العدد : ١٧٦١٩ - الجمعة ١٩ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦١٩ - الجمعة ١٩ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

انعكاسات الحرب الإيرانية على الاستقرار والأمن الاقتصادي

بقلم: د. إبراهيم غالي {

الخميس ١٨ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

كان‭ ‬لاندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وإيران‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬انعكاسات‭ ‬وتأثيرات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬الاستقرار‭ ‬والأمن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬مناطق‭ ‬العالم‭ ‬وخاصة‭ ‬بعد‭ ‬أزمة‭ ‬إغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬دول‭ ‬العالم‭.‬

ولم‭ ‬تكن‭ ‬دول‭ ‬ومناطق‭ ‬قارة‭ ‬آسيا،‭ ‬الأبعد‭ ‬جغرافياً‭ ‬عن‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬متداخلة‭ ‬ومتأثرة،‭ ‬بحروبه‭ ‬وصراعاته،‭ ‬مثلما‭ ‬حدث‭ ‬ذلك‭  ‬منذ‭ ‬يوم‭ ‬28‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬مع‭ ‬لحظة‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬وما‭ ‬صاحبها‭ ‬من‭ ‬قيام‭ ‬الأخيرة‭ ‬بالهجوم‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬وخليجية‭ ‬وإغلاقها‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز؛‭ ‬فبمجرد‭ ‬وقوع‭ ‬الحرب،‭ ‬توسَّع‭ ‬نطاق‭ ‬تأثيرها‭ ‬الفوري‭ ‬والمباشر‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬آسيا‭ ‬والمحيط‭ ‬الهادئ،‭ ‬ليشكل‭ ‬ذلك‭ ‬نقطة‭ ‬تحوُّل‭ (‬Tipping‭ ‬Point‭)  ‬تعيد‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الافتراضات‭ ‬السائدة‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬ولتثير‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬التساؤلات‭ ‬والقضايا‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬ولن‭ ‬تنتهِ،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬المحصلة‭ ‬الأخيرة‭ ‬لهذه‭ ‬الحرب؛‭ ‬لأنها‭ ‬قضايا‭ ‬تمس‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬مستقبل‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬لغالبية‭ ‬الدول‭ ‬الآسيوية‭.‬

القضية‭ ‬الجوهرية‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬أثارتها‭ ‬الحرب‭ ‬بمجرد‭ ‬وقوعها‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬هي‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬الآسيوي،‭ ‬بما‭ ‬تتضمنه‭ ‬من‭ ‬سلسلة‭ ‬قضايا‭ ‬فرعية‭ ‬أخرى‭ ‬تَختبر‭ ‬المرونة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لدول‭ ‬آسيا‭ ‬الأكثر‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬إمدادات‭ ‬الطاقة‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬والتي‭ ‬تمر‭ ‬بالطبع‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز؛‭ ‬مثل‭ ‬ضمان‭ ‬تدفقات‭ ‬التجارة،‭ ‬وتعطُّل‭ ‬سلاسل‭ ‬إمدادات‭ ‬حيوية‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬وفي‭ ‬قطاعات‭ ‬الزراعة‭ ‬والصناعة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الصدمات‭ ‬التضخمية‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار،‭ ‬والإجراءات‭ ‬والتدابير‭ ‬التقشفية‭ ‬التي‭ ‬اضُطرَّت‭ ‬غالبية‭ ‬حكومات‭ ‬دول‭ ‬آسيا‭ ‬لاتخاذها،‭ ‬ومنها‭ ‬دول‭ ‬تعاني‭ ‬اقتصادياً‭ ‬مثل‭ ‬باكستان‭ ‬وبنجلاديش‭ ‬ونيبال‭ ‬وسريلانكا‭ ‬وبعض‭ ‬جمهوريات‭ ‬آسيا‭ ‬الوسطى‭.‬

لقد‭ ‬أدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬نهاية‭ ‬الافتراض‭ ‬السائد‭ ‬منذ‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬بأن‭ ‬البحار‭ ‬هي‭ ‬طريق‭ ‬آمن‭ ‬لإمدادات‭ ‬الطاقة‭ ‬الآسيوية،‭ ‬ومعه‭ ‬يكاد‭ ‬ينتهي‭ ‬كذلك‭ ‬افتراض‭ ‬أن‭ ‬العبور‭ ‬الآمن‭ ‬للطاقة‭ ‬هو‭ ‬مسألة‭ ‬‮«‬مدنية‮»‬‭ ‬بالأساس؛‭ ‬لأنها‭ ‬تتعلق‭ ‬بمُسلَّمات‭ ‬رَسَخَت‭ ‬في‭ ‬الجزء‭ ‬الثالث‭ ‬في‭ ‬اتفاقية‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لقانون‭ ‬البحار‭ ‬لعام‭ ‬1982،‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬المضايق‭ ‬المُستخدَمَة‭ ‬للملاحة‭ ‬البحرية»؛‭ ‬ربما‭ ‬ليبدأ‭ ‬التفكير‭ ‬لاحقاً‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬تأمين‭ ‬البحار‭ ‬‮«‬عسكرياً‮»‬‭ ‬لضمان‭ ‬إمدادات‭ ‬الطاقة‭ ‬والسلاسل‭ ‬الحيوية،‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬مسألة‭ ‬أمن‭ ‬قومي‭ ‬ربما‭ ‬يفوق‭ ‬التهديدات‭ ‬العسكرية‭ ‬المباشرة،‭ ‬وربما‭ ‬كذلك‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬بدائل‭ ‬طاقة‭ ‬آسيوية‭ ‬أقل‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬البحار‭.‬

ارتباطاً‭ ‬بذلك،‭ ‬تكمن‭ ‬القضية‭ ‬الثانية،‭ ‬في‭ ‬مبدأ‭ ‬‮«‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬الممرات‭ ‬الدولية‭ ‬كقاعدة‭ ‬قانونية‭ ‬مستقرة‮»‬،‭ ‬فالإغلاق‭ ‬الإيراني‭ ‬لمضيق‭ ‬هرمز‭ ‬لم‭ ‬يُثِر‭ ‬فقط‭ ‬مسألة‭ ‬انتهاك‭ ‬المادة‭ ‬44‭ ‬من‭ ‬اتفاقية‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لقانون‭ ‬البحار،‭ ‬والتي‭ ‬تنص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬المشاطئة‭ ‬للمضايق‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬تُعرقِلَ‭ ‬العبور‭ ‬العابر‮»‬،‭ ‬ويجب‭ ‬عليها‭ ‬الإعلان‭ ‬المناسب‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬خطر‭ ‬يهدد‭ ‬الملاحة‭ ‬فيها»؛‭ ‬ولكنه‭ ‬عرَّض‭ ‬أيضاً‭ ‬المبدأ‭ ‬القانوني‭ ‬الخاص‭ ‬بحرية‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬الممرات‭ ‬الطبيعية‭ (‬غير‭ ‬الاصطناعية‭) ‬لهزة‭ ‬عنيفة‭ ‬بعدما‭ ‬خَلَق‭ ‬سابقة‭ ‬خطرة‭ ‬من‭ ‬نوعها‭.‬

هذه‭ ‬الهزة‭ ‬لا‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬إغلاق‭ ‬إيران‭ ‬للمضيق‭ ‬نتيجةً‭ ‬للحرب‭ ‬أو‭ ‬لاستخدامه‭ ‬كورقة‭ ‬ضغط‭ ‬ومساومة،‭ ‬ولكن‭ ‬ترجع‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭ ‬إلى‭ ‬إعلان‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬واحد‭ ‬إدارتها‭ ‬مستقبلاً‭ ‬للمضيق‭ ‬وفَرْض‭ ‬قواعد‭ ‬جديدة،‭ ‬مالياً‭ ‬وإجرائياً،‭ ‬لمرور‭ ‬السفن‭ ‬والحاويات،‭ ‬في‭ ‬مخالفة‭ ‬صارخة‭ ‬للمادة‭ ‬44،‭ ‬هذا‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬إمكانية‭ ‬إغلاق‭ ‬المضيق‭ ‬وقتما‭ ‬تريد‭ ‬ساعة‭ ‬الأزمات‭. ‬وإذا‭ ‬فعلت‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬أو‭ ‬دول‭ ‬تَطُل‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬حيوي‭ ‬أموراً‭ ‬أشبه‭ ‬بتلك‭ ‬الانتهاكات،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬هددت‭ ‬بتعطيل‭ ‬الملاحة‭ ‬الدولية،‭ ‬فلن‭ ‬يقضي‭ ‬ذلك‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬قانونية‭ ‬دولية،‭ ‬بل‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬‮«‬عسكرة‭ ‬إجبارية‮»‬‭ ‬للتجارة‭ ‬العالمية‭.‬

هنا‭ ‬تأتي‭ ‬القضية‭ ‬الثالثة‭ ‬المتداخلة‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬وترتبط‭ ‬بنقاط‭ ‬الاختناق‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬باعتبارها‭ ‬الحلقة‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬البحري‭ ‬العالمي،‭ ‬وتحديداً‭ ‬الآسيوي؛‭ ‬إذ‭ ‬تُبرِز‭ ‬حالة‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ (‬المُغلَق‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬والمُحاصَر‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭) ‬بشكل‭ ‬لا‭ ‬لَبْس‭ ‬فيه‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬الممرات‭ ‬المائية‭ ‬الحيوية‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬تنازُع‭ ‬إقليمية،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬عوامل‭ ‬ضغط‭ ‬دولية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬اشتداد‭ ‬المنافسة‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى؛‭ ‬وهي‭ ‬سمة‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬آسيا‭ ‬والمحيط‭ ‬الهادئ،‭ ‬عَبْر‭ ‬شبكة‭ ‬ممتدة‭ ‬من‭ ‬نقاط‭ ‬الاختناق‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬وقناة‭ ‬السويس‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر‭ ‬ومضيق‭ ‬باب‭ ‬المندب،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬مضيق‭ ‬ملقا‭ ‬وبحر‭ ‬الصين‭ ‬الجنوبي‭ ‬ومضيق‭ ‬تايوان‭ ‬وبحر‭ ‬اليابان؛‭ ‬فقد‭ ‬تصبح‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬بَعْد‭ ‬إغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬مواقع‭ ‬هيكلية‭ ‬للتنافس‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬ولتوزيع‭ ‬القوة‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬والعقود‭ ‬القادمة‭.‬

هنا‭ ‬تحديداً‭ ‬تُثار‭ ‬معضلة‭ ‬مضيق‭ ‬ملقا،‭ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬هرمز‭ ‬مضيقاً‭ ‬لا‭ ‬غِنَى‭ ‬عنه‭ ‬لتجارة‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬خاص؛‭ ‬فإن‭ ‬مضيق‭ ‬ملقا،‭ ‬الواقع‭ ‬بين‭ ‬إندونيسيا‭ ‬وماليزيا‭ ‬وسنغافورة،‭ ‬يربط‭ ‬المحيطين‭ ‬الهندي‭ ‬والهادئ؛‭ ‬أي‭ ‬إنه‭ ‬نقطة‭ ‬الاختناق‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الواصلة‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وإفريقيا‭ ‬وكل‭ ‬مناطق‭ ‬آسيا‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬أستراليا؛‭ ‬لذلك،‭ ‬فهو‭ ‬أكثر‭ ‬الممرات‭ ‬الملاحية‭ ‬ازدحاماً‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وتتدفق‭ ‬عَبْرَه‭ ‬كميات‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬المُصنَّعة‭ ‬والإلكترونيات‭ ‬والإمدادات‭ ‬الغذائية‭ ‬والمواد‭ ‬الخام‭ ‬وغيرها؛‭ ‬أي‭ ‬إنه‭ ‬جزءٌ‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬شبكات‭ ‬الإنتاج‭ ‬والاستهلاك‭ ‬العالمية‭. ‬وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬اضطراب‭ ‬فيه‭ ‬قد‭ ‬يُولِّد‭ ‬تداعيات‭ ‬اقتصادية‭ ‬أوسع‭ ‬نطاقاً‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬المرتبطة‭ ‬بمضيق‭ ‬هرمز؛‭ ‬نظراً‭ ‬لدوره‭ ‬المُزدَوَج‭ ‬في‭ ‬ربط‭ ‬تدفقات‭ ‬الطاقة‭ ‬وسلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬الصناعية‭ ‬العالمية‭.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬بدوره‭ ‬يُثير‭ ‬القضية‭ ‬الرابعة،‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬البحار‭ ‬والمضايق‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬الأوجه‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬الصراعات‭ ‬الإقليمية‭ ‬وفي‭ ‬التحولات‭ ‬الأعمق‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬النظام‭ ‬الدولي؛‭ ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬حالتا‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ (‬في‭ ‬سياق‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭) ‬وبحر‭ ‬البلطيق‭ (‬في‭ ‬سياق‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭) ‬قدَّمتا‭ ‬مبدئياً‭ ‬دليلاً‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬‮«‬الإكراه‭ ‬الجغرافي‮»‬‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬الخصوم‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬صراع‭ ‬القوى؛‭ ‬فإن‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬سوف‭ ‬يكون‭ ‬أعمق‭ ‬وأشد‭ ‬أثراً؛‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬الممرات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬المحيطين‭ ‬الهندي‭ ‬والهادئ‭ ‬‮«‬الإندوباسيفيك‮»‬‭ ‬بمثابة‭ ‬رمز‭ ‬للمنافسة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأشمل‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين؛‭ ‬بسبب‭ ‬التداخل‭ ‬بين‭ ‬الوصول‭ ‬البحري‭ ‬وتحقيق‭ ‬الأمن‭ ‬والتفوق‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وإثبات‭ ‬النفوذ‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬وتوازن‭ ‬القوى‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭.‬

هنا‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬مضيق‭ ‬ملقا‭ ‬وسائر‭ ‬الممرات‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬معضلة‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الصين‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬معضلة‭ ‬مؤثرة‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬كبرى‭ ‬فاعلة‭ ‬واقتصادات‭ ‬آسيوية‭ ‬ناشئة‭ ‬وسلسلة‭ ‬مصالح‭ ‬متشابكة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬حرية‭ ‬وأمن‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الإندوباسيفيك‭.‬

ارتباطاً‭ ‬بالنقطة‭ ‬السابقة،‭ ‬فإن‭ ‬الحرب‭ ‬الإيرانية،‭ ‬وقبلها‭ ‬الحرب‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬أثارتا‭ ‬قضية‭ ‬خامسة‭ ‬ستكون‭ ‬في‭ ‬صُلب‭ ‬التفكير‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬في‭ ‬قارة‭ ‬آسيا،‭ ‬وهي‭ ‬محدودية‭ ‬فاعلية‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬المضايق‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أو‭ ‬ضمان‭ ‬فتحها‭ ‬أمام‭ ‬حرية‭ ‬المرور‭ ‬والتجارة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحرب؛‭ ‬فالتفوق‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬الكاسح،‭ ‬بما‭ ‬تمتلكه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬ترسانة‭ ‬بحرية‭ ‬هي‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬كماً‭ ‬ونوعاً،‭ ‬لم‭ ‬يمنحها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬فتح‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬أو‭ ‬استعادة‭ ‬حركة‭ ‬الشحن‭ ‬لطبيعتها‭ ‬أو‭ ‬تقويض‭ ‬القيود‭ ‬التشغيلية‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬إيران،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬منطقي‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬الطبيعة‭ ‬الجغرافية‭ ‬للمضايق‭ ‬البحرية‭ ‬عموماً‭.‬

إن‭ ‬التبعات‭ ‬المستقبلية‭ ‬للحرب‭ ‬الإيرانية‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬قضايا‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬وتدفق‭ ‬التجارة‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمدادات‭ ‬وأمن‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية؛‭ ‬ولكنها‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬تساؤلات‭ ‬مركزية‭ ‬بشأن‭ ‬مستقبل‭ ‬التحالفات‭ ‬الأمنية‭ ‬والدفاعية‭ ‬داخل‭ ‬القارة‭ ‬وبحسابات‭ ‬الردع‭ ‬من‭ ‬قِبَل‭ ‬حلفاء‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وخصومها‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭.‬

ولا‭ ‬ينفصل‭ ‬ذلك‭ ‬عن‭ ‬استراتيجيات‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬للدول‭ ‬الآسيوية‭ ‬الكبرى‭ ‬والمتوسطة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬حسابات‭ ‬مُعلَّقة‭ ‬لا‭ ‬ترتبط‭ ‬فقط‭ ‬بقدرة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬نَشْر‭ ‬القوة‭ ‬وخوض‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬في‭ ‬مسارح‭ ‬متباعدة؛‭ ‬ولكنها‭ ‬تتعلق‭ ‬بقدر‭ ‬أكبر‭ ‬باستعدادات‭ ‬الحلفاء،‭ ‬مثل‭ ‬اليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬والفلبين‭ ‬وغيرهم،‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬شكوكهم‭ ‬الخاصة‭ ‬وثقتهم‭ ‬المتراجعة‭ ‬في‭ ‬نيات‭ ‬وقدرات‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬لأي‭ ‬سبب‭.‬

إن‭ ‬مجمل‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬سقوط‭ ‬بعض‭ ‬الافتراضات‭ ‬التي‭ ‬سادت‭ ‬قارة‭ ‬آسيا‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬ومن‭ ‬أبرزها‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬الممرات‭ ‬الحيوية،‭ ‬والأمن‭ ‬شِبْه‭ ‬المُطلَق‭ ‬لتدفق‭ ‬سلاسل‭ ‬الطاقة‭ ‬والإمدادات،‭ ‬والعولمة‭ ‬الطبيعية‭ ‬للتجارة‭ ‬بما‭ ‬أسهمت‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬تقدم‭ ‬تكنولوجي‭ ‬وصناعي،‭ ‬وهي‭ ‬أسباب‭ ‬كافية‭ ‬لتعزيز‭ ‬برامج‭ ‬الصناعات‭ ‬الدفاعية‭ ‬الوطنية‭ ‬وتحديث‭ ‬الجيوش‭ ‬والاستثمار‭ ‬بكثافة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يمكنه‭ ‬تحقيق‭ ‬الردع‭ ‬من‭ ‬قدرات‭ ‬صاروخية‭ ‬ونووية‭ ‬وبحرية‭ ‬وتكنولوجية‭ ‬وسيبرانية،‭ ‬وربما‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬النمط‭ ‬السائد‭ ‬للشراكات‭ ‬الدفاعية‭ ‬والأمنية؛‭ ‬بحيث‭ ‬سيصبح‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬النفس‭ ‬هو‭ ‬القاسم‭ ‬المشترك،‭ ‬واقعياً،‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬الدول‭ ‬الآسيوية‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬تحقيق‭ ‬أمنها‭ ‬وحماية‭ ‬مصالحها،‭ ‬وسط‭ ‬الاضطراب‭ ‬الراهن‭ ‬والمقبل‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬العالمية‭.‬

 

{‭ ‬باحث‭ ‬مختص‭ ‬في‭ ‬القضايا‭ ‬الآسيوية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا