إنها ليست نهاية الحرب، ولا مقدمة موثوقة لسلام مستدام في أكثر مناطق العالم حساسية وخطورة استراتيجيا واقتصاديا.
وقف الحرب تطور جوهري في انتظار حسم الملفات المعلقة خلال ستين يوما وأخطرها الملف النووي. بمقتضى التزامات مذكرة التفاهم يفتح مضيق هرمز بالغ الأهمية الاستراتيجية في نقل النفط والغاز المسال ويرفع بنفس الوقت الحصار البحري حول الموانئ الإيرانية وتستعيد طهران بعض أموالها المجمدة.
هذا إنجاز اقتصادي واستراتيجي للعالم كله. كان الوصول إلى هذا الاتفاق إجباريا، فالطرفان المتحاربان، الولايات المتحدة وإيران، أنهكا تماما، والعمل العسكري استنفد قدرته على تغيير معادلات القوة والنفوذ والردع في منطقة الخليج. بأي حساب موضوعي في لحظة فارقة فإنه لا يمكن استبعاد العودة إلى الحرب مجددا بذريعة، أو أخرى.
قبيل التوقيع على مذكرة التفاهم ألمح الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» في تغريداته إلى مثل هذا الاحتمال: «لدينا وسائل أخرى إذا لم تلتزم إيران»، قاصدا تفسيراته واشتراطاته، التي لم يستطع فرضها بالسلاح.
«سنأخذ الغبار النووي المدفون عميقا في الوقت المناسب»، من دون أن يقول: كيف؟.. وما هو الوقت، الذي يراه مناسبا إذا كانت المذكرة نفسها أحالت الملف النووي إلى التفاوض خلال ستين يوما؟
إنها عودة محتملة للتفاوض تحت النار. «نتطلع إلى التعاون مع إيران والشرق الأوسط على المدى البعيد».
كان هذا تصريحا آخر باطنه غير ظاهره. من حيث الظاهر فهو يتحدث عن جهود سلام سوف ينخرط بها في أزمات الإقليم المشتعلة بالنار.
ومن حيث الباطن فهو يقصد إدماج إسرائيل في الإقليم، في رسالة طمأنة أنها لن تضار إذا ما التزمت بوقف إطلاق النار، كما تنص مذكرة التفاهم.
إسرائيل طرف رئيسي في الحرب بالتحريض المطرد عليها أولا، والمشاركة الفعلية فيها ثانيا، والتداخل في التفاوض حول مذكرة التفاهم ثالثا.
هنا العقدة الرئيسية في صلب مذكرة التفاهم وهي تعنى -بالضبط- أن إسرائيل سوف تتداخل بأدق التفاصيل التفاوضية في اليوم التالي.
أي تجاهل لهذه العقدة الإسرائيلية سيكون خطيئة سياسية واستراتيجية لا تغتفر. كلما بدا أن هناك فرصا لحل سلمى تعرقله إسرائيل بقوة نفوذها في الحزب الجمهوري، وداخل إدارة «ترامب».
هذا ما سوف يحدث في مفاوضات الستين يوما... من يقود من؟
لمرات عديدة حاول «ترامب» أن يقول إن القرار قراره وإن رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» يتبع وينفذ إرادته، ولم يكن أحد مستعدا أن يصدقه.
في التفاوض المطول حول مذكرة التفاهم بوساطة باكستانية أصر المفاوض الإيراني على إنهاء الحرب بكل الجبهات، حتى لا يتهم بالتخلي عن حليفه الإقليمي الرئيسي «حزب الله» في لبنان.
على الجانب الآخر حاولت إسرائيل إفساد أي التزام بوقف إطلاق النار في لبنان، جنوبه وعاصمته.
صعدت عملياتها العسكرية وارتكبت جرائم حرب من دون خشية عقاب بذريعة حفظ أمنها!
بتعبير وزير الدفاع الإسرائيلي «يسرائيل كاتس»: «لا بد لإسرائيل من ضمان قدرتها على الردع»، وهو حق مكفول بالقانون الدولي لا باعتبارات توافر السلاح للبنان ومقاومته.
اللافت هنا أن «كاتس» أكد تلقيه تعليمات من «نتنياهو» بالاستعداد لمنع إيران من إنتاج سلاح نووي! قاصدا الدخول في مواجهة عسكرية جديدة مع إيران، وهو ما يكاد يكون مستبعدا من دون شراكة أمريكية كاملة تخطيطا وتنفيذا.
هذه حقيقة ماثلة في الضغوطات المتبادلة بين «ترامب» و«نتنياهو» إذا ما صحت المعلومات المسربة عن مشادة حادة بينهما بشأن لبنان والحرب عليها، فإن المعنى أن «ترامب» المأزوم اقتصاديا واستراتيجيا أمام الرأي العام في بلاده أبلغ حليفه «نتنياهو» أنه لا يمكن أن يستجيب لمحاولات إفساد الاتفاق هذه المرة أيا ما كانت الضغوط عليه.
كانت رسالته على الأغلب أنه إذا ما قرر «نتنياهو» الحرب فليدخلها بالنيابة عن نفسه، وعليه ألا ينتظر دعما أمريكيا. هكذا استشعر «نتنياهو» أنه يوشك أن يخسر انتخابات الكنيست المقبلة، الذي يعول في خوضها على سجله في ميادين الحرب المفتوحة على جميع الجبهات بذريعة حماية الأمن الإسرائيلي.
كعادته في المراوغة أعلن «نتنياهو» دعمه لما يريده «ترامب»، لكنه بنفس الوقت أكد -بحسب وزير دفاعه- أن «إسرائيل لن تنسحب من المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة».
المعنى واضح؛ هو عرقلة أي سلام، أو ادعاء سلام.
الأخطر رغم هزيمة أهدافه في الحرب الإيرانية أنه لم يتخل بعد عن مشروع إسرائيل الكبرى، التي تعني إعادة رسم خرائط المنطقة من جديد وفرض الهيمنة عليها.
انكسر المشروع التوسعي الصهيوني، لكنه لم يتقوض نهائيا. المشكلة ان الوضع العربي العام يشجع على التغول عليه.
المأساوي في الحالة اللبنانية أن البلد منقسم على نفسه، الرئيس «جوزيف عون» يقول: «نحن في لحظة لا تحتمل الانقسام الطائفي ولا التجاذب المناطقي»، لكنه لا يتحسب بما يكفي لمخاطر الاندفاع في مفاوضات تسعى أساسا إلى نزع سلاح الحزب من دون أن يكون لديه استراتيجية دفاع وطني متوافق عليها. ولهذا تتبدى العقدة الإسرائيلية بكامل أخطارها في وجه المستقبل اللبناني.
ما إن تهدأ عواصف النار فإن الأزمات الإقليمية المزمنة، كالأزمة اليمنية، سوف تطرح نفسها بإلحاح، أمريكا تطلب إبعاد الحوثيين عن مسارح صراعات الشرق الأوسط كجزء من الاتفاق، من دون أن تكون مستعدة للعب أي أدوار إيجابية في استعادة وحدة اليمن وإبعاد سيناريوهات الانفصال.
في أوضاع الإقليم الحالية تبدو تركيا متأهبة لما قد يحدث غدا بتصريح لافت أن أمنها القومي يبدأ من حلب وبيروت، بينما العالم العربي في وضع لا يساعد على حماية الامن القومي العربي كما نتطلع إليه، وإسرائيل تستثمر استراتيجيا في الأزمات المزمنة، وبينها الحرب المنسية في السودان.
{ كاتب صحفي مصري.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك