الخيانة بمفهومها الواسع لها وقع غير مستساغ على الأذن؛ فبمجرد سماع هذه الكلمة ينتاب المرء شعور موجع يولد صدمة نفسية عميقة حيث يشعر المرء بالغضب نظراً إلى ما تمثله من انتهاك للثقة، وغدر من شخص تم الاعتماد عليه.
وللخيانة صور وأشكال وأنواع مختلفة في مجالات متنوعة تتمثل في: الخيانة الزوجية، وخيانة الأمانة في العمل، وخيانة العهد، وخيانة الأوطان، والأخيرة في نظري أسوأ أنواع الخيانات، وأبشعها، وهي من الجرائم الأخلاقية؛ لأنها تتجاوز الضرر الفردي لتطول كيان الأمة بأكمله، ويترتب عليها عواقب وخيمة تشمل زعزعة الأمن، وسفك الدماء، وانهيار الاقتصاد، وصولا إلى ضياع الوطن وفقدان الهوية والكرامة.
ولذلك لا نغالي إذا أطلقنا عليها أم الخيانات؛ لأن تداعياتها خطرة، ونتائجها مدمرة؛ فهي تعرض أمن وسلامة الوطن للخطر.. وهي بمثابة الخنجر المسموم الذي يهدم بنيان المجتمعات، وتُعد هذه الجريمة الأخلاقية والوطنية سقوطاً يفقد الإنسان شرفه وكرامته، فهي تتجاوز حدود الخطأ الفردي لتطول الأمن القومي والنسيج الاجتماعي، ما يجعلها فعلا ممقوتاً ترفضه كل الشرائع السماوية والقوانين.
إن الخائن لوطنه يتحول إلى عدو داخلي، وتتجسد خطورته في أنه غير معروف على عكس العدو الخارجي، أهدافه معروفة ومكشوفة للجميع، لذلك يبقى عدو الداخل هو الأخطر؛ لأن هذا العدو يمشي بيننا في المجمعات التجارية، ويجلس في المقاهي مع الناس، ويتناقش معهم في أمور حياتهم، ويبتسم معهم ولكنه يخفي الخنجر خلف ظهره متخفياً بشخصيه غير شخصيته من خلال القناع الذي يلبسه، كما أنه غالباً ما يتظاهر بالوطنية، ويلبس ثوب المواطن الشريف الذي يدافع عن الوطن والشعب بحماس قل نظيره.
والعجيب في هذا النوع من الشخصيات هو أنه لا تظهر عليه أي دلالات تدل على أنه يخون وطنه، لكن الواقع يقول عكس ذلك تماماً فهو متعاون مع العدو إلى أبعد الحدود، ولديه الاستعداد لأن يقدم وطنه على طبق من ذهب هدية لأعدائه مقابل جزاء مادي، أو أنه يقدم شهادة اثبات «حسن نية» يعبر فيها عن مدى إيمانه العميق بأفكار وأيديولوجية العدو.
في هذا السياق يحدثنا التاريخ المعاصر عن أبرز جاسوس عمل لصالح ألمانيا النازية وكان متأثراً بأفكارها، ولذلك أسهم في دعمها خلال الحرب العالمية الثانية؛ إنه الجاسوس الفرنسي: جاك دوسوبري الذي عرف كأحد أخطر العملاء المزدوجين خلال فترة الاحتلال النازي لفرنسا وبلجيكا. وكان مؤمناً ومتحمساً أيديولوجياً للأيديولوجية النازية والرايخ الثالث، ما دفعه إلى العمل لصلح جهاز المخابرات العسكرية الألمانية، وجهاز الجستابو النازي. وقد أدانته المحكمة في فرنسا بالخيانة، وتم إعدامه رمياً بالرصاص في عام 1949.
ولما كانت «خيانة الأوطان» من أبشع أنواع الخيانات وأسوأها، وأكثرها ضرراً، وبسببها تتدمر الأوطان وتضيع؛ لذلك فإن خيانة الوطن عملية مستهجنة على مر عصور التاريخ، وغير مقبولة تحت أي سبب من الأسباب أو المبررات. ونتيجة لذلك فإنها مجرمة، وعقوبتها مغلظة في كل المجتمعات تقريباً، وتكاد تتفق كل الدول على عقوبة الإعدام لكل من تسول له نفسه خيانة وطنه.
إن الدين الإسلامي له موقف صريح من الخيانة، فهي تُعد من كبائر الذنوب ومناقضة للإيمان، وقد حرمها الله في كتابه العزيز، واعتبرها رسوله الكريم صلى الله وعليه وسلم من أبرز علامات النفاق، وتتنوع صورها في الإسلام لتشمل خيانة الله ورسوله، وخيانة الأمانات، وخيانة العهود والمواثيق، وقد وردت كلمة الخيانة في عدد من سور القرآن الكريم، نذكر منها قوله تعالى: «إن الله لا يحب من كان خواناً أثيما» (سورة النساء: الآية 107) وقوله تعالى: «إن الله لا يحب الخائنين» (الأنفال: الآية 58).
كما وردت عدة أحاديث شريفة، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمع الإيمان والكفر في قلب امرئ، ولا يجتمع الكذب والصدق جميعاً، ولا تجتمع الخيانة والأمانة جميعاً».
نستنتج من هذه الآيات والأحاديث أن الإسلام يبغض الخيانة، ويعدها من أسوأ الصفات التي قد يتسم بها الإنسان، فمن يخون لا يؤتمن ولا يثق به أحد بعد ذلك، لأنه هو من خان في المرة الأولى؛ فتسهل عليه الخيانة فيما بعد.
كما أن الخيانة ليست وليدة اليوم، وإنما لها جذور تاريخية على مر العصور، ولكن لم تكن في أي عصر من العصور صفة محمودة، بل العكس هو الصحيح؛ أي أنها صفة مذمومة في كل أوان وعصر، وأن صاحبها مكروه ومنبوذ من أفراد المجتمع.
وتأتي خيانة الأوطان من بين أخواتها (الغدر والنفاق والمكر والخديعة والكذب) في أعلى مراتب الخيانة، وقد حدثنا التاريخ الإسلامي عن قصص كثيرة كان أبطالها من الخونة، وبينت لنا تلك القصص كيف كانت نهايتهم. وهنا ونحن نتحدث عن الخيانة وكيف قصمت ظهر الأوطان نسرد بعض القصص التي وردت في تاريخنا وكانت سبباً في سقوط الدول؛ فحادثة مؤيد الدين بن العلقمي من أشهر القصص في التاريخ الإسلامي، وتعود هذه القصة كما وردت في كتاب (البداية والنهاية لابن كثير) إلى عام 642هـ حين استوزر الخليفة العباسي المستعصم بالله ابن العلقمي فما كان منه إلا أنه سهل الطريق أمام المغول لاحتلال بغداد وإسقاط الخلافة العباسية، من خلال مراسلته هولاكو سراً، وزين له غزو العراق، وطمأنه على ضعف الجيش العباسي.
وقد رصد مؤرخو تلك الحقبة بدقة الأهوال التي نزلت بأهل العراق جراء اجتياح المغول بغداد عاصمة الخلافة العباسية، والفظائع التي ارتكبوها بحق الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ.
ويروي لنا التاريخ الحديث قصة بينديكت أرنولد القائد الأشهر في حرب استقلال أمريكا من قبضة الاستعمار الإنجليزي، وقد قُرن أسمه كجنرال في الجيش الأمريكي، خطط لتسليم حصن ويست بوينت للقوات البريطانية، فارتبط أسمه بالخيانة في التاريخ الأمريكي والتآمر مع بريطانيا، وكمكافأة له عين في الجيش البريطاني برتبة عميد.
وفي التاريخ العربي المعاصر هناك نماذج لبعض القصص عن الخيانة، وعن الذين باعوا أوطانهم للشيطان، ونذروا أنفسهم لخدمته. واللافت في هذه القصص أن الخيانة ليست مقصورة على الرجال دون النساء فهذه سمة تشمل الجنسين؛ فالنساء أيضاً ركبوا قطار خيانة الأوطان ومن بين تلك القصص الشهيرة قصة الجاسوسة المصرية «هبة سليم» التي جندها الموساد الإسرائيلي في باريس، واقنعت خطيبها الضابط بالقواعد الصاروخية للدفاع الجوي بتقديم خرائط مواقع الدفاع الجوي، لكن يقظة المخابرات المصرية كانت لها بالمرصاد، حيث تم كشفها، وجرى استدراجها من باريس إلى ليبيا ومنها إلى القاهرة حيث نالت مصيرها المحتوم وهو تنفيذ حكم الإعدام بحقها.
الخلاصة، إن الخيانة صفة مذمومة بشكل عام، ولكن خيانة الأوطان تأتي في المرتبة الأولى في سلم الخيانات؛ فهي تلقي بصاحبها إلى هوة سحيقة من الخزي والعار في حياته ومماته، لا تذكر سيرته إلا وسمت بأقذع الصفات وأوضع صيت.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك