العدد : ١٧٦١٦ - الثلاثاء ١٦ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦١٦ - الثلاثاء ١٦ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

أحلامي المؤجلة.. عن كتب لم نقرأها بعد

بقلم: سعدية مفرح

الثلاثاء ١٦ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

كثيراً‭ ‬ما‭ ‬أقف‭ ‬أمام‭ ‬مكتبتي‭ ‬وأتساءل‭: ‬متى‭ ‬اشتريتُ‭ ‬هذه‭ ‬الكتب‭ ‬كلّها؟‭ ‬وكيف‭ ‬تسلّلت‭ ‬إلى‭ ‬الرفوف‭ ‬بهذا‭ ‬العدد‭ ‬الهائل‭ ‬حتّى‭ ‬صار‭ ‬بعضها‭ ‬يشيخ‭ ‬بصمت‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ألمسه؟‭ ‬ثمّ‭ ‬أضحك‭ ‬بيني‭ ‬وبين‭ ‬نفسي‭ ‬وأنا‭ ‬أتذكّر‭ ‬أنّني‭ ‬دخلت‭ ‬معرضاً‭ ‬لكتاب‭ ‬مرّة‭ ‬وفي‭ ‬ذهني‭ ‬عنوان‭ ‬واحد‭ ‬أبحث‭ ‬عنه،‭ ‬فخرجت‭ ‬محمّلةً‭ ‬بكيسين‭ ‬أو‭ ‬ثلاثة‭ ‬أكياس،‭ ‬وعدتُ‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬بشعور‭ ‬المنتصر‭ ‬الذي‭ ‬عثر‭ ‬على‭ ‬كنز‭ ‬نادر،‭ ‬مع‭ ‬أنّني‭ ‬كنت‭ ‬أعرف‭ ‬في‭ ‬قرارة‭ ‬نفسي‭ ‬أنّ‭ ‬معظم‭ ‬تلك‭ ‬الكتب‭ ‬سيبقى‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬دوره‭ ‬طويلاً‭.‬

في‭ ‬مكتبتي‭ ‬عشرات،‭ ‬وربّما‭ ‬مئات،‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬أقرأها‭ ‬بعد‭. ‬بعضها‭ ‬اشتريته‭ ‬قبل‭ ‬سنوات،‭ ‬وبعضها‭ ‬مازال‭ ‬يحتفظ‭ ‬بإشارات‭ ‬الأسعار‭ ‬على‭ ‬غلافه‭ ‬البلاستيكي،‭ ‬وبعضها‭ ‬لم‭ ‬أفتحه‭ ‬إلا‭ ‬لأقرأ‭ ‬مقدّمته‭ ‬أو‭ ‬فهرسه‭. ‬مع‭ ‬هذا،‭ ‬لا‭ ‬أشعر‭ ‬بالذنب‭ ‬كلّما‭ ‬وقعت‭ ‬عيناي‭ ‬عليها،‭ ‬لأنّ‭ ‬علاقتنا‭ ‬بالكتب‭ ‬أعقد‭ ‬قليلاً‭ ‬من‭ ‬العلاقة‭ ‬التقليدية‭ ‬بين‭ ‬قارئ‭ ‬وكتاب‭.‬

نحن‭ ‬لا‭ ‬نشتري‭ ‬الكتب‭ ‬دائماً‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬القراءة‭ ‬الفورية؛‭ ‬أحياناً‭ ‬نشتريها‭ ‬لأنّنا‭ ‬نحبّ‭ ‬الفكرة‭ ‬التي‭ ‬تمثّلها‭. ‬نقتني‭ ‬كتاباً‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬لأنّنا‭ ‬نرغب‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬نصبح‭ ‬أكثر‭ ‬تأمّلاً،‭ ‬ونشتري‭ ‬كتاباً‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬لأنّنا‭ ‬نخطّط‭ ‬ليوم‭ ‬سنملك‭ ‬فيه‭ ‬الوقت‭ ‬الكافي‭ ‬لفهم‭ ‬العالم‭ ‬بصورة‭ ‬أوسع،‭ ‬ونعود‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬برواية‭ ‬ضخمة‭ ‬لأنّنا‭ ‬نتخيّل‭ ‬أنفسنا‭ ‬في‭ ‬مساء‭ ‬هادئ‭ ‬نلتهم‭ ‬صفحاتها‭ ‬صفحة‭ ‬بعد‭ ‬أخرى‭. ‬الكتاب‭ ‬هنا‭ ‬يتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬وعد‭ ‬مؤجّل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أنّه‭ ‬مشروع‭ ‬قراءة‭ ‬عاجل‭.‬

وأظنّ‭ ‬أنّ‭ ‬كثيرين‭ ‬يعرفون‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭ ‬جيّداً؛‭ ‬شعور‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬كتاباً‭ ‬فتشعر‭ ‬بأنه‭ ‬يناديك،‭ ‬وبأنّ‭ ‬مكانه‭ ‬الطبيعي‭ ‬صار‭ ‬على‭ ‬رفّك‭ ‬الخاصّ،‭ ‬حتّى‭ ‬لو‭ ‬كنت‭ ‬منشغلاً‭ ‬بعشرة‭ ‬كتب‭ ‬أخرى‭. ‬هناك‭ ‬متعةٌ‭ ‬خالصة‭ ‬في‭ ‬الاقتناء‭ ‬نفسه،‭ ‬متعة‭ ‬لا‭ ‬تقلّ‭ ‬صدقاً‭ ‬عن‭ ‬متعة‭ ‬القراءة‭. ‬لحظة‭ ‬اختيار‭ ‬الكتاب‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬مئات‭ ‬العناوين،‭ ‬وتقليب‭ ‬صفحاته‭ ‬الأولى،‭ ‬وملامسة‭ ‬الورق،‭ ‬وتأمّل‭ ‬الغلاف،‭ ‬ثمّ‭ ‬حمله‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬كأنّك‭ ‬تضيف‭ ‬صديقاً‭ ‬جديداً‭ ‬إلى‭ ‬دائرتك‭ ‬الحميمة‭.‬

وقد‭ ‬قرأتُ‭ ‬مرّة‭ ‬فكرةً‭ ‬أعجبتني‭ ‬كثيراً،‭ ‬أنّ‭ ‬الكتب‭ ‬غير‭ ‬المقروءة‭ ‬ليست‭ ‬دليلاً‭ ‬على‭ ‬التقصير،‭ ‬وإنّما‭ ‬هي‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬الفضول‭. ‬فالرفّ‭ ‬الممتلئ‭ ‬بالكتب‭ ‬غير‭ ‬المقروءة‭ ‬يذكّرنا‭ ‬دائماً‭ ‬بأنّ‭ ‬ما‭ ‬نجهله‭ ‬أكثر‭ ‬ممّا‭ ‬نعرفه،‭ ‬وأنّ‭ ‬المعرفة‭ ‬رحلة‭ ‬مفتوحة‭ ‬لا‭ ‬قائمة‭ ‬مهام‭ ‬يجب‭ ‬إنجازها‭ ‬بالكامل‭. ‬وربّما‭ ‬لهذا‭ ‬السبب‭ ‬تبدو‭ ‬المكتبة‭ ‬الشخصية‭ ‬أكثر‭ ‬صدقاً‭ ‬حين‭ ‬تضمّ‭ ‬كتباً‭ ‬مقروءة‭ ‬وأخرى‭ ‬تنتظر،‭ ‬لأنّها‭ ‬تعكس‭ ‬ما‭ ‬أنجزناه‭ ‬وما‭ ‬نحلم‭ ‬بإنجازه‭ ‬معاً‭.‬

ومع‭ ‬السنوات،‭ ‬اكتشفت‭ ‬أنّ‭ ‬بعض‭ ‬الكتب‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تنضج‭ ‬في‭ ‬داخلنا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نقرأها‭. ‬هناك‭ ‬كتب‭ ‬اشتريتها‭ ‬في‭ ‬العشرينيّات‭ ‬من‭ ‬عمري،‭ ‬وما‭ ‬كنتُ‭ ‬لأفهمها‭ ‬لو‭ ‬قرأتها‭ ‬آنذاك،‭ ‬ثمّ‭ ‬عدت‭ ‬إليها‭ ‬بعد‭ ‬عقود‭ ‬فوجدتها‭ ‬تفتح‭ ‬أبواباً‭ ‬كاملةً‭ ‬في‭ ‬ذهني‭. ‬كأنّ‭ ‬الكتاب‭ ‬كان‭ ‬ينتظر‭ ‬القارئ‭ ‬المناسب،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬القارئ‭ ‬نسخةً‭ ‬مستقبليةً‭ ‬منّي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬قد‭ ‬وُلدت‭ ‬بعد‭. ‬لذلك‭ ‬فإنّ‭ ‬تأجيل‭ ‬القراءة‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬دائماً‭ ‬إهمال‭ ‬الكتاب،‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬أحياناً‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الرحلة‭ ‬الطبيعية‭ ‬بين‭ ‬النصّ‭ ‬وقارئه‭.‬

واللافت‭ ‬أنّ‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬نقرأها‭ ‬تمنحنا‭ ‬نوعاً‭ ‬خاصّاً‭ ‬من‭ ‬الطمأنينة‭. ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬أنّها‭ ‬موجودة‭. ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تمتدّ‭ ‬أيدينا‭ ‬إليها‭ ‬متى‭ ‬شئنا‭. ‬وجودها‭ ‬على‭ ‬الرفّ‭ ‬يشبه‭ ‬وجود‭ ‬مدن‭ ‬لم‭ ‬نزُرها‭ ‬بعد‭ ‬على‭ ‬الخريطة،‭ ‬أو‭ ‬رسائل‭ ‬جميلة‭ ‬مؤجّلة‭ ‬في‭ ‬درج‭ ‬قديم‭. ‬هي‭ ‬احتمالات‭ ‬مفتوحة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أنّها‭ ‬أشياء‭ ‬جامدة‭.‬

لهذا‭ ‬لم‭ ‬أعد‭ ‬أنظر‭ ‬إلى‭ ‬كتبي‭ ‬غير‭ ‬المقروءة‭ ‬بوصفها‭ ‬ديوناً‭ ‬ثقيلة‭. ‬أنظر‭ ‬إليها‭ ‬بوصفها‭ ‬أرصدةً‭ ‬من‭ ‬الاحتمال‭. ‬أعرف‭ ‬أنّني‭ ‬لن‭ ‬أقرأ‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬أملك،‭ ‬وأعرف‭ ‬أنّني‭ ‬سأشتري‭ ‬كتباً‭ ‬جديدة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أنتهي‭ ‬من‭ ‬القديمة،‭ ‬وأعرف‭ ‬أيضاً‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬المفارقة‭ ‬سترافق‭ ‬كلّ‭ ‬قارئ‭ ‬حقيقي‭. ‬فنحن‭ ‬نحبّ‭ ‬الكتب‭ ‬قبل‭ ‬قراءتها‭ ‬أحياناً،‭ ‬ونكوّن‭ ‬معها‭ ‬علاقة‭ ‬مبكّرة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الثقة‭ ‬والفضول‭ ‬والتوقّع‭.‬

وحين‭ ‬أمرّ‭ ‬أمام‭ ‬مكتبتي‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬يوم‭ ‬طويل،‭ ‬وأرى‭ ‬تلك‭ ‬الصفوف‭ ‬المزدحمة‭ ‬بالعناوين‭ ‬التي‭ ‬قرأتها،‭ ‬وتلك‭ ‬التي‭ ‬مازالت‭ ‬تنتظرني،‭ ‬أشعر‭ ‬أنّني‭ ‬أعيش‭ ‬بين‭ ‬حيوات‭ ‬وأحلام‭ ‬كثيرة‭ ‬مؤجَّلة‭. ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬الهديّة‭ ‬الأجمل‭ ‬التي‭ ‬تمنحها‭ ‬الكتب‭ ‬لأصحابها‭: ‬أنّها‭ ‬تترك‭ ‬أمامهم‭ ‬أبواباً‭ ‬مفتوحةً‭ ‬أكثر‭ ‬ممّا‭ ‬تترك‭ ‬خلفهم‭ ‬أبواباً‭ ‬مغلقةً‭.‬

 

{‭ ‬شاعرة‭ ‬وكاتبة‭ ‬من‭ ‬الكويت‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا