العدد : ١٧٦١٥ - الاثنين ١٥ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦١٥ - الاثنين ١٥ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

طفل لا تعرفه الاتفاقيات الدولية

بقلم: نبيلة رجب

الاثنين ١٥ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

كتبت‭ ‬اتفاقيات‭ ‬العمل‭ ‬الدولية‭ ‬تعريفاتها‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬واضحة‭ ‬فيه‭ ‬ملامح‭ ‬المستغِل‭ ‬والضحية‭. ‬لكن‭ ‬ثمة‭ ‬حالة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬حسبان‭ ‬تلك‭ ‬التعريفات‭: ‬طفلٌ‭ ‬يجرُّ‭ ‬عربةً‭ ‬في‭ ‬الركامِ‭ ‬لأن‭ ‬أباه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬موجودًا‭.‬

في‭ ‬غزة‭ ‬يعمل‭ ‬الطفل‭ ‬لأن‭ ‬الحرب‭ ‬محت‭ ‬المعيل‭ ‬وأبقت‭ ‬الأسرة‭. ‬هذا‭ ‬عالم‭ ‬آخر،‭ ‬غائبة‭ ‬عنه‭ ‬كل‭ ‬المفردات‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬القوانين‭.‬

قبل‭ ‬غزة،‭ ‬كان‭ ‬الرقم‭ ‬وحده‭ ‬كافيا‭ ‬للصدمة‭. ‬مئة‭ ‬وثمانية‭ ‬وثلاثون‭ ‬مليون‭ ‬طفل‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬يعملون‭ ‬اليوم‭ ‬وفق‭ ‬تقرير‭ ‬مشترك‭ ‬بين‭ ‬منظمة‭ ‬العمل‭ ‬الدولية‭ ‬واليونيسف‭ ‬صدر‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬2025،‭ ‬نحو‭ ‬اثنين‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬خمسة‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬تصنفها‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬خطرة‭ ‬على‭ ‬صحتهم‭ ‬ونموهم‭. ‬إفريقيا‭ ‬جنوب‭ ‬الصحراء‭ ‬تحتضن‭ ‬النسبة‭ ‬الأكبر‭ ‬بسبعة‭ ‬وثمانين‭ ‬مليون‭ ‬طفل،‭ ‬أي‭ ‬ثلثا‭ ‬العدد‭ ‬العالمي،‭ ‬يعمل‭ ‬معظمهم‭ ‬في‭ ‬الزراعة‭.‬

وراء‭ ‬كل‭ ‬رقم‭ ‬منها‭ ‬طفل‭ ‬ترك‭ ‬المدرسة‭ ‬لأن‭ ‬أسرته‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬الاستغناء‭ ‬عما‭ ‬يجنيه،‭ ‬أو‭ ‬لأن‭ ‬المدرسة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موجودة‭ ‬أصلاً‭. ‬والتقرير‭ ‬نفسه‭ ‬يكشف‭ ‬أن‭ ‬معدل‭ ‬عمالة‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬النزاعات‭ ‬يبلغ‭ ‬أربعة‭ ‬أضعاف‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الآمنة‭.‬

هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الفقر‭ ‬يمكن‭ ‬تتبعه‭ ‬وقياسه‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬معالجته،‭ ‬وقد‭ ‬بنت‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬حوله‭ ‬منظومة‭ ‬كاملة‭ ‬من‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬والبرامج‭ ‬والأيام‭ ‬العالمية‭. ‬لكن‭ ‬الفقر‭ ‬الذي‭ ‬تصنعه‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬يشبه‭ ‬الفقر‭ ‬الذي‭ ‬تعرفه‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭.‬

في‭ ‬عام‭ ‬2015‭ ‬تعهد‭ ‬العالم‭ ‬بالقضاء‭ ‬على‭ ‬عمالة‭ ‬الأطفال‭ ‬بحلول‭ ‬2025‭. ‬جاء‭ ‬العام‭ ‬ومضى،‭ ‬والهدف‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭. ‬التقرير‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬منظمة‭ ‬العمل‭ ‬الدولية‭ ‬واليونيسف‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬الوصول‭ ‬إليه‭ ‬يتطلب‭ ‬وتيرة‭ ‬أسرع‭ ‬بأحد‭ ‬عشر‭ ‬مرة‭ ‬مما‭ ‬هو‭ ‬قائم‭ ‬اليوم‭.‬

هذا‭ ‬الإخفاق‭ ‬وحده‭ ‬يستحق‭ ‬وقفة،‭ ‬لكن‭ ‬الأخطر‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬الحسابات‭ ‬والخطط‭ ‬والبرامج‭ ‬بُنيت‭ ‬على‭ ‬افتراض‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يسير‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬واحد‭. ‬الحروب‭ ‬لم‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬المعادلة‭ ‬بوصفها‭ ‬متغيراً‭ ‬يعيد‭ ‬رسم‭ ‬المشهد‭ ‬من‭ ‬الأساس‭. ‬في‭ ‬غزة‭ ‬وحدها،‭ ‬ستمئة‭ ‬وستون‭ ‬ألف‭ ‬طفل‭ ‬خارج‭ ‬المدرسة‭ ‬للعام‭ ‬الدراسي‭ ‬الثالث‭ ‬على‭ ‬التوالي‭. ‬لم‭ ‬يصنفهم‭ ‬أحد‭ ‬عمالاً،‭ ‬ولم‭ ‬يحسبهم‭ ‬أحد‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬إحصاء‭.‬

اتفاقية‭ ‬حقوق‭ ‬الطفل‭ ‬التي‭ ‬أقرتها‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬عام‭ ‬1989‭ ‬هي‭ ‬الأكثر‭ ‬توقيعاً‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬المعاهدات‭ ‬الدولية‭. ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬لكل‭ ‬طفل‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬والحماية‭ ‬واللعب‭ ‬والنمو‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬آمنة‭. ‬لكن‭ ‬الحقوق‭ ‬المكتوبة‭ ‬لا‭ ‬تقرأها‭ ‬الطائرات‭. ‬منذ‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭ ‬قُتل‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭. ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬التوقيع‭ ‬لم‭ ‬يحم‭ ‬أيا‭ ‬منهم‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الحقوق‭ ‬لا‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬صاحبها‭ ‬إلا‭ ‬عبر‭ ‬مؤسسات،‭ ‬مدرسة‭ ‬تُعلّم،‭ ‬وأسرة‭ ‬تحمي،‭ ‬ودولة‭ ‬تضمن‭. ‬حين‭ ‬تُمحى‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬جميعها‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة،‭ ‬يبقى‭ ‬الحق‭ ‬معلقاً‭ ‬في‭ ‬نص‭ ‬لا‭ ‬يعرفه‭ ‬من‭ ‬كُتب‭ ‬من‭ ‬أجله‭.‬

في‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬يونيو‭ ‬تحتفل‭ ‬شعوب‭ ‬كثيرة‭ ‬بيوم‭ ‬الطفل،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬قد‭ ‬خصصت‭ ‬العشرين‭ ‬من‭ ‬نوفمبر‭ ‬لهذا‭ ‬اليوم‭ ‬رسمياً،‭ ‬وفي‭ ‬الثاني‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬يونيو‭ ‬يُحيي‭ ‬العالم‭ ‬يوم‭ ‬مكافحة‭ ‬عمالة‭ ‬الأطفال‭. ‬أحد‭ ‬عشر‭ ‬يوماً‭ ‬تفصل‭ ‬بينهما،‭ ‬وطفل‭ ‬واحد‭ ‬يجمعهما‭.‬

الأيام‭ ‬العالمية‭ ‬ليست‭ ‬بلا‭ ‬قيمة‭. ‬هي‭ ‬تضغط‭ ‬على‭ ‬الحكومات،‭ ‬وتحرك‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬وتُبقي‭ ‬القضايا‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬النقاش‭. ‬لكنها‭ ‬صُممت‭ ‬لعالم‭ ‬تعمل‭ ‬فيه‭ ‬المؤسسات‭ ‬ولو‭ ‬بحدها‭ ‬الأدنى‭. ‬يوم‭ ‬الطفل‭ ‬العالمي‭ ‬ويوم‭ ‬مكافحة‭ ‬عمالة‭ ‬الأطفال‭ ‬يفترضان‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬طفلاً‭ ‬يمكن‭ ‬الوصول‭ ‬إليه،‭ ‬ومدرسة‭ ‬يمكن‭ ‬إعادته‭ ‬إليها،‭ ‬وسلطة‭ ‬يمكن‭ ‬محاسبتها‭. ‬عندما‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الشروط،‭ ‬تصبح‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬طقس‭ ‬سنوي‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬تغيير‭. ‬وحين‭ ‬تجتمع‭ ‬في‭ ‬المرء‭ ‬عين‭ ‬القانونية‭ ‬وقلب‭ ‬الأم،‭ ‬يصعب‭ ‬قراءة‭ ‬هذه‭ ‬البيانات‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتساءل‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬العالم‭ ‬يحتفل‭ ‬فعلاً،‭ ‬أم‭ ‬يُخفف‭ ‬وطأة‭ ‬ذنبه‭ ‬بحفلة‭ ‬سنوية‭.‬

اتفاقية‭ ‬منظمة‭ ‬العمل‭ ‬الدولية‭ ‬رقم‭ ‬182‭ ‬تُدرج‭ ‬استخدام‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬ضمن‭ ‬أسوأ‭ ‬أشكال‭ ‬عمالة‭ ‬الأطفال،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬تعني‭ ‬تجنيدهم‭ ‬مقاتلين‭ ‬أو‭ ‬استخدامهم‭ ‬في‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭. ‬وهذا‭ ‬تقدم‭ ‬قانوني‭ ‬حقيقي‭ ‬لا‭ ‬يُنكر‭. ‬لكن‭ ‬الاتفاقية‭ ‬صِيغت‭ ‬لمعالجة‭ ‬الاستغلال‭ ‬المقصود،‭ ‬حيث‭ ‬يوجد‭ ‬طرف‭ ‬يستخدم‭ ‬الطفل‭ ‬لغرض‭ ‬محدد‭.‬

أما‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬تمحو‭ ‬الأب‭ ‬والأم‭ ‬والمدرسة‭ ‬والحي‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة،‭ ‬فلا‭ ‬أحد‭ ‬يستخدم‭ ‬الطفل،‭ ‬لكنه‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬معيلاً‭ ‬لأسرة‭ ‬بقيت‭ ‬دون‭ ‬سند‭. ‬لا‭ ‬يقع‭ ‬هذا‭ ‬تحت‭ ‬بند‭ ‬التجنيد،‭ ‬ولا‭ ‬تحت‭ ‬بند‭ ‬الاستغلال‭. ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬تقع‭ ‬خارج‭ ‬كل‭ ‬تعريف،‭ ‬وخارج‭ ‬كل‭ ‬مظلة‭ ‬حماية‭.‬

في‭ ‬مكان‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬غزة،‭ ‬طفل‭ ‬يجرّ‭ ‬عربته‭ ‬اليوم‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬خصص‭ ‬يوماً‭ ‬للاحتفاء‭ ‬بطفولته،‭ ‬ويوماً‭ ‬آخر‭ ‬لمكافحة‭ ‬عمالته‭. ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬ولا‭ ‬الأهداف‭ ‬ولا‭ ‬البيانات‭. ‬يعرف‭ ‬فقط‭ ‬البحث‭ ‬بكل‭ ‬وسيلة‭ ‬ممكنة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬الماء‭.‬

 

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا