لم يكن صباح الثالث عشر من أبريل 2026 يوماً عادياً في حسابات الدول المستوردة لمصادر الطاقة وخاصة في قارة آسيا. في ذلك اليوم، خرجت القيادة المركزية الأمريكية لتعلن، بعبارات محسوبة، بدء التنفيذ الفعلي لإجراءات الحصار البحري على الموانئ الإيرانية عَقِبَ تعثر المسار الدبلوماسي، بالتوازي مع عمليات عسكرية لتطهير مضيق هرمز من الألغام؛ في خطوة تؤكد أن ما يجري في هذا المضيق منذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران لم يَعُد مجرد تهديد، بل واقعا جيوسياسيا جديدا.
في اليوم نفسه، كانت شاشات البورصات في العواصم الآسيوية الكبرى تُومِض بالأحمر، مع تجاوز سعر النفط حاجز المائة دولار للبرميل. ولم يكن ذلك مجرد رد فعل سوقي، بل كان، في جوهره، إعلاناً بأن العالم قد دخل مرحلة جديدة.
غير أن هذا الإعلان من جانب القيادة المركزية الأمريكية، على خطورته، لم يكن مُوجَّهاً إلى طهران وحدها، فقد كانت الرسالة الأعمق تتجه شرقاً، نحو آسيا الصاعدة، التي انفجر فيها السؤال الآتي: ماذا سوف يحدث عندما يتوقف الشريان الذي يغذي قارة بأكملها بالطاقة؟
كان وقع هذا السؤال عنيفاً في بكين ونيودلهي وطوكيو وسيول، حيث لا تُقاس الأزمة بعدد الصواريخ، بل بعدد المصانع التي قد تتوقف، وساعات العمل التي قد تضيع، والاستقرار الاجتماعي الذي قد يتآكل. لذلك سوف يركز هذا التحليل على تحديات مواجهة أزمة الطاقة في آسيا في ضوء استمرار أزمة مضيق هرمز.
حين سقطت
مُسلَّمة استقرار الملاحة
على مدى أربعة عقود بَنَتْ آسيا نهضتها على افتراض لم يُكتَب في وثيقة رسمية، لكنه كان حاضراً في كل قرار اقتصادي، هو أن البحر سيظل مفتوحاً أمام الملاحة الدولية، مهما اشتدت التوترات. وكانت هذه هي القاعدة التي انطلقت منها الصين لتصبح «مَصنَع العالم»، والتي اعتمدت عليها اليابان في تثبيت تفوقها الصناعي والتكنولوجي، والتي راهنت عليها الهند في صعودها الاقتصادي المتدرج.
لكن ما يجرى في مضيق هرمز، منذ بدء الحرب في 28 فبراير 2026، وإغلاقه من قِبَل إيران، لم يكن مجرد تعطيل لممر بحري، بل كان سقوطاً مدوياً لتلك القاعدة. فجأة، اكتشفت آسيا أن الجغرافيا، التي بدت ثابتة عقودا، يمكن أن تتحول إلى أداة ضغط و«ثغرة استراتيجية»، وأن البحر الذي كان طريقاً مفتوحاً قد يصبح ساحة مُغلَقَة أو انتقائية، في مشهد يعكس بداية اختلال أعمق في النظام العالمي للطاقة.
في بكين، لم يكن هناك ترف الانتظار، ولم يُترَك الأمر لحسابات السوق، حيث تحركت، منذ بداية حرب إيران، كما تتحرك في أوقات الأزمات الكبرى. تم السحب من الاحتياطي الاستراتيجي، الذي يتجاوز مائة يوم، وفق ترتيب أولويات صارم، يضع استمرارية الدولة والصناعة الثقيلة في المقدمة. كما رفعت بكين من إنتاج الفحم المحلي إلى أقصى مستوى (كبديل للغاز الطبيعي المُسَال الذي انقطع تماماً من قطر)، متجاوزةً الاعتبارات المناخية، وفعَّلت كذلك خطوط الأنابيب مع روسيا وآسيا الوسطى إلى طاقتها القصوى.
غير أن ما يستحق التوقف عنده ليس الإجراءات الصينية في ذاتها، بل ما وراءها؛ فبكين لم تتعامل مع أزمة الطاقة الناجمة عن حرب إيران باعتبارها أزمة إمدادات مؤقتة، بل باعتبارها أزمة نموذج كامل قام على افتراض استقرار البحر. ومن هنا، بدا واضحاً أن الدولة الصينية بدأت تعيد صياغة تفكيرها الاستراتيجي؛ فلم يعد الحديث يدور حول «تنويع المصادر»، بل حول «الهروب من البحر إلى البر».
في هذا السياق، تحولت النظرة الصينية إلى خطوط الأنابيب مع روسيا وآسيا الوسطى إلى ما يشبه «خط الدفاع الأول»، بحيث لم تَعُد هذه الخطوط خياراً إضافياً. ولعل أخطر ما في التقديرات الصينية هو ذلك القلق الذي بدأ يتردد في أروقة التفكير الاستراتيجي في بكين، الذي يدور حول إمكانية تكرار ما حدث في مضيق هرمز في مضيق ملقا أيضاً؟
في نيودلهي، كانت الصورة أكثر تعقيداً؛ فالهند ليست مجرد اقتصاد عملاق ومزدهر، بل مجتمعا هائل الحجم، يتفاعل فيه الاقتصاد مع السياسة بشكل مباشر. وحين ترتفع أسعار الطاقة فإنها لا تبقى أرقاماً في تقارير، بل تتحول إلى ضغط يومي يشعر به المواطن. وهذا الضغط قد يكون له ارتداداته الخطرة على الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
من هنا، لم يكن مُستغرَباً أن تتحرك الحكومة الهندية، منذ بداية حرب إيران، بسرعة لإعلان ما يشبه حالة الطوارئ الطاقوية، وفرض قيود على الاستهلاك، ليس فقط لتوفير الوقود، بل لاحتواء حالة القلق التي يمكن أن تتحول إلى أزمة سياسية. كما خصصت نيودلهي 26.7 مليار دولار لدعم شركات الطاقة ومنع انهيار سلاسل التوريد.
في طوكيو، بدت أزمة الطاقة الناجمة عن حرب إيران وكأنها استدعاء لذاكرة قديمة؛ فاليابان، التي عاشت صدمات النفط في عقد السبعينيات من القرن الماضي، لم تنسَ الدرس. لذلك، لم يكن مفاجئاً أن تمتلك احتياطيات تكفي أشهرا طويلة (254 يومياً من استهلاك النفط). لكن المفاجأة الحقيقية كانت في القرار السياسي بإعادة تشغيل المفاعلات النووية، رغم كل ما يحيط بذلك من حساسيات منذ حادثة فوكوشيما في عام 2011.
يعكس هذا القرار، في جوهره، حقيقة بسيطة مفادها أن الدول الآسيوية، في مقدمتها اليابان، قد لا تتردد في مراجعة قناعاتها عندما تشعر أن أمنها مُهدَّد. وهنا، لم تعد الاعتبارات البيئية أو السياسية عائقاً أمام ضرورات الأمن القومي.
أما في كوريا الجنوبية، فقد واجهت الأزمة من زاوية مختلفة، حيث تحولت الضغوط الاقتصادية سريعاً إلى تحدٍ سياسي. وكان تدخُّل الدولة الكورية الجنوبية في إلغاء آليات التسعير الحرة، وفرض سقوف للأسعار، وتقديم دعم حكومي واسع لمنتجات الطاقة خطوة لحماية الاستقرار الاجتماعي، في ظل إدراك أن أزمات الطاقة قد تتحول بسرعة إلى أزمات شرعية. بمعنى آخر، لم يَعُد السوق وحده قادراً على إدارة الأزمة؛ بل أصبحت الدولة هي الفاعل المركزي في ضبط التوازنات.
تحولات جديدة ومفاجئة
علاوة على ما سبق، كشفت الحرب كذلك عن عدة أبعاد جديدة تتعلق بأمن الطاقة في آسيا، من أبرزها ما يأتي:
1- تدخُّل الجيوش في معادلة الطاقة: ظهر التحول الأكبر في آسيا نتيجة حرب إيران وما نجم عنها من إغلاق ثم حصار مضيق هرمز، في بروز فكرة «القوافل المحمية عسكرياً»، وخاصة في الهند والصين؛ فمع تصاعد المخاطر نتيجةً لاستمرار الحرب، لم يَعُد ممكناً الحديث عن ناقلات تسير في بحر مفتوح من دون حماية عسكرية. وهنا، نكون أمام تحول نوعي في التفكير الاستراتيجي الآسيوي؛ فالطاقة لم تَعُد سلعة تُشترَى وتُباع فقط، بل أصبحت مصلحة استراتيجية تُحمَى بالقوة العسكرية.
2- من البحر إلى البر.. عودة الجغرافيا: في خضم هذه الصورة الآسيوية، يبرز اتجاه صاعد لا يمكن تجاهله يتمثل في العودة إلى البر، حيث أصبحت خطوط الأنابيب، التي كانت تنظر إليها العواصم الآسيوية الكبرى كخيار مكلف ومعقد، فجأة أكثر جاذبية من بحر غير مضمون.
وفي هذا السياق، أصبحت روسيا ودول آسيا الوسطى جزءاً من معادلة الأمن الطاقي الجديدة في آسيا، في إطار التوجه نحو «الأوراسية البرية» كبديل أكثر أماناً، حتى إن كان أكثر كلفة وتعقيداً. وهذا التحول من «جغرافيا المضايق» إلى «جغرافيا الأنابيب» قد يعيد رسم الخريطة الجيوسياسية للقارة بأكملها.
3- ضرورة بناء نظام طاقي آسيوي جديد: إذا حاولنا أن نقرأ المشهد في مجمله، فإننا سنجد أن آسيا بدأت، منذ اندلاع حرب إيران في فبراير الماضي، ربما من دون إعلان رسمي، في بناء نظام طاقي جديد، وهو نظام يقوم على تقليل الاعتماد على نفط الشرق الاوسط، وتعزيز المسارات البرية، وإدخال البعد العسكري في تأمين الإمدادات، وإعادة تعريف الطاقة باعتبارها مسألة سيادة.
أخيراً، يمكن القول إن المأزق الاستراتيجي الذي تواجهه الدول الآسيوية الكبرى في قطاع الطاقة نتيجة حصار مضيق هرمز سوف يدفع هذه الدول إلى تبني خيارات جديدة في المستقبل المنظور. وهنا يبرز السؤال الآتي الذي سيحدد ملامح العالم في السنوات القادمة، وهو: هل تستطيع آسيا أن تتحول من قارة تعتمد على تدفقات الطاقة من الخارج، إلى قارة تتحكم في نظام الطاقة نفسه؟ فذلك هو السؤال الحقيقي، لأنه إذا نجحت العواصم الآسيوية الكبرى في هذا الأمر فإنها سوف تعيد تشكيل ميزان القوى العالمي في السنوات القادمة.
{ كاتب وخبير اقتصادي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك