العدد : ١٧٦٠٤ - الخميس ٠٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٤ - الخميس ٠٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

أزمة مضيق هرمز.. وتحديات بناء نظام جديد للطاقة

بقلم: د. أحمد قنديل

الأربعاء ٠٣ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

لم‭ ‬يكن‭ ‬صباح‭ ‬الثالث‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬أبريل‭ ‬2026‭ ‬يوماً‭ ‬عادياً‭ ‬في‭ ‬حسابات‭ ‬الدول‭ ‬المستوردة‭ ‬لمصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬قارة‭ ‬آسيا‭. ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم،‭ ‬خرجت‭ ‬القيادة‭ ‬المركزية‭ ‬الأمريكية‭ ‬لتعلن،‭ ‬بعبارات‭ ‬محسوبة،‭ ‬بدء‭ ‬التنفيذ‭ ‬الفعلي‭ ‬لإجراءات‭ ‬الحصار‭ ‬البحري‭ ‬على‭ ‬الموانئ‭ ‬الإيرانية‭ ‬عَقِبَ‭ ‬تعثر‭ ‬المسار‭ ‬الدبلوماسي،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬عمليات‭ ‬عسكرية‭ ‬لتطهير‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬من‭ ‬الألغام؛‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المضيق‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬لم‭ ‬يَعُد‭ ‬مجرد‭ ‬تهديد،‭ ‬بل‭ ‬واقعا‭ ‬جيوسياسيا‭ ‬جديدا‭.‬

في‭ ‬اليوم‭ ‬نفسه،‭ ‬كانت‭ ‬شاشات‭ ‬البورصات‭ ‬في‭ ‬العواصم‭ ‬الآسيوية‭ ‬الكبرى‭ ‬تُومِض‭ ‬بالأحمر،‭ ‬مع‭ ‬تجاوز‭ ‬سعر‭ ‬النفط‭ ‬حاجز‭ ‬المائة‭ ‬دولار‭ ‬للبرميل‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬مجرد‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬سوقي،‭ ‬بل‭ ‬كان،‭ ‬في‭ ‬جوهره،‭ ‬إعلاناً‭ ‬بأن‭ ‬العالم‭ ‬قد‭ ‬دخل‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الإعلان‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬القيادة‭ ‬المركزية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬على‭ ‬خطورته،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مُوجَّهاً‭ ‬إلى‭ ‬طهران‭ ‬وحدها،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬الرسالة‭ ‬الأعمق‭ ‬تتجه‭ ‬شرقاً،‭ ‬نحو‭ ‬آسيا‭ ‬الصاعدة،‭ ‬التي‭ ‬انفجر‭ ‬فيها‭ ‬السؤال‭ ‬الآتي‭: ‬ماذا‭ ‬سوف‭ ‬يحدث‭ ‬عندما‭ ‬يتوقف‭ ‬الشريان‭ ‬الذي‭ ‬يغذي‭ ‬قارة‭ ‬بأكملها‭ ‬بالطاقة؟

كان‭ ‬وقع‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬عنيفاً‭ ‬في‭ ‬بكين‭ ‬ونيودلهي‭ ‬وطوكيو‭ ‬وسيول،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬الأزمة‭ ‬بعدد‭ ‬الصواريخ،‭ ‬بل‭ ‬بعدد‭ ‬المصانع‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تتوقف،‭ ‬وساعات‭ ‬العمل‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تضيع،‭ ‬والاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يتآكل‭. ‬لذلك‭ ‬سوف‭ ‬يركز‭ ‬هذا‭ ‬التحليل‭ ‬على‭ ‬تحديات‭ ‬مواجهة‭ ‬أزمة‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬استمرار‭ ‬أزمة‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭.‬

 

حين‭ ‬سقطت‭ ‬

مُسلَّمة‭ ‬استقرار‭ ‬الملاحة

على‭ ‬مدى‭ ‬أربعة‭ ‬عقود‭ ‬بَنَتْ‭ ‬آسيا‭ ‬نهضتها‭ ‬على‭ ‬افتراض‭ ‬لم‭ ‬يُكتَب‭ ‬في‭ ‬وثيقة‭ ‬رسمية،‭ ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬حاضراً‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬قرار‭ ‬اقتصادي،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬البحر‭ ‬سيظل‭ ‬مفتوحاً‭ ‬أمام‭ ‬الملاحة‭ ‬الدولية،‭ ‬مهما‭ ‬اشتدت‭ ‬التوترات‭. ‬وكانت‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬القاعدة‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬منها‭ ‬الصين‭ ‬لتصبح‭ ‬‮«‬مَصنَع‭ ‬العالم‮»‬،‭ ‬والتي‭ ‬اعتمدت‭ ‬عليها‭ ‬اليابان‭ ‬في‭ ‬تثبيت‭ ‬تفوقها‭ ‬الصناعي‭ ‬والتكنولوجي،‭ ‬والتي‭ ‬راهنت‭ ‬عليها‭ ‬الهند‭ ‬في‭ ‬صعودها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المتدرج‭.‬

لكن‭ ‬ما‭ ‬يجرى‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬منذ‭ ‬بدء‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬وإغلاقه‭ ‬من‭ ‬قِبَل‭ ‬إيران،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬تعطيل‭ ‬لممر‭ ‬بحري،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬سقوطاً‭ ‬مدوياً‭ ‬لتلك‭ ‬القاعدة‭. ‬فجأة،‭ ‬اكتشفت‭ ‬آسيا‭ ‬أن‭ ‬الجغرافيا،‭ ‬التي‭ ‬بدت‭ ‬ثابتة‭ ‬عقودا،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬ضغط‭ ‬و«ثغرة‭ ‬استراتيجية‮»‬،‭ ‬وأن‭ ‬البحر‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬طريقاً‭ ‬مفتوحاً‭ ‬قد‭ ‬يصبح‭ ‬ساحة‭ ‬مُغلَقَة‭ ‬أو‭ ‬انتقائية،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يعكس‭ ‬بداية‭ ‬اختلال‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬للطاقة‭.‬

في‭ ‬بكين،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬ترف‭ ‬الانتظار،‭ ‬ولم‭ ‬يُترَك‭ ‬الأمر‭ ‬لحسابات‭ ‬السوق،‭ ‬حيث‭ ‬تحركت،‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬حرب‭ ‬إيران،‭ ‬كما‭ ‬تتحرك‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭ ‬الكبرى‭. ‬تم‭ ‬السحب‭ ‬من‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬الذي‭ ‬يتجاوز‭ ‬مائة‭ ‬يوم،‭ ‬وفق‭ ‬ترتيب‭ ‬أولويات‭ ‬صارم،‭ ‬يضع‭ ‬استمرارية‭ ‬الدولة‭ ‬والصناعة‭ ‬الثقيلة‭ ‬في‭ ‬المقدمة‭. ‬كما‭ ‬رفعت‭ ‬بكين‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬الفحم‭ ‬المحلي‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬مستوى‭ (‬كبديل‭ ‬للغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المُسَال‭ ‬الذي‭ ‬انقطع‭ ‬تماماً‭ ‬من‭ ‬قطر‭)‬،‭ ‬متجاوزةً‭ ‬الاعتبارات‭ ‬المناخية،‭ ‬وفعَّلت‭ ‬كذلك‭ ‬خطوط‭ ‬الأنابيب‭ ‬مع‭ ‬روسيا‭ ‬وآسيا‭ ‬الوسطى‭ ‬إلى‭ ‬طاقتها‭ ‬القصوى‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يستحق‭ ‬التوقف‭ ‬عنده‭ ‬ليس‭ ‬الإجراءات‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬ذاتها،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬وراءها؛‭ ‬فبكين‭ ‬لم‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬أزمة‭ ‬الطاقة‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬حرب‭ ‬إيران‭ ‬باعتبارها‭ ‬أزمة‭ ‬إمدادات‭ ‬مؤقتة،‭ ‬بل‭ ‬باعتبارها‭ ‬أزمة‭ ‬نموذج‭ ‬كامل‭ ‬قام‭ ‬على‭ ‬افتراض‭ ‬استقرار‭ ‬البحر‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬بدا‭ ‬واضحاً‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬الصينية‭ ‬بدأت‭ ‬تعيد‭ ‬صياغة‭ ‬تفكيرها‭ ‬الاستراتيجي؛‭ ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬الحديث‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬‮«‬تنويع‭ ‬المصادر‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬حول‭ ‬‮«‬الهروب‭ ‬من‭ ‬البحر‭ ‬إلى‭ ‬البر‮»‬‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تحولت‭ ‬النظرة‭ ‬الصينية‭ ‬إلى‭ ‬خطوط‭ ‬الأنابيب‭ ‬مع‭ ‬روسيا‭ ‬وآسيا‭ ‬الوسطى‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬‮«‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأول‮»‬،‭ ‬بحيث‭ ‬لم‭ ‬تَعُد‭ ‬هذه‭ ‬الخطوط‭ ‬خياراً‭ ‬إضافياً‭. ‬ولعل‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬التقديرات‭ ‬الصينية‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬القلق‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬يتردد‭ ‬في‭ ‬أروقة‭ ‬التفكير‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬في‭ ‬بكين،‭ ‬الذي‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬إمكانية‭ ‬تكرار‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬ملقا‭ ‬أيضاً؟

في‭ ‬نيودلهي،‭ ‬كانت‭ ‬الصورة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً؛‭ ‬فالهند‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬اقتصاد‭ ‬عملاق‭ ‬ومزدهر،‭ ‬بل‭ ‬مجتمعا‭ ‬هائل‭ ‬الحجم،‭ ‬يتفاعل‭ ‬فيه‭ ‬الاقتصاد‭ ‬مع‭ ‬السياسة‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭. ‬وحين‭ ‬ترتفع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تبقى‭ ‬أرقاماً‭ ‬في‭ ‬تقارير،‭ ‬بل‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬ضغط‭ ‬يومي‭ ‬يشعر‭ ‬به‭ ‬المواطن‭. ‬وهذا‭ ‬الضغط‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬ارتداداته‭ ‬الخطرة‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والسياسي‭.‬

من‭ ‬هنا،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مُستغرَباً‭ ‬أن‭ ‬تتحرك‭ ‬الحكومة‭ ‬الهندية،‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬حرب‭ ‬إيران،‭ ‬بسرعة‭ ‬لإعلان‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬حالة‭ ‬الطوارئ‭ ‬الطاقوية،‭ ‬وفرض‭ ‬قيود‭ ‬على‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لتوفير‭ ‬الوقود،‭ ‬بل‭ ‬لاحتواء‭ ‬حالة‭ ‬القلق‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬سياسية‭. ‬كما‭ ‬خصصت‭ ‬نيودلهي‭ ‬26‭.‬7‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬لدعم‭ ‬شركات‭ ‬الطاقة‭ ‬ومنع‭ ‬انهيار‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭.‬

في‭ ‬طوكيو،‭ ‬بدت‭ ‬أزمة‭ ‬الطاقة‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬حرب‭ ‬إيران‭ ‬وكأنها‭ ‬استدعاء‭ ‬لذاكرة‭ ‬قديمة؛‭ ‬فاليابان،‭ ‬التي‭ ‬عاشت‭ ‬صدمات‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬عقد‭ ‬السبعينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬لم‭ ‬تنسَ‭ ‬الدرس‭. ‬لذلك،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مفاجئاً‭ ‬أن‭ ‬تمتلك‭ ‬احتياطيات‭ ‬تكفي‭ ‬أشهرا‭ ‬طويلة‭ (‬254‭ ‬يومياً‭ ‬من‭ ‬استهلاك‭ ‬النفط‭). ‬لكن‭ ‬المفاجأة‭ ‬الحقيقية‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬القرار‭ ‬السياسي‭ ‬بإعادة‭ ‬تشغيل‭ ‬المفاعلات‭ ‬النووية،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يحيط‭ ‬بذلك‭ ‬من‭ ‬حساسيات‭ ‬منذ‭ ‬حادثة‭ ‬فوكوشيما‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2011‭.‬

يعكس‭ ‬هذا‭ ‬القرار،‭ ‬في‭ ‬جوهره،‭ ‬حقيقة‭ ‬بسيطة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬الآسيوية،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬اليابان،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تتردد‭ ‬في‭ ‬مراجعة‭ ‬قناعاتها‭ ‬عندما‭ ‬تشعر‭ ‬أن‭ ‬أمنها‭ ‬مُهدَّد‭. ‬وهنا،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الاعتبارات‭ ‬البيئية‭ ‬أو‭ ‬السياسية‭ ‬عائقاً‭ ‬أمام‭ ‬ضرورات‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية،‭ ‬فقد‭ ‬واجهت‭ ‬الأزمة‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬مختلفة،‭ ‬حيث‭ ‬تحولت‭ ‬الضغوط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬سريعاً‭ ‬إلى‭ ‬تحدٍ‭ ‬سياسي‭. ‬وكان‭ ‬تدخُّل‭ ‬الدولة‭ ‬الكورية‭ ‬الجنوبية‭ ‬في‭ ‬إلغاء‭ ‬آليات‭ ‬التسعير‭ ‬الحرة،‭ ‬وفرض‭ ‬سقوف‭ ‬للأسعار،‭ ‬وتقديم‭ ‬دعم‭ ‬حكومي‭ ‬واسع‭ ‬لمنتجات‭ ‬الطاقة‭ ‬خطوة‭ ‬لحماية‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬إدراك‭ ‬أن‭ ‬أزمات‭ ‬الطاقة‭ ‬قد‭ ‬تتحول‭ ‬بسرعة‭ ‬إلى‭ ‬أزمات‭ ‬شرعية‭. ‬بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬لم‭ ‬يَعُد‭ ‬السوق‭ ‬وحده‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمة؛‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬الدولة‭ ‬هي‭ ‬الفاعل‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬ضبط‭ ‬التوازنات‭.‬

 

تحولات‭ ‬جديدة‭ ‬ومفاجئة

علاوة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬كشفت‭ ‬الحرب‭ ‬كذلك‭ ‬عن‭ ‬عدة‭ ‬أبعاد‭ ‬جديدة‭ ‬تتعلق‭ ‬بأمن‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬آسيا،‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭ ‬ما‭ ‬يأتي‭:‬

1-‭ ‬تدخُّل‭ ‬الجيوش‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬الطاقة‭: ‬ظهر‭ ‬التحول‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬نتيجة‭ ‬حرب‭ ‬إيران‭ ‬وما‭ ‬نجم‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬إغلاق‭ ‬ثم‭ ‬حصار‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬في‭ ‬بروز‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬القوافل‭ ‬المحمية‭ ‬عسكرياً‮»‬،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬الهند‭ ‬والصين؛‭ ‬فمع‭ ‬تصاعد‭ ‬المخاطر‭ ‬نتيجةً‭ ‬لاستمرار‭ ‬الحرب،‭ ‬لم‭ ‬يَعُد‭ ‬ممكناً‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬ناقلات‭ ‬تسير‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬مفتوح‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حماية‭ ‬عسكرية‭. ‬وهنا،‭ ‬نكون‭ ‬أمام‭ ‬تحول‭ ‬نوعي‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الآسيوي؛‭ ‬فالطاقة‭ ‬لم‭ ‬تَعُد‭ ‬سلعة‭ ‬تُشترَى‭ ‬وتُباع‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬مصلحة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تُحمَى‭ ‬بالقوة‭ ‬العسكرية‭. ‬

2-‭ ‬من‭ ‬البحر‭ ‬إلى‭ ‬البر‭.. ‬عودة‭ ‬الجغرافيا‭: ‬في‭ ‬خضم‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬الآسيوية،‭ ‬يبرز‭ ‬اتجاه‭ ‬صاعد‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهله‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬البر،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬خطوط‭ ‬الأنابيب،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تنظر‭ ‬إليها‭ ‬العواصم‭ ‬الآسيوية‭ ‬الكبرى‭ ‬كخيار‭ ‬مكلف‭ ‬ومعقد،‭ ‬فجأة‭ ‬أكثر‭ ‬جاذبية‭ ‬من‭ ‬بحر‭ ‬غير‭ ‬مضمون‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أصبحت‭ ‬روسيا‭ ‬ودول‭ ‬آسيا‭ ‬الوسطى‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬معادلة‭ ‬الأمن‭ ‬الطاقي‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬آسيا،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬‮«‬الأوراسية‭ ‬البرية‮»‬‭ ‬كبديل‭ ‬أكثر‭ ‬أماناً،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬أكثر‭ ‬كلفة‭ ‬وتعقيداً‭. ‬وهذا‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬‮«‬جغرافيا‭ ‬المضايق‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬جغرافيا‭ ‬الأنابيب‮»‬‭ ‬قد‭ ‬يعيد‭ ‬رسم‭ ‬الخريطة‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬للقارة‭ ‬بأكملها‭.‬

3-‭ ‬ضرورة‭ ‬بناء‭ ‬نظام‭ ‬طاقي‭ ‬آسيوي‭ ‬جديد‭: ‬إذا‭ ‬حاولنا‭ ‬أن‭ ‬نقرأ‭ ‬المشهد‭ ‬في‭ ‬مجمله،‭ ‬فإننا‭ ‬سنجد‭ ‬أن‭ ‬آسيا‭ ‬بدأت،‭ ‬منذ‭ ‬اندلاع‭ ‬حرب‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬الماضي،‭ ‬ربما‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إعلان‭ ‬رسمي،‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬نظام‭ ‬طاقي‭ ‬جديد،‭ ‬وهو‭ ‬نظام‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬تقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬نفط‭ ‬الشرق‭ ‬الاوسط،‭ ‬وتعزيز‭ ‬المسارات‭ ‬البرية،‭ ‬وإدخال‭ ‬البعد‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬تأمين‭ ‬الإمدادات،‭ ‬وإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬الطاقة‭ ‬باعتبارها‭ ‬مسألة‭ ‬سيادة‭.‬

أخيراً،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬المأزق‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الذي‭ ‬تواجهه‭ ‬الدول‭ ‬الآسيوية‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة‭ ‬نتيجة‭ ‬حصار‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬سوف‭ ‬يدفع‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬خيارات‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬المنظور‭. ‬وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬السؤال‭ ‬الآتي‭ ‬الذي‭ ‬سيحدد‭ ‬ملامح‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬القادمة،‭ ‬وهو‭: ‬هل‭ ‬تستطيع‭ ‬آسيا‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬قارة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬تدفقات‭ ‬الطاقة‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬إلى‭ ‬قارة‭ ‬تتحكم‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬الطاقة‭ ‬نفسه؟‭ ‬فذلك‭ ‬هو‭ ‬السؤال‭ ‬الحقيقي،‭ ‬لأنه‭ ‬إذا‭ ‬نجحت‭ ‬العواصم‭ ‬الآسيوية‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬فإنها‭ ‬سوف‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬ميزان‭ ‬القوى‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬القادمة‭. ‬

 

{ كاتب‭ ‬وخبير‭ ‬اقتصادي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا