إن قطاع غزة المنكوب لفي حاجة ماسة إلى أن يحظى باهتمام دولي عاجل.
إن ما يحدث في قطاع غزة المحاصر والمدمر حالياً يتجاوز بكثير مجرد كارثة إنسانية؛ إنه إعادة تشكيل جيوسياسي مدروسة.
إن إسرائيل تنفذ دون هوادة خطة لاحتلال الجزء الأكبر من غزة بشكل دائم، وهو ما سيكون له عواقب وخيمة لا تحتاج إلى شرح يُذكر بالنظر إلى ما نعرفه بالفعل عن الإبادة الجماعية المستمرة.
يتركز جزء كبير من النقاش الدولي حالياً على مسؤول واحد: الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، الذي عينته الولايات المتحدة الأمريكية مديراً تنفيذياً لـما يسمى «مجلس السلام» الذي أنشأته إدارة الرئيس دونالد ترامب حديثاً، وهو مجلس دولي أُسس للإشراف على تنفيذ خارطة طريق غزة المكونة من 20 بنداً.
لكن القضية أكبر بكثير من مجرد بيروقراطي واحد مدعوم من سلطات واشنطن، إذ يتهم عدد متزايد من الفلسطينيين والمحللين السياسيين ملادينوف بخلق الظروف نفسها التي لا تزال تعرقل التقدم والانتقال بالاتفاق إلى مرحلته الثانية.
في هذا الإطار، يتطلب الانتقال الرسمي إلى هذه المرحلة الثانية – التي أعلن ترامب ومجلس السلام أنها بدأت في يناير 2026 – تنازلات فلسطينية شاملة من جانب واحد، وأبرزها نزع السلاح الكامل للفصائل المسلحة.
إن هذا المطلب يمثل وصفة لفشل المشروع برمته، لا سيما وأن إسرائيل قد أخفقت تماماً في تنفيذ أبسط متطلبات المرحلة الأولى من الاتفاق. فقد رفضت وقف توغلاتها العسكرية الروتينية، وأبت سحب قواتها إلى خط الترسيم «الخط الأصفر» الذي كان من المقرر أن تحدده في الأصل، وما زالت ترفض منح تصاريح الدخول للجنة التكنوقراطية المكلفة بتولي الحكم المدني لقطاع غزة.
إن إصرار ملادينوف على نزع سلاح الفلسطينيين قبل إحراز أي تقدم في الاتفاق – دون أي ضمانة من إسرائيل بالامتثال – يقلب الرواية رأساً على عقب. فهو يعيد صياغة المجاعة الممنهجة وحصار الإمدادات الطبية ومواد البناء بشكل ساخر، معتبراً إياها تقصيراً فلسطينياً في الوفاء بالتزاماته.
وفي الواقع، لا يملك ملادينوف أي أوراق رابحة؛ فهو مجرد ترس في آلة أكبر يتحكم بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فقد أوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي صراحةً أنه لا ينوي اتباع أي خارطة طريق للسلام، بل يخطط بدلاً من ذلك للاستيلاء التدريجي والدائم على غزة.
وفي مؤتمر عُقد في مستوطنة بالضفة الغربية المحتلة في 28 مايو الماضي، استعرض نتنياهو استراتيجيته بوضوح تام، متخليًا عن كل ازدواجية دبلوماسية: «نحن نضغط حاليًا على حماس؛ نسيطر الآن على 60% من أراضي قطاع غزة – أنتم تعلمون ذلك. كنا عند 50%، ثم انتقلنا إلى 60%. توجيهاتي هي الانتقال إلى...» قال ذلك متوقفًا عندما صرخ أحد الحضور «100%!».
ابتسم نتنياهو ورد قائلاً: «لنبدأ خطوة بخطوة. أولاً، 70. لنبدأ بهذا. نحن نضغط عليهم من جميع الجهات، وسنتعامل مع البقايا».
هذه هي الخطة الفعلية للحكومة الإسرائيلية، والتي أُعلنت جهارًا للجمهور المحلي. كان هذا الاعتراف سافرًا لدرجة أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أعرب عن استيائه من صراحة نتنياهو. ففي شهادته أمام الكونغرس في الثاني من شهر يونيو، قال روبيو: «لدينا خطة، لكنها لا تدعو إلى ذلك»، في إشارة إلى التوسع الإقليمي الإسرائيلي.
لكن روبيو سرعان ما عاد إلى الموقف المعتاد لواشنطن: «وفي نهاية المطاف، نحن نفهم أن ما نريده، وأعتقد أن ما يريده الإسرائيليون في نهاية المطاف، هو غزة تحكمها جهة غير تابعة لحماس».
وبينما لا تتمثل الأولوية المُلحة للفلسطينيين في الحكم، بل في توفير الغذاء المنقذ للحياة، والمياه النظيفة، والأدوية، وتأمين احتياجاتهم الأساسية للبقاء على قيد الحياة، ينظر نتنياهو وروبيو إلى الأزمة برمتها من منظور سياسي. وتقوم الخطة الأمريكية الإسرائيلية على تحقيق ما عجزوا عن تحقيقه بالكامل بالقوة العسكرية، وذلك من خلال الخنق الدبلوماسي والمجاعة المُفتعلة.
جاء رد نادر وحاسم من المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، الذي لخص موقف الأمم المتحدة بوضوح: «يجب أن تكون غزة بالكامل للشعب الفلسطيني». لكن المشكلة تكمن في أن خطاب الأمم المتحدة لا يدعمه أي آليات إنفاذ حقيقية.
لقد وقع المجتمع الدولي في فخٍّ محكم، إذ فوّض مصير قطاع غزة إلى إدارة ترامب ومجلس السلام التابع لها. فحتى اللجنة التكنوقراطية المُعيّنة أصبحت هامشية تماماً، ومستبعدة من عملية صنع القرار التي تُركت حصراً للدبلوماسيين الخاضعين لسلطة البيت الأبيض.
لا يزال الوضع على الأرض كارثياً. فمنذ دخول وقف إطلاق النار الهشّ والمُخترق حيز التنفيذ في 10 أكتوبر الماضي، أسفرت الانتهاكات والغارات الجوية الإسرائيلية المتكررة عن مقتل ما يقرب من ألف فلسطيني وإصابة آلاف آخرين، غالبيتهم العظمى من النساء والأطفال. وبإضافة هذا العدد إلى الخسائر الفادحة التي شهدتها أول عامين من الحرب، تجاوز العدد الرسمي للقتلى الفلسطينيين 73 ألفاً، مع إصابة أكثر من 173 ألفاً آخرين.
علاوة على ذلك، خلصت دراسات وبائية موثوقة ومجلات طبية إلى أن عدد الوفيات الحقيقي أعلى بكثير.
مع وجود ما يقرب من جميع سكان غزة الذين يعيشون في خيام دون المستوى المطلوب ويعتمدون على الحصص الغذائية الضئيلة المسموح بها عبر نقاط التفتيش الإسرائيلية، فإن المطالبة بتنازلات سياسية مقابل توفير الغذاء الأساسي هو أعلى أشكال الانحطاط الأخلاقي.
إن خطة نتنياهو «التدريجية» لضم غزة لا تتوقف على قرارات الفصائل الفلسطينية؛ فخطته التوسعية تُحدد بمعزل عن أي استجابة فلسطينية.
يتعين على الدول العربية والإسلامية وحلفائها تغيير استراتيجيتها الدبلوماسية جذرياً، والإصرار بحزم على فصل المساعدات الإنسانية تماماً عن مستقبل إدارة قطاع غزة أو نزع سلاحه.
لا يمكن التسامح مع التجويع كوسيلة ضغط سياسي لمجرمي الحرب. وقد تشجع نتنياهو بفضل تاريخه من الإفلات من العقاب الدولي، حيث يتحدث علنًا عن توسيع نفوذه العسكري بغض النظر عن عواقب هذا العمل.
لذلك، يجب على المجتمع الدولي أن يذكّر حكومة إسرائيل بأن بقاء ملايين من السكان الفلسطينيين لا يمكن أن يكون رهينة للطموحات السياسية لتحالف متطرف يقوده نتنياهو.
{ أكاديمي وكاتب فلسطيني.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك