العدد : ١٧٦٠٦ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٦ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

فخ المثالية في بداية الحياة الزوجية

بقلم: زهراء العلوي {

السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

يدخل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأزواج‭ ‬معترك‭ ‬الحياة‭ ‬الزوجية‭ ‬وهم‭ ‬يحملون‭ ‬في‭ ‬مخيلتهم‭ ‬صورة‭ ‬ذهنية‭ ‬‮«‬مثالية‮»‬‭ ‬عن‭ ‬العلاقة،‭ ‬ليُفاجأوا‭ ‬لاحقاً‭ ‬بوجود‭ ‬فجوة‭ ‬عميقة‭ ‬بين‭ ‬سقف‭ ‬توقعاتهم‭ ‬عن‭ ‬أنفسهم‭ ‬وشركائهم‭ ‬وطبيعة‭ ‬الحياة‭ ‬الزوجية‭ ‬الواقعية‭ ‬التي‭ ‬يواجهونها‭. ‬هذه‭ ‬الفجوة‭ ‬تفتح‭ ‬لديهم‭ ‬تساؤلات‭ ‬وجودية‭ ‬عديدة‭: ‬هل‭ ‬الخلل‭ ‬في‭ ‬ذواتهم؟‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬الشريك؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬الزوجية‭ ‬نفسها‭ ‬هي‭ ‬السبب؟‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬ينطلقون‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬مضنية‭ ‬لمحاولة‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الزواج‭ ‬المثالي‮»‬،‭ ‬سعياً‭ ‬وراء‭ ‬تقليل‭ ‬هذه‭ ‬الفجوة‭ ‬وتحقيق‭ ‬الرضا‭ ‬داخل‭ ‬العلاقة‭.‬

يتضح‭ ‬جلياً‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬تباينا‭ ‬شاسعاً‭ ‬بين‭ ‬صورة‭ ‬الزواج‭ ‬الواقعي‭ ‬كما‭ ‬يُعاش‭ ‬فعلياً‭ ‬وصورة‭ ‬الزواج‭ ‬المثالي‭ ‬المنشودة؛‭ ‬وهذا‭ ‬التباين‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يولد‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭. ‬ومع‭ ‬اتساع‭ ‬رقعتها،‭ ‬تبدأ‭ ‬الخلافات‭ ‬بالظهور‭ ‬والتصاعد،‭ ‬نتيجة‭ ‬الاصطدام‭ ‬بين‭ ‬الآمال‭ ‬والتوقعات‭ ‬بالواقع‭ ‬اليومي‭ ‬وتحدياته‭.‬

وفي‭ ‬وقتنا‭ ‬الحالي‭ ‬هناك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المصادر‭ ‬التي‭ ‬تغذي‭ ‬فكرة‭ ‬الزواج‭ ‬المثالي،‭ ‬أبرزها‭ ‬برامج‭ ‬ومواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬لحديثي‭ ‬الزواج‭ ‬نماذج‭ ‬لعلاقات‭ ‬جذابة‭ ‬تبدو‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬الخلافات،‭ ‬يسودها‭ ‬التفاهم‭ ‬المستمر‭ ‬والتناغم‭ ‬الدائم،‭ ‬وكأن‭ ‬الزوجين‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬انسجام‭ ‬كامل‭ ‬طوال‭ ‬الوقت،‭ ‬وأن‭ ‬كلاهما‭ ‬متشابه‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬ويعرف‭ ‬ما‭ ‬يحتاج‭ ‬إليه‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعبر‭ ‬له،‭ ‬وهذا‭ ‬يعزز‭ ‬تكوين‭ ‬توقعات‭ ‬غير‭ ‬واقعية‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬لحديثي‭ ‬الزواج‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬يبدأ‭ ‬الشريكان‭ (‬أو‭ ‬أحدهما‭) ‬بالسعي‭ ‬لتغيير‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬كي‭ ‬يتطابق‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬المثالية‭ ‬المتوقعة،‭ ‬أو‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬ملامح‭ ‬العلاقة‭ ‬وفقاً‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬متصور‭ ‬في‭ ‬برامج‭ ‬التواصل‭ ‬والدراما‭ ‬التلفزيونية؛‭ ‬فيصبح‭ ‬الزواج‭ ‬وكأنه‭ ‬نموذج‭ ‬جاهز‭ ‬يجب‭ ‬حصره‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬لينجح‭. ‬ويشمل‭ ‬هذا‭ ‬السعي‭ ‬جوانب‭ ‬متعددة‭: ‬المظهر‭ ‬الخارجي،‭ ‬السمات‭ ‬الشخصية،‭ ‬أسلوب‭ ‬التعامل،‭ ‬وطبيعة‭ ‬المسؤوليات‭ ‬والتكليفات،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يمتد‭ ‬أحياناً‭ ‬إلى‭ ‬طرق‭ ‬التفكير‭ ‬وأنماط‭ ‬اللباس‭ ‬والعادات‭ ‬اليومية‭. ‬ومع‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬التوقع‭ ‬غير‭ ‬الواقعي‭ ‬وصعوبة‭ ‬تحقيقه‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬تبدأ‭ ‬ملامح‭ ‬التصادم‭ ‬بين‭ ‬الطرفين،‭ ‬حيث‭ ‬يتحول‭ ‬الاختلاف‭ ‬الطبيعي‭ ‬الفطري‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬دائم‭ ‬للتوتر‭ ‬والخلاف‭ ‬نتيجة‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬‮«‬التغيير‮»‬‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬نهج‭ ‬‮«‬التكيف‭ ‬والتقبل‮»‬‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬نشهده‭ ‬كمختصين‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬النفسي‭ ‬والأسري‭ ‬أثناء‭ ‬تقديم‭ ‬خدمات‭ ‬الإرشاد‭ ‬للمتزوجين‭ ‬حديثاً،‭ ‬حيث‭ ‬يتضح‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬أن‭ ‬الخلافات‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الحياة‭ ‬الزوجية‭ ‬لا‭ ‬ترتبط‭ ‬فقط‭ ‬بالأحداث‭ ‬اليومية،‭ ‬بل‭ ‬تكون‭ ‬امتدادًا‭ ‬لتوقعات‭ ‬سابقة‭ ‬عن‭ ‬الشريك‭ ‬وعن‭ ‬شكل‭ ‬العلاقة،‭ ‬ومع‭ ‬تكرار‭ ‬الصور‭ ‬لهذه‭ ‬العلاقات‭ ‬وانتشار‭ ‬تحديد‭ ‬المعايير‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬تزداد‭ ‬هذه‭ ‬التوقعات‭ ‬رسوخاً‭ ‬ويصبح‭ ‬الشخص‭ ‬أكثر‭ ‬تمسكاً‭ ‬بها،‭ ‬ويصبح‭ ‬أكثر‭ ‬اقتناعا‭ ‬بأن‭ ‬المثالية‭ ‬في‭ ‬الزواج‭ ‬أمر‭ ‬قابل‭ ‬للوصول‭ ‬والتحقق،‭ ‬ما‭ ‬يوسع‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬والتوقعات،‭ ‬ويؤثر‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الرضا‭ ‬والتقبل‭ ‬بين‭ ‬الزوجين‭.‬

ونظراً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬المثالية‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للتحقق،‭ ‬تبرز‭ ‬الأهمية‭ ‬القصوى‭ ‬لإرشاد‭ ‬المقبلين‭ ‬على‭ ‬الزواج‭ ‬والمتزوجين‭ ‬حديثاً،‭ ‬لمساعدتهم‭ ‬على‭ ‬‮«‬إعادة‭ ‬ضبط‭ ‬التوقعات‮»‬‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الطريق‭.‬

يتطلب‭ ‬الوعي‭ ‬بأن‭ ‬العلاقة‭ ‬الناجحة‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬المثالية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬التفاهم،‭ ‬التكيف،‭ ‬التقبل،‭ ‬والنمو‭ ‬التدريجي‭ ‬المشترك‭. ‬كما‭ ‬تكمن‭ ‬المهمة‭ ‬في‭ ‬مساعدتهم‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يُعرض‭ ‬في‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬وطبيعة‭ ‬الحياة‭ ‬الواقعية؛‭ ‬بهدف‭ ‬تقليل‭ ‬المقارنات‭ ‬غير‭ ‬العادلة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬قدرة‭ ‬الزوجين‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الاختلافات‭ ‬والخلافات‭ ‬باعتبارها‭ ‬جزءاً‭ ‬طبيعياً‭ ‬وصحياً‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬علاقة‭ ‬إنسانية،‭ ‬وليست‭ ‬مؤشراً‭ ‬على‭ ‬فشلها‭.‬

في‭ ‬الختام،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬السعي‭ ‬نحو‭ ‬الصورة‭ ‬المثالية‭ ‬في‭ ‬الزواج‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬ضغط‭ ‬غير‭ ‬واقعي‭ ‬على‭ ‬العلاقة،‭ ‬وكلما‭ ‬اتسعت‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬التوقعات‭ ‬والواقع‭ ‬زادت‭ ‬معها‭ ‬شدة‭ ‬الإحباط‭ ‬وصعوبة‭ ‬تحقيق‭ ‬التكيف‭ ‬بين‭ ‬الشريكين‭.‬

‭ ‬وبناء‭ ‬عليه‭ ‬فإن‭ ‬بناء‭ ‬علاقة‭ ‬زوجية‭ ‬مستقرة‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الكمال،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬الفهم‭ ‬والمرونة‭ ‬والتقبل،‭ ‬وإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬التوقعات‭ ‬بما‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬الواقعية‭. ‬فالعلاقة‭ ‬الزوجية‭ ‬ليست‭ ‬صورة‭ ‬ثابتة‭ ‬مثالية،‭ ‬بل‭ ‬تجربة‭ ‬إنسانية‭ ‬تنمو‭ ‬بالتفاهم‭ ‬وتستمر‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يسودها‭ ‬من‭ ‬وعي‭ ‬وتقبّل‭.‬

 

{‭ ‬أخصائية‭ ‬الإرشاد‭ ‬النفسي‭ -‬

مركز‭ ‬عائشة‭ ‬يتيم‭ ‬للإرشاد‭ ‬الأسري

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا