العدد : ١٧٦١٨ - الخميس ١٨ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦١٨ - الخميس ١٨ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

بين كراهية الحرب.. وكراهية الغرب!

بقلم: د. رضوان السيد {

الخميس ١٨ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

لم‭ ‬تجلب‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الصهيونية‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬مصائب‭ ‬على‭ ‬فلسطين‭ ‬ولبنان‭ ‬وسائر‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬وحسب؛‭ ‬بل‭ ‬تسببت‭ ‬في‭ ‬تصاعد‭ ‬موجاتٍ‭ ‬هائجةٍ‭ ‬من‭ ‬كراهية‭ ‬أمريكا‭ ‬والغرب‭ ‬عامةً،‭ ‬ليس‭ ‬لدى‭ ‬العامة‭ ‬فقط؛‭ ‬بل‭ ‬ولدى‭ ‬المثقفين‭ ‬وخاصة‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬الأصول‭ ‬الثقافية‭ ‬اليسارية‭ ‬والعلمانية‭.‬

وبالطبع،‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬جديدا‭ ‬كليا،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬له‭ ‬أصول‭ ‬وسوابق‭ ‬من‭ ‬أيام‭ ‬الهجوم‭ ‬على‭ ‬الاستشراق‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬مفكرين‭ ‬مثل‭ ‬أنور‭ ‬عبد‭ ‬الملك،‭ ‬وعبدالله‭ ‬العروي،‭ ‬وطلال‭ ‬محمد‭ ‬أسد‭... ‬إلى‭ ‬الانفجار‭ ‬الذي‭ ‬أحدثه‭ ‬كتاب‭ ‬البروفيسور‭ ‬البارز‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭: ‬‮«‬الاستشراق‮»‬‭ (‬1978‭) ‬وما‭ ‬خلّفه‭ ‬من‭ ‬آثارٍ‭ ‬وتأثيرات‭ ‬في‭ ‬ثمانينيات‭ ‬وتسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬وحتى‭ ‬اليوم‭.‬

‭ ‬كان‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬يعدُّ‭ ‬تطورات‭ ‬الاستشراق‭ ‬والأنثروبولوجيا‭ ‬والإثنولوجيا‭ ‬والإبستمولوجيا‭ ‬خيانةً‭ ‬لقيم‭ ‬التنوير،‭ ‬وقد‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الخيانة‭ ‬زمان‭ ‬الاستعمار‭ ‬بازدواجياته‭ ‬وصنع‭ ‬التفرقة‭ ‬بين‭ ‬البشر‭ ‬ونشر‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬المزوَّرة‭. ‬بيد‭ ‬أنّ‭ ‬تلامذته‭ ‬وزملاءه‭ ‬الأصغر‭ ‬ومَن‭ ‬تأثروا‭ ‬بالاستشراق‭ ‬والكتب‭ ‬الأخرى‭ ‬مضوا‭ ‬قُدُماً،‭ ‬وعدّوا‭ ‬أنّ‭ ‬العلة‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬قيم‭ ‬التنوير‭ ‬ذاتها‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬تطوراتها‭ ‬السلبية‭ ‬وحسب،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أدركه‭ ‬نيتشه‭ ‬والرفضيون‭ ‬الفرنسيون‭.‬

وقد‭ ‬انتشر‭ ‬تيار‭ ‬‮«‬التابع‭ (‬subaltern‭)‬‮»‬‭ ‬هذا‭ (‬هل‭ ‬يستطيع‭ ‬التابع‭ ‬أن‭ ‬يتكلم؟‭) ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬المفكرين‭ ‬والمؤرخين‭ ‬الهنود‭ ‬وأمريكا‭ ‬اللاتينية؛‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬على‭ ‬ازدهاره،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬رفض‭ ‬الغرب‭ ‬وقيمه،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬اعتباره‭ ‬أساس‭ ‬الخراب‭ ‬الذي‭ ‬يشهده‭ ‬العالم،‭ ‬لأن‭ ‬استراتيجيات‭ ‬العالم‭ ‬ونظام‭ ‬عيشه‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬صناعةٍ‭ ‬غربية‭ ‬أوروبية،‭ ‬ثم‭ ‬أمريكية‭!‬

لقد‭ ‬استُعْلت‭ ‬هذه‭ ‬النزعة‭ ‬شبه‭ ‬العدمية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الغرب‭ ‬منذ‭ ‬ظهور‭ ‬نزعات‭ ‬اليمين‭ ‬بالغرب،‭ ‬وآيديولوجيا‭ ‬السوق‭ ‬وصراع‭ ‬الحضارات‭. ‬وهي‭ ‬النزعات‭ ‬التي‭ ‬صارت‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬ومنظومته‭ ‬تقول‭ ‬بتفوق‭ ‬الحضارة‭ ‬اليهودية‭ ‬–‭ ‬المسيحية‭ (‬أطروحات‭ ‬صموئيل‭ ‬هنتنجتون‭) ‬وإن‭ ‬إنسانها‭ ‬هو‭ ‬الإنسان‭ ‬الأخير‭ (‬أطروحات‭ ‬فرانسيس‭ ‬فوكوياما‭) ‬وتعدّ‭ ‬صدامها‭ ‬مع‭ ‬الإسلام‭ ‬غير‭ ‬الحضاري‭ ‬وغير‭ ‬الديمقراطي‭ ‬وجوديا‭!‬

ولقد‭ ‬زاد‭ ‬الطين‭ ‬بِلّة‭ ‬أمران‭: ‬نشوب‭ ‬الحروب‭ ‬على‭ ‬الإرهاب،‭ ‬وكثرة‭ ‬الدراسات‭ ‬والاستطلاعات‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬استراتيجيين‭ ‬واقتصاديين‭ ‬غربيين‭ ‬تتنبأ‭ ‬بالانهيار‭ ‬الغربي‭ ‬المقبل؛‭ ‬بسبب‭ ‬التراجع‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬والخروج‭ ‬على‭ ‬النمط‭ ‬الأخلاقي‭ ‬السائد،‭ ‬والجنون‭ ‬التكنولوجي‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬وسباقات‭ ‬التسلح،‭ ‬واضطراب‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬صنعه‭ ‬الغرب‭ ‬وما‭ ‬عاد‭ ‬يستطيع‭ ‬ضبطه‭ ‬أو‭ ‬التحكم‭ ‬فيه‭ ‬رغم‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬العارية‭! ‬

وهنا‭ ‬نجد‭ ‬كتاب‭ ‬المفكر‭ ‬الفرنسي‭ ‬إيمانويل‭ ‬تود‭: ‬‮«‬هزيمة‭ ‬الغرب‮»‬،‭ ‬مملوءاً‭ ‬بالإحصاءات‭ ‬التي‭ ‬تُثبت‭ ‬حدوث‭ ‬الانهيار‭. ‬وبخلاف‭ ‬الآخرين‭ ‬المهجوسين‭ ‬بالصعود‭ ‬الصيني،‭ ‬يرى‭ ‬تود‭ ‬أنَّ‭ ‬الصين‭ ‬هي‭ ‬البديل‭ ‬لإنقاذ‭ ‬العالم؛‭ ‬لكنّ‭ ‬المشكلة‭ ‬أن‭ ‬الصينيين‭ ‬لا‭ ‬يرغبون‭ ‬في‭ ‬السيطرة‭ ‬والاستيلاء‭. ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يخالفه‭ ‬فيه‭ ‬زملاء‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬وأمريكا،‭ ‬ويستشهدون‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬بالمشروع‭ ‬الصيني‭ ‬الكوني‭: ‬‮«‬الحزام‭ ‬والطريق‮»‬‭ (‬2013‭).‬

بينما‭ ‬يذهب‭ ‬فريقٌ‭ ‬ثالثٌ‭ ‬من‭ ‬الاستراتيجيين‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬الحضارة‭ ‬المعاصرة‭ ‬ليست‭ ‬اقتصاداً‭ ‬ونظاماً‭ ‬للعيش‭ ‬فقط؛‭ ‬بل‭ ‬تملك‭ ‬أيضاً‭ ‬طموحات‭ ‬إنسانية‭ ‬غير‭ ‬استعمارية‭ ‬لا‭ ‬تمتلكها‭ ‬الصين‭ ‬ولا‭ ‬الهند‭. ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬الصعود‭ ‬الآسيوي‭ ‬يطرح‭ ‬تساؤلات‭ ‬جدية‭ ‬عن‭ ‬مستقبل‭ ‬العالم‭. ‬فالمختلف‭ ‬لدى‭ ‬الآسيويين‭ ‬هو‭ ‬عدم‭ ‬ميلهم‭ ‬للحروب‭ ‬التي‭ ‬ينهمك‭ ‬فيها‭ ‬الغربيون‭ ‬بشراسةٍ‭ ‬رغم‭ ‬وجود‭ ‬حيويات‭ ‬مسيحية‭ ‬متجددة‭ ‬ومجتمعات‭ ‬مدنية‭ ‬تعمل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬السلام‭.‬

يشتبك‭ ‬فريق‭ ‬تيار‭ ‬‮«‬التابع‮»‬‭ ‬بشدة‭ ‬مع‭ ‬الاستراتيجيين‭ ‬الغربيين‭ ‬من‭ ‬أنصار‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬وخصومه‭. ‬ويلاحظون‭ ‬أنَّ‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬أثارها‭ ‬الرئيس‭ ‬الروسي‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين،‭ ‬أو‭ ‬ترامب،‭ ‬أو‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬إنما‭ ‬تدمِّر‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬أنشأه‭ ‬الغربيون‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬يتم‭ ‬تجاهل‭ ‬كل‭ ‬قضايا‭ ‬العدالة‭ ‬والسلام‭ ‬والاستقرار،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬فظاعات‭ ‬هجرانها‭ ‬على‭ ‬فلسطين‭ ‬وأوكرانيا؛‭ ‬بل‭ ‬وتنتشر‭ ‬أهوالها‭ ‬في‭ ‬قارة‭ ‬إفريقيا‭ ‬الضائعة‭ ‬والتي‭ ‬تغصّ‭ ‬بالحروب‭ ‬الأهلية‭.‬

الكاتب‭ ‬الأمريكي‭ ‬البارز‭ ‬مارك‭ ‬لينش‭ ‬صدر‭ ‬له‭ ‬كتابٌ‭ ‬قبل‭ ‬شهور‭ ‬عنوانه‭: ‬‮«‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الأمريكي‭... ‬وقائع‭ ‬تدمير‭ ‬منطقة‭ ‬أو‭ ‬إقليم‮»‬‭. ‬يتحير‭ ‬لينش‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬يبدأ‭ ‬روايته،‭ ‬ثم‭ ‬يطوف‭ ‬على‭ ‬فلسطين‭ ‬ولبنان‭ ‬والعراق‭ ‬وسوريا‭ ‬وليبيا‭ ‬واليمن،‭ ‬وهي‭ ‬البلدان‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬تدخلات‭ ‬أمريكية‭ ‬عسكرية‭ ‬وسياسية‭. ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬أمريكا‭ ‬مسؤولة‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬دول‭ ‬غربية‭ ‬أوروبية‭ ‬دفعتها‭ ‬المطامع‭ ‬والمطامح‭ ‬لمحاولة‭ ‬مشاركة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الخراب‭ ‬الجميل‮»‬‭ ‬رجاء‭ ‬في‭ ‬تحصيل‭ ‬الغنائم‭!‬

إنّ‭ ‬الذي‭ ‬يزعج‭ ‬مارك‭ ‬لينش‭ ‬ليس‭ ‬الخراب‭ ‬الشامل‭ ‬وحسب،‭ ‬بل‭ ‬السمعة‭ ‬السيئة‭ ‬للغرب‭ ‬كلّه‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم،‭ ‬رغم‭ ‬سيول‭ ‬الهجرة‭ ‬المتدفقة‭ ‬عليه‭: ‬أوليس‭ ‬العالم‭ ‬الإنساني‭ ‬مملوءاً‭ ‬بالتناقضات؟‭! ‬إذا‭ ‬آمنت‭ ‬بالغرب‭ ‬صرتَ‭ ‬مثل‭ ‬هنتنجتون‭ ‬والمحافظين‭ ‬الجدد،‭ ‬وإذا‭ ‬كفرتَ‭ ‬به‭ ‬صرتَ‭ ‬مثل‭ ‬كاسترو‭ ‬أو‭ ‬جيفارا‭.  ‬ونجد‭ ‬أن‭ ‬المفكر‭ ‬ذا‭ ‬الأصول‭ ‬الهندية‭ ‬الحاصل‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬‮«‬أمارتيا‭ ‬صن‮»‬‭ ‬يريد‭ ‬فكراً‭ ‬نقدياً‭ ‬وليس‭ ‬خروجاً‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬بديل‭ ‬له‭!‬

{‭ ‬كاتب‭ ‬ومفكر‭ ‬لبناني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا