العدد : ١٧٦١٦ - الثلاثاء ١٦ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦١٦ - الثلاثاء ١٦ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

هواجس الحرب العالمية الثانية في العقلية الأوروبية

بقلم: حيّان جابر

الثلاثاء ١٦ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬حدث‭ ‬بارز‭ ‬ومفصلي‭ ‬في‭ ‬الترتيبات‭ ‬التي‭ ‬أفضت‭ ‬إلى‭ ‬تكوين‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬الحالي،‭ ‬نظام‭ ‬الهيمنة‭ ‬الإمبريالية‭ ‬في‭ ‬طورَيه‭: ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬الثنائية‭ ‬القطبية،‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬القطب‭ ‬السوفييتي،‭ ‬وفي‭ ‬ظلّ‭ ‬الأحادية‭ ‬القطبية‭ ‬العالمية،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬المطلقة‭ ‬بعد‭ ‬تفكّك‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬وحتّى‭ ‬صعود‭ ‬مرحلة‭ ‬التنافس‭ ‬العالمي‭ ‬وتعدّد‭ ‬المراكز،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭.‬

لذلك‭ ‬ونظراً‭ ‬إلى‭ ‬مركزية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬القائم،‭ ‬نشهد‭ ‬استعادة‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أنماط‭ ‬عديدة،‭ ‬منها‭ ‬فنّياً‭ ‬عبر‭ ‬عشرات‭ (‬بل‭ ‬ربّما‭ ‬مئات‭) ‬الأعمال‭ ‬الفنّية‭ ‬السينمائية‭ ‬التي‭ ‬تعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬الرواية‭ ‬نفسها،‭ ‬قوى‭ ‬الخير‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬قوى‭ ‬الظلام‭ ‬النازية،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬تقديس‭ ‬المقاتلين‭ ‬الذين‭ ‬واجهوا‭ ‬الجيش‭ ‬النازي،‭ ‬كما‭ ‬نشهدها‭ ‬في‭ ‬مئات‭ ‬المعارض‭ ‬والمتاحف‭ ‬التي‭ ‬تعيد‭ ‬تلك‭ ‬الذكرى‭ ‬ومعانيها،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬إحيائها‭ ‬السنوي‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الغربية،‭ ‬واستعادتها‭ ‬سياسياً‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬حديث‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬عنها،‭ ‬حين‭ ‬سعى‭ ‬إلى‭ ‬ابتزاز‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬وفي‭ ‬مقدّمتها‭ ‬بريطانيا‭ ‬بقوله‭: ‬‮«‬لولا‭ ‬أمريكا‭ ‬لكانوا‭ ‬يتحدّثون‭ ‬الألمانية‮»‬‭.‬

إذاً‭ ‬تمثّل‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬لحظة‭ ‬مفصلية‭ ‬وحدثاً‭ ‬مركزياً‭ ‬يمكن‭ ‬الاستشهاد‭ ‬به،‭ ‬واستعادته‭ ‬وإسقاطه‭ ‬على‭ ‬الحاضر،‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬يطرح‭ ‬المقال‭ ‬سؤالاً‭ ‬مجازياً‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬السخرية‭: ‬ما‭ ‬طبيعة‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬لو‭ ‬استسلمت‭ ‬أوروبا‭ ‬للقوّة‭ ‬الألمانية‭ ‬الساحقة؟‭ ‬فكما‭ ‬هو‭ ‬معروف‭ ‬للقاصي‭ ‬والداني،‭ ‬فقد‭ ‬خلّف‭ ‬العدوان‭ ‬النازي‭ ‬على‭ ‬أوروبا‭ ‬دماراً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬وضحايا‭ ‬كثيرين‭ ‬بين‭ ‬المدنيين‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬والأطفال‭ ‬وكبار‭ ‬السن‭ ‬والرجال‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬قتلى‭ ‬القوات‭ ‬المسلّحة‭ ‬النظامية‭ ‬وغير‭ ‬النظامية،‭ ‬إذ‭ ‬قُدّرت‭ ‬خسائر‭ ‬أوروبا‭ ‬البشرية‭ ‬بنحو‭ ‬40‭ ‬مليون‭ ‬قتيل‭ ‬من‭ ‬المدنيين‭ ‬والعسكريين‭ (‬بعض‭ ‬المصادر‭ ‬تُقدّر‭ ‬عدد‭ ‬القتلى‭ ‬بالضعف‭)‬،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ملايين‭ ‬اللاجئين‭ ‬والمشرّدين،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬دمار‭ ‬اقتصادي‭ ‬دفع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬إطلاق‭ ‬خطة‭ ‬مارشال‭ ‬لإنقاذ‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬انقسام‭ ‬جيوسياسي‭ ‬بين‭ ‬معسكرين‭ ‬غربي‭ ‬وشرقي،‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬الخسائر‭ ‬الأخرى‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الكفاءات‭ ‬العلمية‭ ‬والتقنية‭ ‬والبنى‭ ‬التحتية،‭ ‬إذ‭ ‬قدّر‭ ‬أستاذ‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السويدي‭ ‬سيلفرستولبه‭ ‬الخسائر‭ ‬المادية‭ ‬لجميع‭ ‬البلدان‭ (‬بما‭ ‬فيها‭ ‬ألمانيا‭ ‬واليابان‭) ‬بما‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬100‭- ‬200‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬اليوم‭ ‬قرابة‭ ‬7‭.‬5‭ ‬تريليونات‭ ‬يورو‭ ‬وفقاً‭ ‬للمؤرّخين‭.‬

على‭ ‬سبيل‭ ‬الذكر،‭ ‬تكبّدت‭ ‬فرنسا‭ ‬نحو‭ ‬212‭ ‬ألف‭ ‬قتيل‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬جيشها،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬نحو‭ ‬350‭ ‬ألفاً‭ ‬ضمن‭ ‬صفوف‭ ‬المدنيين،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬إصابة‭ ‬نحو‭ ‬400‭ ‬ألف‭ ‬جندي‭ (‬بخلاف‭ ‬الإصابات‭ ‬بين‭ ‬المدنيين‭)‬،‭ ‬وأسر‭ ‬نحو‭ ‬1‭.‬5‭ ‬مليون‭ ‬جندي‭ ‬فرنسي‭. ‬فقد‭ ‬تكبّدت‭ ‬فرنسا‭ ‬وأوروبا‭ ‬خسائر‭ ‬فادحة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬ألمانيا‭ ‬النازية،‭ ‬باستثناء‭ ‬الدنمارك‭ ‬التي‭ ‬اختارت‭ ‬سبيل‭ ‬الاستسلام‭ ‬التامّ‭ ‬والمطلق‭ ‬لتجنّب‭ ‬الخسائر‭ ‬المادّية‭ ‬والبشرية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تحقّق‭ ‬نسبياً‭ ‬مقارنة‭ ‬بالخسائر‭ ‬البريطانية‭ ‬والفرنسية‭ ‬وسواهما‭ ‬من‭ ‬خسائر‭ ‬سائر‭ ‬دول‭ ‬أوروبا،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬خسائر‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الخسائر‭ ‬الآسيوية‭.‬

وعلى‭ ‬صعيد‭ ‬الزمن،‭ ‬امتدّت‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬1939‭ ‬حتّى‭ ‬سبتمبر‭ ‬1945،‭ ‬أي‭ ‬نحو‭ ‬ستّة‭ ‬أعوام‭ ‬من‭ ‬الصدام‭ ‬والمواجهة‭ ‬المباشرة‭ ‬وغير‭ ‬المباشرة،‭ ‬بما‭ ‬تخلّلها‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬مقاومة‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬سقطت‭ ‬تحت‭ ‬السيطرة‭ ‬الألمانية‭ ‬المباشرة،‭ ‬ما‭ ‬استجلب‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬أصواتاً‭ ‬تطالب‭ ‬بالاستسلام‭ ‬المطلق‭ ‬للرغبة‭ ‬الألمانية‭ ‬النازية‭ ‬وسيطرتها،‭ ‬كما‭ ‬تجلّى‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الدنمارك،‭ ‬وفي‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلّية‭ ‬التي‭ ‬عيّنها‭ ‬المحتلّ‭ ‬النازي،‭ ‬وأشهرها‭ ‬حكومة‭ ‬‮«‬فيشي‮»‬‭ ‬الفرنسية‭.‬

بناءً‭ ‬عليه،‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬خطاب‭ ‬الاستسلام‭ ‬للقوّة‭ ‬الغاشمة‭ ‬خطاباً‭ ‬محدثاً،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مكرّر‭ ‬تاريخياً،‭ ‬يستتر‭ ‬خلف‭ ‬طيف‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬التيّارات‭ ‬منها‭ ‬تيّارات‭ ‬عميلة‭ ‬تتخفى‭ ‬خلف‭ ‬خطاب‭ ‬يوصف‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حقّ‭ ‬بالواقعي،‭ ‬الذي‭ ‬يقيس‭ ‬الأحداث‭ ‬كمّاً،‭ ‬ليحدّد‭ ‬أن‭ ‬التفوّق‭ ‬العسكري‭ ‬الساحق‭ ‬يعني‭ ‬حتماً‭ ‬سيطرة‭ ‬أمنية‭ ‬وعسكرية‭ ‬واقتصادية‭ ‬وسياسية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬تعكس‭ ‬ميزان‭ ‬القوّة‭ ‬الفجّة‭ ‬فقط،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يهمل‭ ‬نواحي‭ ‬أخرى‭ ‬للقوّة،‭ ‬يستحيل‭ ‬قياسها‭ ‬بمدى‭ ‬الصواريخ‭ ‬وقوتها‭ ‬التفجيرية،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬طول‭ ‬النَفَس‭ ‬النضالي،‭ ‬وامتداد‭ ‬المعارك،‭ ‬وتنامي‭ ‬مشاعر‭ ‬العداء‭ ‬والكراهية‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬تمادي‭ ‬المحتلّ‭ ‬في‭ ‬الظلم‭ ‬والاستغلال‭ ‬والإذلال،‭ ‬وبالتالي،‭ ‬في‭ ‬توسّع‭ ‬المقاومة‭ ‬أفقياً‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬المساحة‭ ‬الجغرافية،‭ ‬وكمّاً‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬التعداد‭ ‬البشري،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬التكتيك‭ ‬العسكري‭ ‬والعوامل‭ ‬الجغرافية،‭ ‬بل‭ ‬حتّى‭ ‬العوامل‭ ‬المناخية‭ ‬والصحية،‭ ‬وعشرات‭ ‬العوامل‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬تؤدّي‭ ‬مجتمعة‭ ‬إلى‭ ‬هزيمة‭ ‬القوّة‭ ‬الساحقة‭ ‬تحت‭ ‬ضربات‭ ‬المقاومة،‭ ‬وهو‭ ‬تماماً‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬النازية‭ ‬التي‭ ‬ساهمت‭ ‬عوامل‭ ‬عديدة‭ ‬في‭ ‬هزيمتها،‭ ‬منها‭ ‬تنامي‭ ‬الفعل‭ ‬المقاوم‭ ‬أوروبياً‭ ‬وآسيوياً،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬عوامل‭ ‬طبيعية،‭ ‬منها‭ ‬المناخ‭ ‬الروسي‭ ‬القاسي،‭ ‬وكذلك‭ ‬التململ‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬الجيش‭ ‬الألماني،‭ ‬والإرهاق،‭ ‬والثقة‭ ‬المفرطة‭ ‬بالقوّة‭ ‬المطلقة‭ ‬والصرفة‭.‬

ويحقّ‭ ‬لنا‭ ‬التساؤل‭: ‬هل‭ ‬كانت‭ ‬مقاومة‭ ‬النازية‭ ‬غير‭ ‬أخلاقية؟‭ ‬لأنّها‭ ‬أهملت‭ ‬أو‭ ‬تعامت‭ ‬عن‭ ‬حجم‭ ‬الخسائر‭ ‬البشرية‭ ‬والمادية‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬العدوان‭ ‬النازي،‭ ‬كما‭ ‬يحلو‭ ‬للانهزاميين‭ ‬القول‭ ‬اليوم‭ ‬بحقّ‭ ‬مقاومة‭ ‬المعتديَين‭ ‬الصهيوني‭ ‬والأمريكي؟‭ ‬طبعاً‭ ‬لا‭ ‬يحلو‭ ‬هذا‭ ‬التشبيه‭ ‬للتيار‭ ‬الانهزامي‭ ‬رغم‭ ‬واقعية‭ ‬التشبيه،‭ ‬إذ‭ ‬لطالما‭ ‬مارست‭ ‬قوى‭ ‬الاحتلال‭ ‬السلوك‭ ‬نفسه،‭ ‬من‭ ‬الحصار‭ ‬والتدمير‭ ‬والقتل‭ ‬سبيلاً‭ ‬وحيداً‭ ‬لفرض‭ ‬سيطرتها‭ ‬وممارسة‭ ‬استغلالها‭ ‬الفجّ‭ ‬والمباشر‭.‬

من‭ ‬هنا؛‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬خطاب‭ ‬الاستسلام‭ ‬المنتشر‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأوساط‭ ‬مختلفاً‭ ‬عن‭ ‬نظيره‭ ‬المنتشر‭ ‬في‭ ‬خضمّ‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬التاريخ‭ ‬قد‭ ‬أثبت‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭ ‬المصيرية،‭ ‬وفي‭ ‬سواها‭ ‬من‭ ‬معارك‭ ‬لمجابهة‭ ‬قوى‭ ‬الظلم‭ ‬والاستغلال‭ ‬والاحتلال‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬تاريخ‭ ‬منطقتنا‭ ‬نفسه،‭ ‬أنّ‭ ‬تمادي‭ ‬قوّة‭ ‬الاحتلال‭ ‬في‭ ‬إجرامها‭ ‬لا‭ ‬يضمن‭ ‬لها‭ ‬سيطرتها‭ ‬حتّى‭ ‬لو‭ ‬تصاعدت‭ ‬الأصوات‭ ‬الانهزامية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يضمن‭ ‬توسّع‭ ‬قاعدة‭ ‬معارضيها‭ ‬ومقاوميها‭ ‬حتّى‭ ‬فنائها‭ ‬واندحارها‭ ‬الحتمي‭.‬

كما‭ ‬يُثبت‭ ‬التاريخ،‭ ‬بما‭ ‬فيه‭ ‬تاريخ‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬أنّ‭ ‬مقاومة‭ ‬قوى‭ ‬الظلام‭ ‬والاستغلال‭ ‬والقتل‭ ‬والإجرام‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تمثّل‭ ‬نقيضاً‭ ‬مطلقاً‭ ‬وصرفاً‭ ‬أخلاقياً‭ ‬لها،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬مقاومتها‭ ‬في‭ ‬جغرافية‭ ‬ما‭ ‬وفي‭ ‬لحظة‭ ‬تاريخية‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬نقيضها‭ ‬الأخلاقي،‭ ‬بغضّ‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬سلوكها‭ ‬السابق‭ ‬للمقاومة،‭ ‬وأحياناً‭ ‬سلوكها‭ ‬الموازي‭ ‬للمقاومة‭ ‬في‭ ‬جغرافية‭ ‬أخرى‭.‬

وبمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬فإنّ‭ ‬مقاومة‭ ‬النازية‭ ‬في‭ ‬حينها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬دوماً‭ ‬نقيضاً‭ ‬أخلاقياً‭ ‬صرفاً‭ ‬للنازية،‭ ‬فمن‭ ‬تلك‭ ‬المقاومة‭ ‬مجرمون‭ ‬جنائيون‭ ‬انضمّوا‭ ‬إلى‭ ‬المقاومة‭ (‬قوانين‭ ‬تعليق‭ ‬العقوبات‭ ‬والعفو‭ ‬المشروط‭)‬،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬جيوش‭ ‬الدول‭ ‬الاستعمارية،‭ ‬التي‭ ‬مارست‭ ‬الإجرام‭ ‬في‭ ‬مستعمراتها‭ ‬الإفريقية‭ ‬والآسيوية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدّمتها‭ ‬جيوش‭ ‬فرنسا‭ ‬وبريطانيا‭ ‬وهولندا‭ ‬وإسبانيا‭ ‬وإيطاليا‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتورّع‭ ‬عن‭ ‬إبادة‭ ‬آلاف،‭ ‬بل‭ ‬ملايين،‭ ‬المدنيين‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬احتلتها‭ ‬قبل‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُعدّ‭ ‬تقاطعاً‭ ‬أخلاقياً‭ ‬مع‭ ‬أخلاق‭ ‬النازية‭ ‬التي‭ ‬أجرمت‭ ‬بحقّ‭ ‬ملايين‭ ‬البشر‭ ‬تماماً،‭ ‬كما‭ ‬أجرمت‭ ‬قوى‭ ‬الاحتلال‭  ‬الأوروبية‭ ‬الأخرى‭ ‬بحقّ‭ ‬البشرية‭ ‬ذاتها،‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬اللون‭ ‬والعرق‭ ‬والدين‭ ‬والانتماء‭ ‬والمكان‭.‬

وعليه،‭ ‬فمقاومة‭ ‬المخطّطات‭ ‬الإجرامية‭ ‬الصهيو‭ ‬–‭ ‬أمريكية‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬حركات‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬مشروعة‭ ‬ومطلوبة‭ ‬لإفشال‭ ‬مخطّطات‭ ‬المعتدين‭ ‬المُعلَنة‭ ‬والمضمرة‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬بناء‭ ‬مستقبل‭ ‬أفضل‭ ‬للمنطقة؛‭ ‬بل‭ ‬ربّما‭ ‬للعالم‭ ‬أيضاً،‭ ‬كما‭ ‬أنّ‭ ‬تلك‭ ‬المقاومة‭ ‬المشروعة‭ ‬والمطلوبة‭ ‬لا‭ ‬تنفي‭ (‬ولا‭ ‬تلغي‭) ‬المسؤولية‭ ‬الجنائية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬عن‭ ‬أفعالٍ‭ ‬غير‭ ‬أخلاقية‭ ‬سبقت‭ ‬المقاومة‭ ‬أو‭ ‬حتّى‭ ‬رافقتها‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬سواء‭ ‬أكانت‭ ‬ممارسات‭ ‬فردية‭ ‬أم‭ ‬جماعية،‭ ‬فلكلّ‭ ‬فعلٍ‭ ‬مكانته‭ ‬والموقف‭ ‬منه،‭ ‬كما‭ ‬أنّ‭ ‬الفعل‭ ‬الانهزامي‭ ‬لا‭ ‬يصنع‭ ‬التاريخ،‭ ‬بل‭ ‬يؤخّره‭. ‬وعلى‭ ‬نقيضه،‭ ‬فإنّ‭ ‬الفعل‭ ‬المقاوم‭ (‬وخصوصاً‭ ‬المسلّح‭ ‬منه‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬فعل‭ ‬الاحتلال‭ ‬والاستغلال‭ ‬العنيف‭ ‬أصلاً‭)‬،‭ ‬ومراكمته،‭ ‬هو‭ ‬صانع‭ ‬التاريخ‭ ‬ومغيّره‭.‬

 

{‭ ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا