العدد : ١٧٦٠٥ - الجمعة ٠٥ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٥ - الجمعة ٠٥ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

أسباب تعاظم دور «الحرس الثوري» في السياسة الإيرانية

بقلم: وليد محمود عبد الناصر {

الجمعة ٠٥ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

ربما‭ ‬يُعد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المجالات‭ ‬التي‭ ‬تتركز‭ ‬عليها‭ ‬نظرة‭ ‬الخبراء‭ ‬والمحللين‭ ‬وعلماء‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬والعلوم‭ ‬السياسية،‭ ‬في‭ ‬سعيهم‭ ‬لبلورة‭ ‬رؤية‭ ‬مستقبلية‭ ‬لاستشراف‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الحالية‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬هو‭ ‬التوقعات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالمشهد‭ ‬السياسي‭ ‬الداخلي‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تداعيات‭ ‬الحرب‭ ‬وتطوراتها‭ ‬وانعكاساتها‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬الداخلي‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬وعلى‭ ‬صورة‭ ‬ومكانة‭ ‬وشرعية‭ ‬وشعبية‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬الإيراني‭ ‬القائم‭ ‬حاليا‭.‬

ولكي‭ ‬ندرك‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬البعد،‭ ‬يتعين‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نستحضر‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬دوافع‭ ‬وأسباب‭ ‬شن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وإسرائيل‭ ‬بشكل‭ ‬مشترك‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬يوم‭ ‬28‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬كان‭ ‬السعي،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الحرب،‭ ‬إلى‭ ‬إسقاط‭ ‬الحكم‭ ‬القائم‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭ ‬وشامل،‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يحل‭ ‬محله‭ ‬نظام‭ ‬موالٍ‭ ‬لواشنطن‭ ‬وتابع‭ ‬لتل‭ ‬أبيب،‭ ‬بما‭ ‬شمل‭ ‬جهدا‭ ‬واضحا‭ ‬من‭ ‬نجل‭ ‬آخر‭ ‬شاه‭ ‬لإيران،‭ ‬وهو‭ ‬رضا‭ ‬بهلوي،‭ ‬لعرض‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬الأمريكيين‭ ‬والإسرائيليين‭ ‬ثم‭ ‬على‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬باعتباره‭ ‬البديل‭ ‬المثالي‭ ‬للنظام‭ ‬الحاكم‭ ‬الحالي‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬وهذا‭ ‬هدف‭ ‬تحول‭ ‬قليلا‭ ‬وتدريجيا‭ ‬خلال‭ ‬40‭ ‬يوما‭ ‬هي‭ ‬فترة‭ ‬الحرب،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬حتى‭ ‬إعلان‭ ‬الوقف‭ ‬المؤقت‭ ‬لإطلاق‭ ‬النار،‭ ‬والذى‭ ‬تم‭ ‬تمديده‭ ‬لاحقاً،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وهى‭ ‬الطرف‭ ‬الأقوى‭ ‬في‭ ‬التحالف‭ ‬الأمريكي‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬حيث‭ ‬بدأت‭ ‬تلميحات‭ ‬مباشرة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬مسؤولي‭ ‬الجانب‭ ‬الأمريكي‭ ‬إلى‭ ‬إمكانية‭ ‬قبول‭ ‬واشنطن‭ ‬ببديل‭ ‬معتدل‭ ‬ومستعد‭ ‬للتفاهم‭ ‬معها‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬القائم‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬وذلك‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬عودة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬لاحقا‭ ‬إلى‭ ‬رفض‭ ‬التفرقة‭ ‬بين‭ ‬‮«‬متشددين‮»‬‭ ‬و«معتدلين‮»‬‭ ‬في‭ ‬دوائر‭ ‬النخبة‭ ‬السياسية‭ ‬الإيرانية‭ ‬الحاكمة‭.‬

كما‭ ‬أنه‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت‭ ‬بات‭ ‬واضحا‭ ‬أن‭ ‬هدف‭ ‬إسقاط‭ ‬الحكم‭ ‬الإيراني‭ ‬يبدو،‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد،‭ ‬هدفا‭ ‬بعيد‭ ‬المنال،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬قد‭ ‬جعلت‭ ‬قطاعات‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬القطاعات‭ ‬النشيطة‭ ‬سياسيا،‭ ‬تتناسى،‭ ‬ولو‭ ‬مؤقتا،‭ ‬خلافاتها‭ ‬مع‭ ‬الحكم‭ ‬الإيراني‭ ‬أو‭ ‬انتقاداتها‭ ‬له،‭ ‬بل‭ ‬وسابق‭ ‬خروج‭ ‬بعضها‭ ‬للتظاهر‭ ‬ضد‭ ‬هذا‭ ‬النظام،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬آخر‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬2026،‭ ‬وبالرغم‭ ‬مما‭ ‬تعرضت‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬استخدام‭ ‬للعنف‭ ‬من‭ ‬قوات‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬تظاهراتها،‭ ‬فإنها‭ ‬ترفض‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬تغيير‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬الإيراني‭ ‬عبر‭ ‬هجوم‭ ‬عسكري‭ ‬خارجي‭ ‬مشترك‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬واشنطن‭ ‬وتل‭ ‬أبيب‭ ‬وبإملاء‭ ‬منهما،‭ ‬أو‭ ‬ملبيا‭ ‬لرغبات‭ ‬وأفضليات‭ ‬الطرفين‭ ‬المعتديين‭ ‬ومتوافقاً‭ ‬مع‭ ‬أجندتهما‭ ‬الإقليمية‭ ‬أو‭ ‬الدولية،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬موجوداً‭ ‬بينهما‭ ‬من‭ ‬خلافات،‭ ‬دون‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬أولويات‭ ‬ومتطلبات‭ ‬واحتياجات‭ ‬ومصالح‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬نفسه،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬فصائل‭ ‬المعارضة‭ ‬الإيرانية،‭ ‬سواء‭ ‬العلنية‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬أو‭ ‬التي‭ ‬تمارس‭ ‬عملها‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬بشكل‭ ‬سري‭ ‬أو‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬قد‭ ‬سلكت‭ ‬هذا‭ ‬المسلك‭ ‬نفسه‭ ‬ورفضت‭ ‬أن‭ ‬تأتى‭ ‬إلى‭ ‬مقاعد‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬طهران‭ ‬على‭ ‬أسنة‭ ‬الحراب‭ ‬الأمريكية‭ ‬والإسرائيلية‭.‬

ولكن‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬أنه‭ ‬بانتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الراهنة‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬وأيًا‭ ‬كانت‭ ‬النتائج‭ ‬التي‭ ‬ستسفر‭ ‬عنها،‭ ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬استبعدنا‭ ‬سيناريو‭ ‬أن‭ ‬تنتهى‭ ‬الحرب‭ ‬بإسقاط‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬القائم‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬فإن‭ ‬تغييرات‭ ‬ستطرأ‭ ‬على‭ ‬هيكل‭ ‬علاقات‭ ‬القوة‭ ‬داخل‭ ‬بنية‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬الإيراني‭ ‬القائم‭ ‬حاليا،‭ ‬وعددا‭ ‬من‭ ‬البدائل‭ ‬والسيناريوهات‭ ‬بدأت‭ ‬بالفعل‭ ‬تلوح‭ ‬في‭ ‬الأفق‭ ‬بشأن‭ ‬أشكال‭ ‬ومضامين‭ ‬وتوجهات‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬المعالم‭ ‬والمؤشرات‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬بعض‭ ‬سيناريوهات‭ ‬وبدائل‭ ‬التغيير‭ ‬قد‭ ‬ظهرت‭ ‬بوادرها‭ ‬بشكل‭ ‬مبدئي‭ ‬بالفعل‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الحرب،‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬تتبلور‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬يتسرب‭ ‬عن‭ ‬الوساطة‭ ‬الباكستانية‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وما‭ ‬تتضمنه‭ ‬مطالب‭ ‬الطرفين‭ ‬أو‭ ‬شروطهما،‭ ‬سواء‭ ‬لاستئناف‭ ‬العملية‭ ‬التفاوضية‭ ‬أو‭ ‬لإنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬بشكل‭ ‬شامل،‭ ‬وذلك‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بتوازنات‭ ‬القوة‭ ‬داخل‭ ‬دوائر‭ ‬النخبة‭ ‬السياسية‭ ‬الحاكمة‭ ‬في‭ ‬طهران‭.‬

أما‭ ‬السيناريو‭ ‬الأول،‭ ‬الذى‭ ‬سوف‭ ‬نتناوله‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقال،‭ ‬فهو‭ ‬يخص‭ ‬أموراً‭ ‬بدأت‭ ‬إرهاصاتها‭ ‬تتضح‭ ‬بالفعل‭ ‬منذ‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬لاندلاع‭ ‬حرب‭ ‬الأربعين‭ ‬يوما‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬وربما‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬تحديدا‭ ‬منذ‭ ‬إعلان‭ ‬اغتيال‭ ‬المرشد‭ ‬الأعلى‭ ‬الراحل‭ ‬للثورة‭ ‬الإيرانية‭ ‬آية‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬خامنئي،‭ ‬فهو‭ ‬استمرار‭ ‬تعزيز‭ ‬قبضة‭ ‬وتعاظم‭ ‬قوة‭ ‬ونفوذ‭ ‬‮«‬الحرس‭ ‬الثوري‮»‬‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬العسكري‭ ‬والميداني،‭ ‬وليس‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بحلفاء‭ ‬إيران‭ ‬الإقليميين‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬وحركة‭ ‬‮«‬حماس‮»‬‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الجماعات‭ ‬والتنظيمات‭ ‬المتحالفة‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬فلسطين،‭ ‬وجماعة‭ ‬‮«‬أنصار‭ ‬الله‭ (‬الحوثيين‭)‬‮»‬‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬الجماعات‭ ‬الشيعية‭ ‬المسلحة‭ ‬المؤيدة‭ ‬لإيران‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬بل‭ ‬تضاعف‭ ‬تأثير‭ ‬‮«‬الحرس‭ ‬الثوري‮»‬‭ ‬في‭ ‬مجمل‭ ‬عملية‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬الخاصة‭ ‬بالدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الداخلي‭ ‬أو‭ ‬الخارجي‭.‬

وقد‭ ‬يدفع‭ ‬البعض‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬التضاعف‭ ‬في‭ ‬دور‭ ‬‮«‬الحرس‭ ‬الثوري‮»‬‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الدولة‭ ‬الإيرانية‭ ‬ككل‭ ‬أمر‭ ‬طبيعي‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الحروب،‭ ‬أي‭ ‬إن‭ ‬نفوذ‭ ‬الجيوش‭ ‬والمؤسسات‭ ‬العسكرية‭ ‬يتعاظم‭ ‬بالضرورة‭ ‬داخل‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالات،‭ ‬باعتبارها‭ ‬أوضاعا‭ ‬استثنائية‭ ‬وغير‭ ‬طبيعية‭ ‬تمر‭ ‬بها‭ ‬الدولة،‭ ‬وتستلزم‭ ‬إعطاء‭ ‬مكانة‭ ‬خاصة‭ ‬للجيوش‭ ‬التي‭ ‬تدافع‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأوقات‭ ‬عن‭ ‬سلامة‭ ‬الأوطان،‭ ‬وتحمي‭ ‬حدودها‭ ‬وتسعى‭ ‬إلى‭ ‬الذود‭ ‬عن‭ ‬أمنها‭ ‬القومي‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬الحالات‭ ‬صراحة‭ ‬لذلك‭.‬

‭ ‬ويتطلب‭ ‬ذلك‭ ‬الأخذ‭ ‬بجدية،‭ ‬وبعين‭ ‬الاعتبار،‭ ‬بآراء‭ ‬و«نصائح‮»‬‭ ‬القادة‭ ‬العسكريين‭ ‬بشكل‭ ‬يفوق‭ ‬من‭ ‬عداهم‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬المسؤولين،‭ ‬ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬الإيرانية‭ ‬ما‭ ‬اتفقت‭ ‬عليه‭ ‬مصادر‭ ‬مختلفة‭ ‬وكثيرة‭ ‬ومتنوعة‭ ‬داخل‭ ‬إيران‭ ‬وخارجها‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬كان‭ ‬هو،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قادته،‭ ‬الذى‭ ‬دفع‭ ‬إلى‭ ‬اختيار‭ ‬مجتبى‭ ‬خامنئي‭ ‬لخلافة‭ ‬والده‭ ‬في‭ ‬منصب‭ ‬المرشد‭ ‬الأعلى،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬اعتراض‭ ‬آخرين‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬رفض‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬توريث‮»‬‭ ‬السلطة‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬رجال‭ ‬دين‭ ‬إيرانيين‭ ‬شيعة‭ ‬كثيرين‭ ‬يفوقون‭ ‬مجتبى‭ ‬خامنئي‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬المؤهلات‭ ‬الفقهية‭ ‬والعلمية‭ ‬لتولي‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬المنصب‭ ‬الرفيع‭ ‬دينيا،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬رفيعا‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الدستورية‭ ‬والسياسية‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭.‬

ويجب‭ ‬أن‭ ‬نذكر‭ ‬أن‭ ‬البعض‭ ‬فسر‭ ‬التوافق‭ ‬على‭ ‬اختيار‭ ‬مجتبى‭ ‬خامنئي‭ ‬لخلافة‭ ‬والده‭ ‬بأنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬فقط‭ ‬بسبب‭ ‬دعم‭ ‬‮«‬الحرس‭ ‬الثوري‮»‬‭ ‬له،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬‮«‬العناد‮»‬‭ ‬والتحدي‭ ‬مع‭ ‬الطرفين‭ ‬الأمريكي‭ ‬والإسرائيلي‭ ‬اللذين‭ ‬استهدفا‭ ‬المرشد‭ ‬الأعلى‭ ‬الراحل،‭ ‬وتصورا‭ ‬أنه‭ ‬باغتياله‭ ‬سيسقط‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬الإيراني‭ ‬وينفرط‭ ‬عقده‭.‬

وعلى‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر،‭ ‬فإن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يرفض‭ ‬أصلاً‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬تعاظم‭ ‬قوة‭ ‬‮«‬الحرس‭ ‬الثوري‮»‬‭ ‬حدث‭ ‬مع‭ ‬الحرب‭ ‬الجارية‭ ‬أو‭ ‬بسببها،‭ ‬ويدفع‭ ‬بأن‭ ‬هيمنة‭ ‬‮«‬الحرس‭ ‬الثوري‮»‬‭ ‬على‭ ‬مقاليد‭ ‬الأمور‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬فترات‭ ‬تاريخية‭ ‬سابقة؛‭ ‬فالبعض‭ ‬يؤرخ‭ ‬لها‭ ‬بنشأة‭ ‬‮«‬الحرس‭ ‬الثوري‮»‬‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬بعد‭ ‬استتباب‭ ‬نظام‭ ‬‮«‬ولاية‭ ‬الفقيه‮»‬‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬آية‭ ‬الله‭ ‬الخميني،‭ ‬بسبب‭ ‬التخوف‭ ‬من‭ ‬الجيش‭ ‬النظامي‭ ‬واحتمال‭ ‬انقلابه‭ ‬على‭ ‬الحكم‭ ‬الجديد،‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬هواجس‭ ‬سابقة‭ ‬انقلاب‭ ‬الجيش‭ ‬الإيراني،‭ ‬بالتنسيق‭ ‬بين‭ ‬المخابرات‭ ‬المركزية‭ ‬الأمريكية‭ ‬والمخابرات‭ ‬البريطانية‭ ‬وبين‭ ‬الشاه‭ ‬الراحل‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬محمد‭ ‬رضا‭ ‬بهلوي،‭ ‬على‭ ‬الدكتور‭ ‬محمد‭ ‬مصدق‭ ‬عام‭ ‬1953،‭ ‬والإطاحة‭ ‬بحكمه‭ ‬الوطني‭ ‬الديمقراطي‭ ‬الذى‭ ‬قرر‭ ‬تأميم‭ ‬صناعة‭ ‬النفط‭ ‬الإيرانية‭ ‬حينذاك،‭ ‬وأيضا‭ ‬تفضيل‭ ‬الدائرة‭ ‬الضيقة‭ ‬حول‭ ‬الخميني‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬إنشاء‭ ‬قوات‭ ‬عسكرية‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬عقائدية‭. ‬والبعض‭ ‬الآخر‭ ‬يؤرخ‭ ‬لتصاعد‭ ‬أهمية‭ ‬‮«‬الحرس‭ ‬الثوري‮»‬‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الإيرانية‭ ‬بسبب‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العراقية‭/‬الإيرانية‭ (‬1980–1988‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬إدخاله‭ ‬أتون‭ ‬الحرب‭ ‬سريعا‭ ‬بعد‭ ‬الانهيار‭ ‬الأول‭ ‬للجيش‭ ‬الإيراني‭ ‬أمام‭ ‬القوات‭ ‬العراقية‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬1980،‭ ‬مما‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬تحقيقها‭ ‬انتصارات‭ ‬سريعة‭ ‬وكاسحة،‭ ‬وجاء‭ ‬تدخل‭ ‬‮«‬الحرس‭ ‬الثوري‮»‬‭ ‬ومتطوعي‭ ‬‮«‬الباسيج‮»‬‭ ‬ليعيد‭ ‬التوازن‭ ‬للوضع‭ ‬العسكري،‭ ‬بل‭ ‬وليقلب‭ ‬الدفة‭ ‬لاحقا‭ ‬لصالح‭ ‬الجانب‭ ‬الإيراني،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬لبعض‭ ‬الوقت‭.‬

بينما‭ ‬يرجع‭ ‬البعض‭ ‬الثالث‭ ‬تعاظم‭ ‬دور‭ ‬‮«‬الحرس‭ ‬الثوري‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬الاعتماد‭ ‬المتزايد‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬القيادة‭ ‬الدينية‭ ‬والسياسية‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬الحشد‭ ‬والتعبئة‭ ‬وتقديم‭ ‬الدعم‭ ‬للحكومات‭ ‬والجماعات‭ ‬والتنظيمات‭ ‬الحليفة‭ ‬لإيران،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الدوائر‭ ‬الإقليمية‭ ‬التي‭ ‬تنتمى‭ ‬إليها‭ ‬إيران،‭ ‬وأخيراً‭ ‬يذهب‭ ‬البعض‭ ‬الرابع‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬تعاظم‭ ‬قوة‭ ‬‮«‬الحرس‭ ‬الثوري‮»‬‭ ‬جاء‭ ‬بسبب‭ ‬تغلغل‭ ‬أنشطته‭ ‬بقوة،‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬العقود‭ ‬والسنوات‭ ‬الماضية،‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وبناء‭ ‬‮«‬إمبراطورية‮»‬‭ ‬اقتصادية‭ ‬عملاقة‭ ‬تضم‭ ‬مؤسسات‭ ‬ضخمة،‭ ‬بعضها‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬تم‭ ‬تأميمه‭ ‬بعد‭ ‬انتصار‭ ‬الثورة‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬1979،‭ ‬والبعض‭ ‬الآخر‭ ‬تم‭ ‬إنشاؤه‭ ‬إما‭ ‬بسبب‭ ‬الحرب‭ ‬العراقية‭/‬الإيرانية‭ ‬أو‭ ‬نتيجة‭ ‬العقوبات‭ ‬الأمريكية‭ ‬والغربية‭ ‬عموما‭ ‬على‭ ‬إيران‭.‬

وأيًا‭ ‬كانت‭ ‬الخلفية‭ ‬التاريخية‭ ‬أو‭ ‬التفسيرات‭ ‬المختلفة‭ ‬لتصاعد‭ ‬أهمية‭ ‬ودور‭ ‬‮«‬الحرس‭ ‬الثوري‮»‬‭ ‬الإيراني،‭ ‬فإنه‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬دوره،‭ ‬طبقا‭ ‬لأول‭ ‬سيناريوهات‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬الإيراني‭ ‬الداخلي‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظرنا،‭ ‬مرشح‭ ‬للمزيد‭ ‬من‭ ‬التعاظم‭ ‬والتأثير‭ ‬في‭ ‬مجمل‭ ‬عملية‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬سواء‭ ‬أخذ‭ ‬هذا‭ ‬التعاظم‭ ‬صورا‭ ‬عملية‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬فقط،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬تم‭ ‬ترجمته‭ ‬إلى‭ ‬صياغات‭ ‬مؤسسية،‭ ‬بل‭ ‬وربما‭ ‬دستورية،‭ ‬تُقنن‭ ‬تعاظم‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭.‬

{ كاتب‭ ‬ودبلوماسي‭ ‬سابق

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا