عند محاولة قراءة الأوضاع التي يمكن أن يؤول إليها حال النظام السياسي الإيراني في أعقاب الحرب الجارية مع كل من أمريكا وإسرائيل، يتعين أن نأخذ بعين الاعتبار أمرين مهمين.
أولهما: أن السيناريوهات المحتملة للمشهد السياسي الايراني على أرض الواقع تستند في المقام الأول إلى فرضية أساسية نرتكز عليها وهى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الجارية ضد إيران لن تؤدي في نهاية المطاف إلى إسقاط الحكم القائم في طهران وتغييره من الخارج، وذلك لاعتبارات تتصل بمعارضة قطاعات واسعة من الشعب الإيراني وقواه السياسية، نتيجة ضعف ومحدودية الظهير الجماهيري في الداخل الإيراني لمثل هذا التغيير السياسي المفروض من الخارج، وكذلك تتصل بأنه قد لا تكون هناك القدرة، بل وربما أيضًا الرغبة، لدى الطرفين الأجنبيين في واشنطن وتل أبيب في الذهاب إلى أبعد مدى ممكن في مسألة الدفع نحو تغيير نظام الحكم الإيراني من الخارج، بما في ذلك القيام بعملية غزو برى واسعة النطاق سوف يترتب عليها بالتأكيد خسائر بشرية ضخمة لدى الأطراف المهاجمة يصعب تحملها منهما، بالإضافة إلى غياب الاستعداد لدى أي من الدول المجاورة مباشرة لإيران بأن تقبل بأن تكون أي منها نقطة انطلاق لمثل ذلك الغزو البري واسع النطاق.
والسيناريو الذي نتناوله هنا فيما يتعلق بمستقبل النظام السياسي الإيراني بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية على إيران، هو ذلك المتعلق بالأفول، ولو تدريجيًا، للنظام السياسي الإيراني القائم، ومعه أفول النموذج الفكري والمؤسسي الذي يمثله، وهو سيناريو ترتبط فرص تحققه بعدد من العوامل الداخلية والخارجية واتجاه حركتها في ضوء الحرب الجارية ونتائجها.
وبداية يتعين علينا توضيح أن بعض المراقبين والمحللين السياسيين يطلقون على هذا السيناريو تعبير «السيناريو السوفيتي»، في إشارة منهم إلى أوجه الشبه بينه وبين ما تحقق للنظام وللنموذج السوفيتيين تدريجيًا وانتهى بالأفول النهائي وزوال النظام والنموذج معًا في عام 1991، بالرغم من اختلاف هؤلاء على تاريخ بدء مثل هذا الأفول، بين من يرى أنه بدأ بالغزو من جانب الاتحاد السوفيتي السابق ودول حلف وارسو لتشيكوسلوفاكيا في أعقاب «ربيع براغ» في عام 1968، والبعض الآخر يؤرخ له ببدء سياسة «الوفاق» أو «الانفراج» بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي السابق في عام 1972، والبعض الثالث يؤرخ له بالدخول/ الغزو العسكري السوفيتي إلى أفغانستان في نهايات عام 1978، والبعض الرابع يؤرخ له باندلاع حركة «تضامن» العمالية المستقلة في بولندا في صيف عام 1980، بينما البعض الخامس يبتعد تمامًا بهذا الأفول عن الأسباب المتعلقة بالسياسة الخارجية ويركز على ما أصاب النموذج والدولة السوفيتيين بشكل متزايد منذ النصف الثاني من عقد السبعينيات من القرن العشرين بشكل عام، وعلى الأصعدة الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية والتكنولوجية على حد سواء، من حالة جمود ثم حالة شيخوخة ارتبطت كثيرًا بشيخوخة القيادة السوفيتية الثلاثية (الترويكا) التي كانت قد أطاحت بالزعيم السوفيتي الراحل «خروتشوف» في عام 1964، وتكونت من كل من الراحلين «بريجنيف» و«بودجورنى» و«كوسيجين».
ويستند أصحاب هذه المقاربة إلى أنه بالرغم من الاختلافات العقائدية الجذرية بين النموذج والنظام السوفيتيين من جهة والنموذج والنظام الإيرانيين من جهة أخرى، فإن هناك عناصر مشتركة مهمة فيما بينهما من جهة مناهج التحليل السياسي، يأتي في مقدمتها ارتكاز كل منهما في الأساس على قاعدة أيديولوجية لها، أو كانت لها، شعبية واسعة وجاذبية عريضة وتمثل، أو مثلت، مصدر الشرعية الرئيسية له.
فيما يتعلق بالوضع الداخلي في إيران، فسيكون من العوامل المعززة لاحتمالات حدوث سيناريو الأفول التدريجي، عقب انتهاء الحرب الجارية، تمسك القيادة السياسية الإيرانية بنفس السياسات والممارسات والمناهج المتبعة في التعامل مع مطالب لقطاعات من الداخل الإيراني تستهدف تحقيق انفراجة سياسية واجتماعية وثقافية على صعيد الحريات، بما في ذلك ما يتعلق بالمرأة والأقليات الدينية والعرقية واللغوية والمذهبية، والحد من التدخلات في خصوصيات المواطنين وأمور حياتهم الشخصية والعائلية واحترام حقوق الإنسان وتوسيع الهامش المسموح به للتعددية السياسية ورفع القيود المفروضة على الترشح للانتخابات العامة وهى أمور كلها أو أغلبها سوف يستلزم مراجعات مهمة على صعيد صياغات الدستور والقوانين القائمة في البلاد.
ولكن الأوضاع الداخلية لا تقتصر على الجوانب السياسية والاجتماعية والثقافية فقط، بل تمتد بالضرورة لتشمل فلسفة واستراتيجية إدارة الاقتصاد الوطني، وإعطاء الاهتمام الواجب لاعتبارات رفع معدلات الكفاءة والإنتاجية والتخصص والاستعانة بأهل الخبرة، بالإضافة إلى إدارة المؤسسات الاقتصادية على أسس تجمع بين الركائز الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك إيلاء الاهتمام اللازم لمهام محاربة الفساد وضمان الشفافية والقدرة على المحاسبة، وتحقيق التوازن فيما بين القطاعات الاقتصادية المختلفة.
كذلك يندرج تحت مظلة الأوضاع الداخلية موضوع في غاية الأهمية وهو أنشطة البحث العلمي والتطوير التكنولوجي، والتي يجب أن يتم الاهتمام بها وتخصيص الموارد لها، ليس فقط فيما يخص المجالات العسكرية، بل أيضًا في المجالات المدنية من اقتصادية واجتماعية وتعليمية وثقافية، بما يسهم في إنهاض الإمكانات والطاقات العامة للاقتصاد ورفع القدرة على القيام بعمليات الصيانة من جهة والإحلال والتجديد من جهة أخرى.
لعل من أهم العوامل التي ستؤثر في احتمالات التغيير في إيران هو ما ستسفر عنه الحرب الجارية من ترتيبات فيما يتعلق بمطالب اقتصادية طرحتها إيران ضمن ما يمكن اعتباره شروطها لإنهاء الحرب الجارية على نحو شامل وكامل وغير قابل للتراجع عنه، ويشمل ذلك مطالب إيرانية متنوعة بشأن الإفراج عن كل الأرصدة الإيرانية المجمدة في الخارج، ورفع العقوبات الاقتصادية وتلك المتعلقة بالتعاون معها في البحوث العلمية وفي توريد أو نقل أو تطوير التكنولوجيا بشكل كامل، ورفع القيود المفروضة على التبادل التجاري مع إيران وعلى استيراد المنتجات النفطية منها، ، وستحدد مدى وحجم الاستجابة لهذه الطلبات/ الشروط الإيرانية أو بعضها، بدرجة أو بأخرى، قدرة النظام الإيراني على تجاوز حالات من السخط الداخلي على سياساته الاقتصادية والاجتماعية، التي ظهرت في تظاهرات واحتجاجات يناير 2026.
كذلك فإن إدارة القيادة السياسية الإيرانية لعلاقات البلاد مع البلدان المجاورة سيكون له دور إما في تعزيز التدفقات الاقتصادية إلى البلاد وفي تحصينها، وكل ذلك بحسب طبيعة توجهات السياسة الخارجية الإيرانية على المستوى الإقليمي، كذلك فإن دور العلاقات الإيرانية مع الدول الرئيسية في الأقاليم التي تنتمى إليها إيران بشكل مباشر وتمثل دوائر تحركها الدبلوماسي مثل المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر وباكستان والهند، ومستقبل أنماط علاقاتها وتعاملاتها مع الحركات الحليفة لها في المنطقة، وأيضًا طبيعة الاستراتيجية التي سوف تتبناها تجاه إسرائيل، كل ذلك سيكون له دور في تحديد إذا ما كانت نهاية الحرب الجارية تفيد النموذج والنظام الإيرانيين أم تؤدي إلى تراجعهما.
وعلى صعيد العلاقات الدولية، فإن النتائج المترتبة على الحرب الحالية بشأن البرنامج النووي الإيراني سيكون لها انعكاسات بالغة الدلالة على الصورة الذهنية والمكانة للنظام الإيراني في الداخل والخارج على حد سواء، ومن ثم على قدرته على السيطرة والحصول على الشرعية داخليًا ومصداقية أدواته خارجيًا، إلا أن الأمر لن يتوقف على مسألة الملف الإيراني فقط، بل سيشمل كيفية إدارة علاقات إيران بكفاءة مع الأطراف الدولية المؤثرة، بما فيها بالطبع الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن بما يشمل أيضًا روسيا والصين والاتحاد الأوروبي واليابان وغيرها من أطراف دولية مؤثرة ومهمة.
وختامًا، فيتعين علينا إدراك أنه إذا تحقق سيناريو الأفول التدريجي للنموذج والنظام الإيرانيين بالحال التي هما عليها اليوم، فالأثر لن يقتصر على إيران، بل سيتجاوزها وستكون التداعيات عميقة على صعيد عديد من دول المنطقة وعلى مجمل الوضع الإقليمي.
{ كاتب ودبلوماسي سابق

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك