ربما يُعد من أهم المجالات التي تتركز عليها نظرة الخبراء والمحللين وعلماء العلاقات الدولية والعلوم السياسية، في سعيهم لبلورة رؤية مستقبلية لاستشراف ما بعد انتهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية على إيران، هو التوقعات المتعلقة بالمشهد السياسي الداخلي في إيران في ظل تداعيات الحرب وتطوراتها وانعكاساتها على الواقع الداخلي في إيران، وعلى صورة ومكانة وشرعية وشعبية النظام السياسي الإيراني القائم حاليا.
ولكي ندرك أهمية هذا البعد، يتعين علينا أن نستحضر أن أحد أهم دوافع وأسباب شن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بشكل مشترك الحرب على إيران يوم 28 فبراير 2026، كان السعي، خاصة في المرحلة الأولى من الحرب، إلى إسقاط الحكم القائم في إيران بشكل كامل وشامل، والعمل على أن يحل محله نظام موالٍ لواشنطن وتابع لتل أبيب، بما شمل جهدا واضحا من نجل آخر شاه لإيران، وهو رضا بهلوي، لعرض نفسه على الأمريكيين والإسرائيليين ثم على الشعب الإيراني باعتباره البديل المثالي للنظام الحاكم الحالي في إيران، وهذا هدف تحول قليلا وتدريجيا خلال 40 يوما هي فترة الحرب، على الأقل حتى إعلان الوقف المؤقت لإطلاق النار، والذى تم تمديده لاحقاً، على الأقل من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، وهى الطرف الأقوى في التحالف الأمريكي الإسرائيلي، حيث بدأت تلميحات مباشرة أو غير مباشرة من بعض مسؤولي الجانب الأمريكي إلى إمكانية قبول واشنطن ببديل معتدل ومستعد للتفاهم معها من داخل النظام السياسي القائم في إيران، وذلك بالرغم من عودة الرئيس الأمريكي لاحقا إلى رفض التفرقة بين «متشددين» و«معتدلين» في دوائر النخبة السياسية الإيرانية الحاكمة.
كما أنه بمرور الوقت بات واضحا أن هدف إسقاط الحكم الإيراني يبدو، بشكل متزايد، هدفا بعيد المنال، خاصة أن الحرب قد جعلت قطاعات من الشعب الإيراني، لا سيما القطاعات النشيطة سياسيا، تتناسى، ولو مؤقتا، خلافاتها مع الحكم الإيراني أو انتقاداتها له، بل وسابق خروج بعضها للتظاهر ضد هذا النظام، كما حدث آخر مرة في يناير 2026، وبالرغم مما تعرضت له من استخدام للعنف من قوات هذا النظام في مواجهة تظاهراتها، فإنها ترفض أن يأتي تغيير النظام السياسي الإيراني عبر هجوم عسكري خارجي مشترك من جانب واشنطن وتل أبيب وبإملاء منهما، أو ملبيا لرغبات وأفضليات الطرفين المعتديين ومتوافقاً مع أجندتهما الإقليمية أو الدولية، على ما قد يكون موجوداً بينهما من خلافات، دون النظر إلى أولويات ومتطلبات واحتياجات ومصالح الشعب الإيراني نفسه، بل إن بعض فصائل المعارضة الإيرانية، سواء العلنية في الداخل أو التي تمارس عملها في الداخل بشكل سري أو الموجودة في الخارج، قد سلكت هذا المسلك نفسه ورفضت أن تأتى إلى مقاعد السلطة في طهران على أسنة الحراب الأمريكية والإسرائيلية.
ولكن من المؤكد أنه بانتهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية الراهنة على إيران، وأيًا كانت النتائج التي ستسفر عنها، وإذا ما استبعدنا سيناريو أن تنتهى الحرب بإسقاط النظام السياسي القائم في إيران، فإن تغييرات ستطرأ على هيكل علاقات القوة داخل بنية النظام السياسي الإيراني القائم حاليا، وعددا من البدائل والسيناريوهات بدأت بالفعل تلوح في الأفق بشأن أشكال ومضامين وتوجهات هذا النظام في المستقبل، بل إن بعض المعالم والمؤشرات في اتجاه بعض سيناريوهات وبدائل التغيير قد ظهرت بوادرها بشكل مبدئي بالفعل خلال فترة الحرب، ولا تزال تتبلور من خلال ما يتسرب عن الوساطة الباكستانية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وما تتضمنه مطالب الطرفين أو شروطهما، سواء لاستئناف العملية التفاوضية أو لإنهاء الحرب بشكل شامل، وذلك فيما يتعلق بتوازنات القوة داخل دوائر النخبة السياسية الحاكمة في طهران.
أما السيناريو الأول، الذى سوف نتناوله في هذا المقال، فهو يخص أموراً بدأت إرهاصاتها تتضح بالفعل منذ الأيام الأولى لاندلاع حرب الأربعين يوما الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وربما بشكل أكثر تحديدا منذ إعلان اغتيال المرشد الأعلى الراحل للثورة الإيرانية آية الله على خامنئي، فهو استمرار تعزيز قبضة وتعاظم قوة ونفوذ «الحرس الثوري» الإيراني في عملية اتخاذ القرار في إيران، ليس فقط على الصعيد العسكري والميداني، وليس فيما يتعلق فقط بحلفاء إيران الإقليميين مثل «حزب الله» في لبنان، وحركة «حماس» وغيرها من الجماعات والتنظيمات المتحالفة مع إيران في فلسطين، وجماعة «أنصار الله (الحوثيين)» في اليمن، وعدد من الجماعات الشيعية المسلحة المؤيدة لإيران في العراق، بل تضاعف تأثير «الحرس الثوري» في مجمل عملية اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الخاصة بالدولة والمجتمع في إيران، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي.
وقد يدفع البعض بأن هذا التضاعف في دور «الحرس الثوري» على مستوى الدولة الإيرانية ككل أمر طبيعي في أوقات الحروب، أي إن نفوذ الجيوش والمؤسسات العسكرية يتعاظم بالضرورة داخل الدولة في هذه الحالات، باعتبارها أوضاعا استثنائية وغير طبيعية تمر بها الدولة، وتستلزم إعطاء مكانة خاصة للجيوش التي تدافع بشكل مباشر في هذه الأوقات عن سلامة الأوطان، وتحمي حدودها وتسعى إلى الذود عن أمنها القومي في أكثر الحالات صراحة لذلك.
ويتطلب ذلك الأخذ بجدية، وبعين الاعتبار، بآراء و«نصائح» القادة العسكريين بشكل يفوق من عداهم من كبار المسؤولين، ويضاف إلى ذلك في الحالة الإيرانية ما اتفقت عليه مصادر مختلفة وكثيرة ومتنوعة داخل إيران وخارجها من أن الحرس الثوري كان هو، من خلال قادته، الذى دفع إلى اختيار مجتبى خامنئي لخلافة والده في منصب المرشد الأعلى، بالرغم من اعتراض آخرين على أساس رفض فكرة «توريث» السلطة من ناحية، أو على أساس أن هناك رجال دين إيرانيين شيعة كثيرين يفوقون مجتبى خامنئي من ناحية المؤهلات الفقهية والعلمية لتولي مثل هذا المنصب الرفيع دينيا، قبل أن يكون رفيعا من الناحية الدستورية والسياسية من ناحية أخرى.
ويجب أن نذكر أن البعض فسر التوافق على اختيار مجتبى خامنئي لخلافة والده بأنه لم يكن فقط بسبب دعم «الحرس الثوري» له، بل أيضا من منطلق «العناد» والتحدي مع الطرفين الأمريكي والإسرائيلي اللذين استهدفا المرشد الأعلى الراحل، وتصورا أنه باغتياله سيسقط النظام السياسي الإيراني وينفرط عقده.
وعلى الجانب الآخر، فإن هناك من يرفض أصلاً فكرة أن تعاظم قوة «الحرس الثوري» حدث مع الحرب الجارية أو بسببها، ويدفع بأن هيمنة «الحرس الثوري» على مقاليد الأمور في إيران تعود إلى فترات تاريخية سابقة؛ فالبعض يؤرخ لها بنشأة «الحرس الثوري» في المقام الأول بعد استتباب نظام «ولاية الفقيه» في عهد آية الله الخميني، بسبب التخوف من الجيش النظامي واحتمال انقلابه على الحكم الجديد، في ضوء هواجس سابقة انقلاب الجيش الإيراني، بالتنسيق بين المخابرات المركزية الأمريكية والمخابرات البريطانية وبين الشاه الراحل في ذلك الوقت محمد رضا بهلوي، على الدكتور محمد مصدق عام 1953، والإطاحة بحكمه الوطني الديمقراطي الذى قرر تأميم صناعة النفط الإيرانية حينذاك، وأيضا تفضيل الدائرة الضيقة حول الخميني في تلك الفترة إنشاء قوات عسكرية على أسس عقائدية. والبعض الآخر يؤرخ لتصاعد أهمية «الحرس الثوري» في السياسة الإيرانية بسبب دوره في الحرب العراقية/الإيرانية (1980–1988)، حيث تم إدخاله أتون الحرب سريعا بعد الانهيار الأول للجيش الإيراني أمام القوات العراقية في سبتمبر 1980، مما تسبب في تحقيقها انتصارات سريعة وكاسحة، وجاء تدخل «الحرس الثوري» ومتطوعي «الباسيج» ليعيد التوازن للوضع العسكري، بل وليقلب الدفة لاحقا لصالح الجانب الإيراني، على الأقل لبعض الوقت.
بينما يرجع البعض الثالث تعاظم دور «الحرس الثوري» إلى الاعتماد المتزايد عليه من قبل القيادة الدينية والسياسية الإيرانية في الحشد والتعبئة وتقديم الدعم للحكومات والجماعات والتنظيمات الحليفة لإيران، خاصة في الدول التي تدخل في إطار الدوائر الإقليمية التي تنتمى إليها إيران، وأخيراً يذهب البعض الرابع إلى القول بأن تعاظم قوة «الحرس الثوري» جاء بسبب تغلغل أنشطته بقوة، على مدار العقود والسنوات الماضية، في المجال الاقتصادي، وبناء «إمبراطورية» اقتصادية عملاقة تضم مؤسسات ضخمة، بعضها كان قد تم تأميمه بعد انتصار الثورة في فبراير 1979، والبعض الآخر تم إنشاؤه إما بسبب الحرب العراقية/الإيرانية أو نتيجة العقوبات الأمريكية والغربية عموما على إيران.
وأيًا كانت الخلفية التاريخية أو التفسيرات المختلفة لتصاعد أهمية ودور «الحرس الثوري» الإيراني، فإنه من المؤكد أن دوره، طبقا لأول سيناريوهات المشهد السياسي الإيراني الداخلي من وجهة نظرنا، مرشح للمزيد من التعاظم والتأثير في مجمل عملية صنع القرار في إيران في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، سواء أخذ هذا التعاظم صورا عملية على أرض الواقع فقط، أو حتى تم ترجمته إلى صياغات مؤسسية، بل وربما دستورية، تُقنن تعاظم هذا الدور.
{ كاتب ودبلوماسي سابق

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك