يدخل الكثير من الأزواج معترك الحياة الزوجية وهم يحملون في مخيلتهم صورة ذهنية «مثالية» عن العلاقة، ليُفاجأوا لاحقاً بوجود فجوة عميقة بين سقف توقعاتهم عن أنفسهم وشركائهم وطبيعة الحياة الزوجية الواقعية التي يواجهونها. هذه الفجوة تفتح لديهم تساؤلات وجودية عديدة: هل الخلل في ذواتهم؟ أم في اختيار الشريك؟ أم أن طبيعة العلاقة الزوجية نفسها هي السبب؟ وغالباً ما ينطلقون في رحلة مضنية لمحاولة الوصول إلى «الزواج المثالي»، سعياً وراء تقليل هذه الفجوة وتحقيق الرضا داخل العلاقة.
يتضح جلياً أن هناك تباينا شاسعاً بين صورة الزواج الواقعي كما يُعاش فعلياً وصورة الزواج المثالي المنشودة؛ وهذا التباين هو ما يولد الفجوة بين الطرفين. ومع اتساع رقعتها، تبدأ الخلافات بالظهور والتصاعد، نتيجة الاصطدام بين الآمال والتوقعات بالواقع اليومي وتحدياته.
وفي وقتنا الحالي هناك الكثير من المصادر التي تغذي فكرة الزواج المثالي، أبرزها برامج ومواقع التواصل الاجتماعي، التي تقدم لحديثي الزواج نماذج لعلاقات جذابة تبدو خالية من الخلافات، يسودها التفاهم المستمر والتناغم الدائم، وكأن الزوجين في حالة انسجام كامل طوال الوقت، وأن كلاهما متشابه إلى حد كبير ويعرف ما يحتاج إليه الطرف الآخر من دون أن يعبر له، وهذا يعزز تكوين توقعات غير واقعية عن طبيعة العلاقة لحديثي الزواج.
ومن هنا يبدأ الشريكان (أو أحدهما) بالسعي لتغيير الطرف الآخر كي يتطابق مع هذه الصورة المثالية المتوقعة، أو لإعادة تشكيل ملامح العلاقة وفقاً لما هو متصور في برامج التواصل والدراما التلفزيونية؛ فيصبح الزواج وكأنه نموذج جاهز يجب حصره على الواقع لينجح. ويشمل هذا السعي جوانب متعددة: المظهر الخارجي، السمات الشخصية، أسلوب التعامل، وطبيعة المسؤوليات والتكليفات، بل قد يمتد أحياناً إلى طرق التفكير وأنماط اللباس والعادات اليومية. ومع استمرار هذا التوقع غير الواقعي وصعوبة تحقيقه على أرض الواقع تبدأ ملامح التصادم بين الطرفين، حيث يتحول الاختلاف الطبيعي الفطري إلى مصدر دائم للتوتر والخلاف نتيجة الإصرار على «التغيير» بدلاً من نهج «التكيف والتقبل».
وهذا ما نشهده كمختصين في المجال النفسي والأسري أثناء تقديم خدمات الإرشاد للمتزوجين حديثاً، حيث يتضح في العديد من الحالات أن الخلافات في بداية الحياة الزوجية لا ترتبط فقط بالأحداث اليومية، بل تكون امتدادًا لتوقعات سابقة عن الشريك وعن شكل العلاقة، ومع تكرار الصور لهذه العلاقات وانتشار تحديد المعايير في وسائل التواصل الاجتماعي تزداد هذه التوقعات رسوخاً ويصبح الشخص أكثر تمسكاً بها، ويصبح أكثر اقتناعا بأن المثالية في الزواج أمر قابل للوصول والتحقق، ما يوسع الفجوة بين الواقع والتوقعات، ويؤثر على مستوى الرضا والتقبل بين الزوجين.
ونظراً إلى أن تلك المثالية غير قابلة للتحقق، تبرز الأهمية القصوى لإرشاد المقبلين على الزواج والمتزوجين حديثاً، لمساعدتهم على «إعادة ضبط التوقعات» في بداية الطريق.
يتطلب الوعي بأن العلاقة الناجحة لا تُبنى على المثالية بقدر ما تُبنى على التفاهم، التكيف، التقبل، والنمو التدريجي المشترك. كما تكمن المهمة في مساعدتهم على التمييز بين ما يُعرض في المنصات الرقمية وطبيعة الحياة الواقعية؛ بهدف تقليل المقارنات غير العادلة، وتعزيز قدرة الزوجين على التعامل مع الاختلافات والخلافات باعتبارها جزءاً طبيعياً وصحياً من أي علاقة إنسانية، وليست مؤشراً على فشلها.
في الختام، يتضح أن السعي نحو الصورة المثالية في الزواج قد يتحول إلى ضغط غير واقعي على العلاقة، وكلما اتسعت الفجوة بين التوقعات والواقع زادت معها شدة الإحباط وصعوبة تحقيق التكيف بين الشريكين.
وبناء عليه فإن بناء علاقة زوجية مستقرة لا يقوم على الوصول إلى الكمال، بل على الفهم والمرونة والتقبل، وإعادة تشكيل التوقعات بما يتناسب مع طبيعة العلاقة الواقعية. فالعلاقة الزوجية ليست صورة ثابتة مثالية، بل تجربة إنسانية تنمو بالتفاهم وتستمر بقدر ما يسودها من وعي وتقبّل.
{ أخصائية الإرشاد النفسي -
مركز عائشة يتيم للإرشاد الأسري

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك