في مجالسنا النسائية ثمة أسئلة تجد طريقها دائماً نحو المرأة. «هل تزوجتِ؟» وإن تزوجت: «هل عندك أبناء؟» وإن كان عندها أبناء: «كم؟» كأن المرأة تملأ استمارة لا تنتهي. والأثقل أن هذه الأسئلة تصدر أحيانا من نساء تجمعهن المحبة.
تقول إحداهن بشفقة: «فلانة دخلت سن اليأس، الله يعينها». وتقول أخرى بأسى: «فلانة لم تتزوج بعد». الكلمات تُقال بقلب طيب. لكن المرأة التي تسمعها تحملها معها عندما تعود إلى بيتها.
اللغة التي نصف بها المرأة تكشف الكثير. كلمة «عانس» تصف امرأة لم تتزوج وتُلصق بها نقصاً. وكلمة «سن اليأس» تصف مرحلة طبيعية في حياة كل امرأة وتُحوّلها إلى نهاية. كلمتان فقط، لكنهما تحملان حكماً ثقيلاً. والمرأة التي تسمعهما كل يوم تبدأ في تصديقهما، وبتصديقهما تحملهما في جسدها قبل عقلها.
المرأة تتعلم منذ صغرها أن حياتها محطات متوقعة. الدراسة ثم الزواج ثم الإنجاب. وفي كل محطة من يراقب ويقيّم ويسأل. وحين تتأخر إحدى هذه المحطات أو تغيب تصبح موضوع القلق والتعليق. المرأة التي تختار مساراً مختلفاً أو تفرض عليها الحياة مساراً لم تخططه تحمل تفسيرات الآخرين عن حياتها قبل أن تصل إلى تفسيرها هي. وما تحمله في الداخل أثقل مما يُقال في الخارج.
«سن اليأس» ترجمة للمصطلح الطبي الغربي الذي يعني توقف الدورة الشهرية. لكن في نقله إلى العربية اخترنا كلمة «اليأس» وهي من أثقل الكلمات في معجمنا. اليأس ضد الأمل. اليأس نهاية. وبربط هذه الكلمة بمرحلة كاملة من حياة المرأة نكون قد قررنا عنها كيف تشعر قبل أن تعيش التجربة. الترجمة ليست مجرد نقل كلمات، هي نقل مشاعر وأحكام.
في اليابان يسمون هذه المرحلة «كونينكي» أي موسم سنوات التجدد. المرحلة نفسها، واللغة تصنع تجربة مختلفة كلياً. تجتمع النساء هناك ويتحدثن عنها بارتياح كأنها محطة طبيعية تستحق الرعاية، والمرأة الكبيرة تُحترم وتُستشار وعمرها يمنحها مكانة. وفي الدول الإسكندنافية تحتفل النساء بكل عقد جديد كأنه إنجاز. العمر هناك يُضيف هيبةً واحتراماً. والطب يؤكد أن المرأة التي تؤمن أنها دخلت موسم التجدد يستجيب جسدها بشكل مختلف عمن تؤمن أنها دخلت سن اليأس. الفرق في الكلمة، والثقافة التي تصنعها.
المرأة في تحولات جسدها تمر في الغالب وحدها. وصولها إلى منتصف العمر يفاجئها بتغييرات لم يُعدّها أحد لها. الارتباك والأسئلة تدور في رأسها وتبحث عمّن تثق به. إن تجد من تتحدث إليه بارتياح يتغير كل شيء في تجربتها. المرأة التي تتحدث عن جسدها بارتياح تهتم به بارتياح.
والخوف من الكبر يدفع بعض النساء إلى الصمت. يتجاهلن الأعراض، يؤخرن زيارة الطبيب، يخفين أعمارهن كأن السنوات تهمة. وكأن الاعتراف بالمرحلة يعني القبول بكل ما قيل عنها. والجسد الذي يُتجاهل يدفع ثمن هذا الصمت. الصمت ليس تواضعاً. أحياناً هو خوف يلبس ثوب القبول.
الصحة النفسية للمرأة مرتبطة بما يقوله المجتمع عنها. المجتمع الذي يُقدّر عقلها ورأيها يمنحها ثقة وتوازناً. واختزالها في تسميات يجعلها تختزل نفسها في نظرتها لذاتها. المرأة التي تسمع كل يوم أن مرحلتها «يأس» تدخل تلك المرحلة وهي تحمل ثقل الكلمة قبل أن تعيش التجربة. ما يُقال عن المرأة يسكن فيها قبل أن تصل إلى عيادة الطبيب.
التغيير يحتاج الجميع. الرجل في البيت وفي المجتمع يملك من القوة ما يغيّر به الصورة. الأب الذي يعلم ابنته أن قيمتها في عقلها وشخصيتها يبني فيها شيئاً يصمد أمام أقسى الكلمات. والزوج الذي يرى زوجته في كل مرحلة امرأة كاملة يمنحها ثقة تسبق أي علاج. كلمة واحدة في المكان الصحيح تصنع فرقا حقيقيًّا.
في مجتمعنا الخليجي الصورة تتغير. جيل اليوم من الفتيات ينشأ في عالم أكثر وضوحاً وأكثر صدقاً مع الجسد. الحديث عن صحة المرأة أصبح أقل خجلاً مما كان عليه قبل جيل. الوعي يتقدم والأسئلة التي كانت تُهمس باتت تُقال بصوت عالٍ. أمهات قررن أن يكنّ أكثر صدقاً مع بناتهن مما كانت أمهاتهن معهن، وهذا القرار الصغير يصنع أجيالاً مختلفة.
ابنتي في طفولتها كانت تعرف عن جسدها ما لم أكن أعرفه في عمرها. وحفيدتي داليا تنشأ في عالم أكثر وضوحاً. ثلاثة أجيال، وبين كل جيل وآخر خطوة نحو الصدق مع الجسد والصدق مع النفس.
بناتنا يستحققن أن يرثن لغة أكثر رحمة مما ورثناه. لغة ترى في المرأة إنساناً كاملاً في كل مرحلة من مراحل حياتها. وهذا الإرث لا يحتاج قراراً كبيراً. يبدأ بكلمة نغيرها.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك