كان لاندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى انعكاسات وتأثيرات كبيرة في قضايا الاستقرار والأمن الاقتصادي في كثير من مناطق العالم وخاصة بعد أزمة إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط والغاز في معظم دول العالم.
ولم تكن دول ومناطق قارة آسيا، الأبعد جغرافياً عن الشرق الأوسط، متداخلة ومتأثرة، بحروبه وصراعاته، مثلما حدث ذلك منذ يوم 28 فبراير 2026، مع لحظة اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما صاحبها من قيام الأخيرة بالهجوم على دول عربية وخليجية وإغلاقها مضيق هرمز؛ فبمجرد وقوع الحرب، توسَّع نطاق تأثيرها الفوري والمباشر في أنحاء آسيا والمحيط الهادئ، ليشكل ذلك نقطة تحوُّل (Tipping Point) تعيد النظر في بعض الافتراضات السائدة منذ عقود، ولتثير مجموعة من التساؤلات والقضايا الكبرى التي لم ولن تنتهِ، مهما كانت المحصلة الأخيرة لهذه الحرب؛ لأنها قضايا تمس في جوهرها مستقبل الأمن القومي لغالبية الدول الآسيوية.
القضية الجوهرية الأولى التي أثارتها الحرب بمجرد وقوعها على الفور هي أمن الطاقة الآسيوي، بما تتضمنه من سلسلة قضايا فرعية أخرى تَختبر المرونة الاقتصادية لدول آسيا الأكثر اعتماداً على إمدادات الطاقة من منطقة الخليج العربي، والتي تمر بالطبع عبر مضيق هرمز؛ مثل ضمان تدفقات التجارة، وتعطُّل سلاسل إمدادات حيوية تسهم في الأمن الغذائي وفي قطاعات الزراعة والصناعة، إضافة إلى الصدمات التضخمية الناتجة عن ارتفاع الأسعار، والإجراءات والتدابير التقشفية التي اضُطرَّت غالبية حكومات دول آسيا لاتخاذها، ومنها دول تعاني اقتصادياً مثل باكستان وبنجلاديش ونيبال وسريلانكا وبعض جمهوريات آسيا الوسطى.
لقد أدى ذلك إلى نهاية الافتراض السائد منذ الحرب العالمية الثانية بأن البحار هي طريق آمن لإمدادات الطاقة الآسيوية، ومعه يكاد ينتهي كذلك افتراض أن العبور الآمن للطاقة هو مسألة «مدنية» بالأساس؛ لأنها تتعلق بمُسلَّمات رَسَخَت في الجزء الثالث في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، تحت عنوان «المضايق المُستخدَمَة للملاحة البحرية»؛ ربما ليبدأ التفكير لاحقاً في كيفية تأمين البحار «عسكرياً» لضمان إمدادات الطاقة والسلاسل الحيوية، التي أصبحت مسألة أمن قومي ربما يفوق التهديدات العسكرية المباشرة، وربما كذلك التوجه نحو البحث عن بدائل طاقة آسيوية أقل اعتماداً على البحار.
ارتباطاً بذلك، تكمن القضية الثانية، في مبدأ «حرية الملاحة في الممرات الدولية كقاعدة قانونية مستقرة»، فالإغلاق الإيراني لمضيق هرمز لم يُثِر فقط مسألة انتهاك المادة 44 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والتي تنص على أن الدول المشاطئة للمضايق «لا يجوز أن تُعرقِلَ العبور العابر»، ويجب عليها الإعلان المناسب عن أي خطر يهدد الملاحة فيها»؛ ولكنه عرَّض أيضاً المبدأ القانوني الخاص بحرية الملاحة في الممرات الطبيعية (غير الاصطناعية) لهزة عنيفة بعدما خَلَق سابقة خطرة من نوعها.
هذه الهزة لا تنبع من إغلاق إيران للمضيق نتيجةً للحرب أو لاستخدامه كورقة ضغط ومساومة، ولكن ترجع بشكل أكبر إلى إعلان إيران من جانب واحد إدارتها مستقبلاً للمضيق وفَرْض قواعد جديدة، مالياً وإجرائياً، لمرور السفن والحاويات، في مخالفة صارخة للمادة 44، هذا إضافة إلى إمكانية إغلاق المضيق وقتما تريد ساعة الأزمات. وإذا فعلت كل دولة أو دول تَطُل على مضيق حيوي أموراً أشبه بتلك الانتهاكات، أو حتى هددت بتعطيل الملاحة الدولية، فلن يقضي ذلك فقط على قاعدة قانونية دولية، بل يفتح الباب أمام «عسكرة إجبارية» للتجارة العالمية.
هنا تأتي القضية الثالثة المتداخلة مع ما سبق، وترتبط بنقاط الاختناق الاستراتيجية باعتبارها الحلقة الأهم في الأمن البحري العالمي، وتحديداً الآسيوي؛ إذ تُبرِز حالة مضيق هرمز (المُغلَق من إيران والمُحاصَر من الولايات المتحدة) بشكل لا لَبْس فيه كيف يمكن أن تتحول الممرات المائية الحيوية ليس فقط إلى ساحات تنازُع إقليمية، بل إلى عوامل ضغط دولية في ظل اشتداد المنافسة بين القوى الكبرى؛ وهي سمة واضحة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، عَبْر شبكة ممتدة من نقاط الاختناق من منطقة الخليج العربي وقناة السويس والبحر الأحمر ومضيق باب المندب، وصولاً إلى مضيق ملقا وبحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان وبحر اليابان؛ فقد تصبح هذه الممرات بَعْد إغلاق مضيق هرمز مواقع هيكلية للتنافس الجيوسياسي ولتوزيع القوة العالمية في السنوات والعقود القادمة.
هنا تحديداً تُثار معضلة مضيق ملقا، فإذا كان هرمز مضيقاً لا غِنَى عنه لتجارة الطاقة العالمية على وجه خاص؛ فإن مضيق ملقا، الواقع بين إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، يربط المحيطين الهندي والهادئ؛ أي إنه نقطة الاختناق الاستراتيجية الواصلة بين الشرق الأوسط وإفريقيا وكل مناطق آسيا وصولاً إلى أستراليا؛ لذلك، فهو أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، وتتدفق عَبْرَه كميات هائلة من السلع المُصنَّعة والإلكترونيات والإمدادات الغذائية والمواد الخام وغيرها؛ أي إنه جزءٌ لا يتجزأ من شبكات الإنتاج والاستهلاك العالمية. وبالتالي، فإن أي اضطراب فيه قد يُولِّد تداعيات اقتصادية أوسع نطاقاً من تلك المرتبطة بمضيق هرمز؛ نظراً لدوره المُزدَوَج في ربط تدفقات الطاقة وسلاسل التوريد الصناعية العالمية.
إن هذا بدوره يُثير القضية الرابعة، وهي أن ما يحدث في البحار والمضايق الاستراتيجية في السنوات الأخيرة، هو أحد الأوجه الجديدة في الصراعات الإقليمية وفي التحولات الأعمق في بنية النظام الدولي؛ فإذا كانت حالتا مضيق هرمز (في سياق الحرب في الشرق الأوسط) وبحر البلطيق (في سياق الحرب الروسية الأوكرانية) قدَّمتا مبدئياً دليلاً على استخدام «الإكراه الجغرافي» للضغط على الخصوم كجزء من صراع القوى؛ فإن الأمر في آسيا سوف يكون أعمق وأشد أثراً؛ حيث أصبحت الممرات الاستراتيجية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ «الإندوباسيفيك» بمثابة رمز للمنافسة الاستراتيجية الأشمل في القرن الحادي والعشرين؛ بسبب التداخل بين الوصول البحري وتحقيق الأمن والتفوق الاقتصادي وإثبات النفوذ الجيوسياسي وتوازن القوى في النظام الدولي.
هنا لا يصبح مضيق ملقا وسائر الممرات في آسيا معضلة تقتصر على الصين فحسب، بل إنها معضلة مؤثرة في دول كبرى فاعلة واقتصادات آسيوية ناشئة وسلسلة مصالح متشابكة تعتمد على حرية وأمن الملاحة في منطقة الإندوباسيفيك.
ارتباطاً بالنقطة السابقة، فإن الحرب الإيرانية، وقبلها الحرب الأوكرانية، أثارتا قضية خامسة ستكون في صُلب التفكير الاستراتيجي في قارة آسيا، وهي محدودية فاعلية القوة العسكرية في حماية المضايق الاستراتيجية أو ضمان فتحها أمام حرية المرور والتجارة في زمن الحرب؛ فالتفوق العسكري الأمريكي الكاسح، بما تمتلكه الولايات المتحدة من ترسانة بحرية هي الأبرز في العالم، كماً ونوعاً، لم يمنحها القدرة على فتح مضيق هرمز أو استعادة حركة الشحن لطبيعتها أو تقويض القيود التشغيلية التي تفرضها إيران، وهذا أمر منطقي بالنظر إلى الطبيعة الجغرافية للمضايق البحرية عموماً.
إن التبعات المستقبلية للحرب الإيرانية لا تتوقف عند قضايا أمن الطاقة وتدفق التجارة وسلاسل الإمدادات وأمن الممرات البحرية؛ ولكنها تمتد إلى تساؤلات مركزية بشأن مستقبل التحالفات الأمنية والدفاعية داخل القارة وبحسابات الردع من قِبَل حلفاء الولايات المتحدة وخصومها على حد سواء.
ولا ينفصل ذلك عن استراتيجيات الأمن القومي للدول الآسيوية الكبرى والمتوسطة، في ظل حسابات مُعلَّقة لا ترتبط فقط بقدرة الولايات المتحدة على نَشْر القوة وخوض أكثر من حرب في مسارح متباعدة؛ ولكنها تتعلق بقدر أكبر باستعدادات الحلفاء، مثل اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين وغيرهم، للتعامل مع شكوكهم الخاصة وثقتهم المتراجعة في نيات وقدرات الولايات المتحدة على الدخول في حرب في آسيا لأي سبب.
إن مجمل ما سبق يشير إلى سقوط بعض الافتراضات التي سادت قارة آسيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ومن أبرزها حرية الملاحة في الممرات الحيوية، والأمن شِبْه المُطلَق لتدفق سلاسل الطاقة والإمدادات، والعولمة الطبيعية للتجارة بما أسهمت فيه من تقدم تكنولوجي وصناعي، وهي أسباب كافية لتعزيز برامج الصناعات الدفاعية الوطنية وتحديث الجيوش والاستثمار بكثافة في كل ما يمكنه تحقيق الردع من قدرات صاروخية ونووية وبحرية وتكنولوجية وسيبرانية، وربما إعادة النظر في النمط السائد للشراكات الدفاعية والأمنية؛ بحيث سيصبح الاعتماد على النفس هو القاسم المشترك، واقعياً، بين كل الدول الآسيوية في سبيل تحقيق أمنها وحماية مصالحها، وسط الاضطراب الراهن والمقبل في السياسات العالمية.
{ باحث مختص في القضايا الآسيوية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك