إسرائيل، المنبوذة اليوم من أغلب شعوب العالم، لا حكوماتها، تقوم آلتها الدعائية هذه الأيام بمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من سمعتها. فقبل طوفان الأقصى، كانت تلك الآلة الدعائية تسوقها باعتبارها صاحبة «أقوى جهاز مخابرات» في العالم، وجيشها هو «أكثر الجيوش أخلاقية»، وباعتبارها تملك أكثر الأسلحة تطورًا ما يجعل هزيمتها مستحيلة!
وحين سقطت تلك الدعاية ظلت توجهاتها كما هي. فمنذ مراحل مبكرة للغاية في المشروع الصهيوني تبنت إلقاء الرعب في نفوس منتقديها الغربيين عبر العمل المنظم على ملاحقة كل من ينطق حرفًا، فتتأكد من طرده من الجامعة أو الوظيفة، ثم تتأكد من أن يضم سجله الشخصي تلك الواقعة وما جرى له بسببها لحرمانه من أي فرص مستقبلية.
والحالات التي حدثت لا تُعد ولا تُحصي لغربيين فقدوا وظائفهم ومستقبلهم، بمن في ذلك اليهود، مثل الأكاديمي نورمان فنكلشتاين. هذا ناهيك عن السياسيين الذين قضت على مستقبلهم السياسي، وعلى رأسهم الزعيم السياسي البريطاني جيرمي كوربين. باختصار، يمكن للمواطن الغربي أن ينتقد حكومته لكنه يُجَرَّم لو انتقد الحكومة الإسرائيلية ويدفع ثمنًا باهظًا.
غير أن ما رآه العالم بالصوت والصورة في غزة من إبادة وتخريب شامل كسر تلك المحرمات. إذ لم يعد كثيرون في الغرب يعبأون باتهام «معاداة السامية» الجاهز للاستخدام بمناسبة ومن دون مناسبة، رغم أن إسرائيل لا تزال تستخدم الحيلة ذاتها.
وحين أدركت أنها خسرت الشعوب اخترعت حيلًا جديدة للالتفاف عليها لتخفف الضغط على الحكومات الحليفة. وكان آخر تلك الحيل ما فعلته في أمريكا. فلأن الأمريكيين يضغطون لوقف المساعدات العسكرية لإسرائيل، أعلن نتنياهو أنه هو الآخر لم يعد يريدها!
ثم اتضح أن التخطيط كان يجري على قدم وساق لاختراع وسيلة جديدة تحصل من خلالها إسرائيل على كل ما تريد دون أن يعرف المواطن الأمريكي عن الأمر شيئًا. فبدلًا من برنامج المساعدات العسكرية الذي يخضع لرقابة الكونجرس وتصويته في جلسات علنية، تم إضافة بند خبيث لمشروع قانون الدفاع تحت عنوان «التكامل العسكري الأمريكي الإسرائيلي»، وهو يدمج العسكرية الإسرائيلية بالعسكرية الأمريكية ويجعل الأولى طرفًا أصيلًا في البحوث العسكرية وإنتاج وتطوير التكنولوجيا العسكرية ونظم التسلح.
أي أنه بدلًا من مجرد الحصول علي المنتج النهائي، أي السلاح كمساعدات أو حتى مبيعات، ستعرف إسرائيل كل شاردة وواردة تدور في التطوير العسكري الأمريكي! وهو ما لم تمنحه أمريكا أبدًا لأي من حلفائها الأوروبيين!
ومن أساليب الدعاية التي تستعد بها إسرائيل من الآن ترويج فكرة مؤداها أن «المشكلة ليست إسرائيل وإنما نتنياهو وحكومته المتطرفة». والهدف أن انتهاء عهد نتنياهو، عاجلًا أو آجلًا، معناه أن صورة إسرائيل «الضحية الأبدية» عادت من جديد.
والحقيقة أن كل أحزاب المعارضة الإسرائيلية دعمت إبادة غزة وإبادة جنوب لبنان واحتلال أراضٍ سورية والحرب على إيران. بل إن استطلاعات الرأي العام تؤكد موافقة أغلبية كبيرة من الإسرائيليين على كل ما تقدم.
ورغم التركيز المستمر على من يدعم إسرائيل بالمال والسلاح، فما لا يقل أهمية هو حجم الأرباح التي تحققها إسرائيل من بيع سلاحها الذي تصنعه بنفسها وبرامج التجسس التي تنتجها.
ففي عام 2025، مثلًا، حصلت على 19.2 مليار دولار مقابل بيع منتجاتها وهو ما شكل زيادة في الأرباح بمعدل 30% مقارنة بعام 2024! وشراء سلاح وأدوات تجسس إسرائيلية يعني اختراقًا مؤكدًا للأمن القومي للدولة أو الطرف المشتري.
أما هوية الذين يبتاعون البضاعة الإسرائيلية، في أوج إبادة غزة، فهي دول في آسيا وإفريقيا ودول أوروبية لكن أكبر المستوردين مثل الهند ودول أوروبية بارزة أعلنت الاعتراف بالدولة الفلسطينية!.
{ باحثة في العلوم السياسية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك