كتبت اتفاقيات العمل الدولية تعريفاتها في عالم واضحة فيه ملامح المستغِل والضحية. لكن ثمة حالة لم تكن في حسبان تلك التعريفات: طفلٌ يجرُّ عربةً في الركامِ لأن أباه لم يعد موجودًا.
في غزة يعمل الطفل لأن الحرب محت المعيل وأبقت الأسرة. هذا عالم آخر، غائبة عنه كل المفردات التي تعرفها القوانين.
قبل غزة، كان الرقم وحده كافيا للصدمة. مئة وثمانية وثلاثون مليون طفل في العالم يعملون اليوم وفق تقرير مشترك بين منظمة العمل الدولية واليونيسف صدر في يونيو 2025، نحو اثنين من كل خمسة منهم في أعمال تصنفها الأمم المتحدة خطرة على صحتهم ونموهم. إفريقيا جنوب الصحراء تحتضن النسبة الأكبر بسبعة وثمانين مليون طفل، أي ثلثا العدد العالمي، يعمل معظمهم في الزراعة.
وراء كل رقم منها طفل ترك المدرسة لأن أسرته لا تستطيع الاستغناء عما يجنيه، أو لأن المدرسة لم تكن موجودة أصلاً. والتقرير نفسه يكشف أن معدل عمالة الأطفال في مناطق النزاعات يبلغ أربعة أضعاف ما هو عليه في المناطق الآمنة.
هذا النوع من الفقر يمكن تتبعه وقياسه والعمل على معالجته، وقد بنت الأمم المتحدة حوله منظومة كاملة من الاتفاقيات والبرامج والأيام العالمية. لكن الفقر الذي تصنعه الحرب لا يشبه الفقر الذي تعرفه كل هذه المنظومة.
في عام 2015 تعهد العالم بالقضاء على عمالة الأطفال بحلول 2025. جاء العام ومضى، والهدف لم يتحقق. التقرير المشترك بين منظمة العمل الدولية واليونيسف يقول إن الوصول إليه يتطلب وتيرة أسرع بأحد عشر مرة مما هو قائم اليوم.
هذا الإخفاق وحده يستحق وقفة، لكن الأخطر منه أن كل الحسابات والخطط والبرامج بُنيت على افتراض أن العالم يسير في اتجاه واحد. الحروب لم تدخل في المعادلة بوصفها متغيراً يعيد رسم المشهد من الأساس. في غزة وحدها، ستمئة وستون ألف طفل خارج المدرسة للعام الدراسي الثالث على التوالي. لم يصنفهم أحد عمالاً، ولم يحسبهم أحد في أي إحصاء.
اتفاقية حقوق الطفل التي أقرتها الأمم المتحدة عام 1989 هي الأكثر توقيعاً في تاريخ المعاهدات الدولية. تقول إن لكل طفل الحق في التعليم والحماية واللعب والنمو في بيئة آمنة. لكن الحقوق المكتوبة لا تقرأها الطائرات. منذ أكتوبر 2023 قُتل في غزة عشرات الآلاف من الأطفال. كل هذا التوقيع لم يحم أيا منهم. لكن هذه الحقوق لا تصل إلى صاحبها إلا عبر مؤسسات، مدرسة تُعلّم، وأسرة تحمي، ودولة تضمن. حين تُمحى هذه المؤسسات جميعها دفعة واحدة، يبقى الحق معلقاً في نص لا يعرفه من كُتب من أجله.
في الأول من يونيو تحتفل شعوب كثيرة بيوم الطفل، وإن كانت الأمم المتحدة قد خصصت العشرين من نوفمبر لهذا اليوم رسمياً، وفي الثاني عشر من يونيو يُحيي العالم يوم مكافحة عمالة الأطفال. أحد عشر يوماً تفصل بينهما، وطفل واحد يجمعهما.
الأيام العالمية ليست بلا قيمة. هي تضغط على الحكومات، وتحرك الرأي العام، وتُبقي القضايا حاضرة في النقاش. لكنها صُممت لعالم تعمل فيه المؤسسات ولو بحدها الأدنى. يوم الطفل العالمي ويوم مكافحة عمالة الأطفال يفترضان أن ثمة طفلاً يمكن الوصول إليه، ومدرسة يمكن إعادته إليها، وسلطة يمكن محاسبتها. عندما لا يتحقق أي من هذه الشروط، تصبح هذه الأيام أقرب إلى طقس سنوي منها إلى أداة تغيير. وحين تجتمع في المرء عين القانونية وقلب الأم، يصعب قراءة هذه البيانات دون أن تتساءل إن كان العالم يحتفل فعلاً، أم يُخفف وطأة ذنبه بحفلة سنوية.
اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 182 تُدرج استخدام الأطفال في النزاعات المسلحة ضمن أسوأ أشكال عمالة الأطفال، وهي في ذلك تعني تجنيدهم مقاتلين أو استخدامهم في العمليات العسكرية. وهذا تقدم قانوني حقيقي لا يُنكر. لكن الاتفاقية صِيغت لمعالجة الاستغلال المقصود، حيث يوجد طرف يستخدم الطفل لغرض محدد.
أما الحرب التي تمحو الأب والأم والمدرسة والحي دفعة واحدة، فلا أحد يستخدم الطفل، لكنه يجد نفسه معيلاً لأسرة بقيت دون سند. لا يقع هذا تحت بند التجنيد، ولا تحت بند الاستغلال. هذه الحالة تقع خارج كل تعريف، وخارج كل مظلة حماية.
في مكان ما من غزة، طفل يجرّ عربته اليوم دون أن يعرف أن العالم خصص يوماً للاحتفاء بطفولته، ويوماً آخر لمكافحة عمالته. لا يعرف الاتفاقيات ولا الأهداف ولا البيانات. يعرف فقط البحث بكل وسيلة ممكنة من أجل أن يجد الماء.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك