسّعت‭ ‬حضورها‭ ‬الإقليمي‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬عبر‭ ‬تعميق‭ ‬شراكاتها‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬شهدت‭ ‬الفترة‭ ‬الممتدّة‭ ‬بين‭ ‬أواخر‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬وبدايات‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬نشاطاً‭ ‬دبلوماسياً‭ ‬مكثّفاً‭ ‬بين‭ ‬باكستان‭ ‬ودول‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬شمل‭ ‬قطر‭ ‬والسعودية‭ ‬والإمارات،‭ ‬وتجلّى‭ ‬في‭ ‬زيارات‭ ‬متبادلة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬القيادات‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬سعي‭ ‬إسلام‭ ‬آباد‭ ‬إلى‭ ‬ترسيخ‭ ‬موقعها‭ ‬شريكاً‭ ‬إقليمياً‭ ‬فاعلاً‭ ‬ضمن‭ ‬معادلات‭ ‬التوازن‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬الحراك‭ ‬السياسي‭ ‬والدبلوماسي‭ ‬الباكستاني،‭ ‬برزت‭ ‬مؤشّراتٌ‭ ‬متزايدةٌ‭ ‬على‭ ‬تشكّل‭ ‬ديناميات‭ ‬أمنية‭ ‬ودفاعية‭ ‬موازية‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الإقليمي،‭ ‬تجسّدت‭ ‬في‭ ‬تسارع‭ ‬وتيرة‭ ‬إبرام‭ ‬الاتفاقات‭ ‬الدفاعية‭ ‬بين‭ ‬عدة‭ ‬فاعلين‭ ‬آسيويين‭ ‬ودول‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تنامي‭ ‬الطروحات‭ ‬المتعلّقة‭ ‬بإمكانية‭ ‬تشكيل‭ ‬تكتّلات‭ ‬أمنية‭ ‬ودفاعية‭ ‬مُتعدّدة‭ ‬الأطراف‭. ‬ففي‭ ‬17‭ ‬سبتمبر‭ ‬2025،‭ ‬وقّعت‭ ‬باكستان‭ ‬والسعودية‭ ‬اتفاقية‭ ‬دفاع‭ ‬استراتيجي‭ ‬مشترك،‭ ‬أعقبها‭ ‬في‭ ‬4‭ ‬نوفمبر‭ ‬2025،‭ ‬توقيع‭ ‬مذكّرة‭ ‬تفاهم‭ ‬بين‭ ‬الهند‭ ‬وإسرائيل‭ ‬لتوسيع‭ ‬نطاق‭ ‬التعاون‭ ‬الدفاعي‭.‬

وفي‭ ‬السياق‭ ‬نفسه،‭ ‬برزت‭ ‬طروحات‭ ‬أمنية‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬مُتعدّد‭ ‬الأطراف؛‭ ‬فقبل‭ ‬توقيع‭ ‬الاتفاقية‭ ‬الدفاعية‭ ‬الباكستانية‭ ‬–‭ ‬السعودية‭ ‬بيوم،‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬16‭ ‬سبتمبر‭ ‬2025،‭ ‬دعا‭ ‬وزير‭ ‬الدفاع‭ ‬الباكستاني‭ ‬خواجة‭ ‬آصف‭ ‬في‭ ‬مقابلة‭ ‬مع‭ ‬قناة‭ ‬جيو‭ ‬نيوز‭ ‬إلى‭ ‬تشكيل‭ ‬‮«‬تحالف‭ ‬عسكري‭ ‬إسلامي‮»‬‭ ‬موحّد‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ (‬ناتو‭) ‬لمواجهة‭ ‬التهديدات‭ ‬المشتركة‭. ‬ولاحقاً،‭ ‬أشارت‭ ‬تقارير‭ ‬لوكالة‭ ‬رويترز،‭ ‬في‭ ‬15‭ ‬يناير‭ ‬2026‭ ‬إلى‭ ‬إعداد‭ ‬مسودّة‭ ‬اتفاق‭ ‬دفاعي‭ ‬ثلاثي‭ ‬يضمّ‭ ‬باكستان‭ ‬والسعودية‭ ‬وتركيا،‭ ‬مع‭ ‬التأكيد‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬منفصلاً‭ ‬عن‭ ‬الاتفاق‭ ‬الثنائي‭ ‬السعودي‭ ‬–‭ ‬الباكستاني،‭ ‬ولم‭ ‬يرتقِ‭ ‬بعد‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬الاتفاق‭ ‬النهائي‭.‬

وتعكس‭ ‬الترتيبات‭ ‬الثنائية،‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬مستوياتها‭ ‬الإجرائية‭ ‬ومجالات‭ ‬التعاون‭ ‬التي‭ ‬تغطّيها،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬طروحات‭ ‬مُتعدّدة‭ ‬الأطراف،‭ ‬بتباين‭ ‬طبيعتها‭ ‬ومستوياتها‭ ‬المؤسّسية،‭ ‬حالةً‭ ‬من‭ ‬السيولة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬الإقليم‭. ‬ويعزّز‭ ‬ذلك‭ ‬اتجاهاً‭ ‬متصاعداً‭ ‬نحو‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الأطر‭ ‬الدفاعية،‭ ‬بما‭ ‬قد‭ ‬يمهّد‭ ‬لظهور‭ ‬أنماط‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬وتركيباً‭ ‬من‭ ‬التكتلات‭ ‬الأمنية‭ ‬والدفاعية‭.‬

بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬استضافة‭ ‬باكستان‭ ‬المحادثات‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران،‭ ‬يُرجَّح‭ ‬أن‭ ‬تنخرط‭ ‬إسلام‭ ‬آباد‭ ‬في‭ ‬تفاهمات‭ ‬غير‭ ‬معلَنة‭ ‬مع‭ ‬الجانب‭ ‬الإيراني،‭ ‬تستهدف‭ ‬تحييد‭ ‬السعودية‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تجدّد‭ ‬التصعيد‭ ‬الإقليمي‭. ‬وتكتسب‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬أهميةً‭ ‬جيوسياسية‭ ‬خاصّة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬باكستان،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬السعودية‭ ‬أحد‭ ‬المفاصل‭ ‬الحسّاسة‭ ‬في‭ ‬معادلات‭ ‬التوازن‭ ‬الإقليمي‭ ‬التي‭ ‬تتحرّك‭ ‬ضمنها‭ ‬إسلام‭ ‬آباد‭.‬

وفي‭ ‬سياق‭ ‬متّصل،‭ ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬خطوة‭ ‬باكستان‭ ‬في‭ ‬11‭ ‬أبريل‭ ‬2026،‭ ‬المتمثّلة‭ ‬في‭ ‬إرسال‭ ‬طائرات‭ ‬مقاتلة‭ ‬وقوات‭ ‬عسكرية‭ ‬إضافية‭ ‬إلى‭ ‬الأراضي‭ ‬السعودية،‭ ‬بوصفها‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬مقاربة‭ ‬أوسع‭ ‬لإعادة‭ ‬ضبط‭ ‬معادلات‭ ‬الردع‭ ‬عبر‭ ‬تحييد‭ ‬السعودية‭. ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬الاتفاق‭ ‬الدفاعي‭ ‬السابق‭ ‬بين‭ ‬البلدَين،‭ ‬فإنّ‭ ‬توقيت‭ ‬تفعيل‭ ‬بعض‭ ‬متطلّباته‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬هدنة‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬يمنحها‭ ‬دلالات‭ ‬سياسية‭ ‬إضافية‭.‬

ويمكن‭ ‬قراءة‭ ‬هذه‭ ‬الدلالات‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬النصّ‭ ‬الوارد‭ ‬في‭ ‬الاتفاق‭: ‬‮«‬أيّ‭ ‬اعتداء‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬الطرفَين‭ ‬يُعدّ‭ ‬اعتداءً‭ ‬على‭ ‬كليهما‮»‬‭.. ‬كما‭ ‬يكتسب‭ ‬هذا‭ ‬التحرّك‭ ‬بُعداً‭ ‬سياسياً‭ ‬إضافياً،‭ ‬إذ‭ ‬يُفهم‭ ‬ضمنياً‭ ‬بوصفه‭ ‬تذكيراً‭ ‬لإيران،‭ ‬بوجود‭ ‬ترتيبات‭ ‬تعاون‭ ‬دفاعي‭ ‬قائمة‭ ‬بين‭ ‬باكستان‭ ‬والسعودية‭.‬

في‭ ‬الختام،‭ ‬تؤدّي‭ ‬الوساطة‭ ‬الباكستانية‭ ‬وظيفةً‭ ‬بنيويةً‭ ‬تسعى‭ ‬منها‭ ‬إسلام‭ ‬آباد‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬تموضعها‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬المستويات‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.. ‬وفي‭ ‬ضوء‭ ‬ذلك،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إنّ‭ ‬مخرجات‭ ‬الوساطة‭ ‬الباكستانية‭ ‬ستكون‭ ‬ذات‭ ‬انعكاسات‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬البنية‭ ‬الأمنية‭ ‬والدفاعية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬مع‭ ‬بروز‭ ‬متزايد‭ ‬لأدوار‭ ‬فاعلين‭ ‬آسيويين‭ ‬ضمن‭ ‬هذه‭ ‬المعادلات‭ ‬المتحولة‭.‬

 

{ باحثة‭ ‬فلسطينية‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الدولية

‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا