تشكل المواقف الغربية تجاه الجرائم التي ترتكبها إسرائيل في فلسطين والمنطقة، وما رافقها من انتهاكات بحق المدنيين والمتضامنين الدوليين، واحدة من أكثر القضايا التي تبرز حجم التناقض الفظ بين الخطاب السياسي للدول الغربية والممارسة الفعلية على الأرض. فالدول التي تقدم نفسها كونها تلتزم بالدفاع عن حقوق الإنسان وراعية للقانون الدولي، تبدو عارية وغير راغبة في تطبيق المعايير نفسها عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، رغم وضوح الجرائم المرتكبة وحجم الكارثة الإنسانية في قطاع غزة والضفة الغربية، وفي جنوب لبنان وسوريا.
لقد أعادت جريمة الاعتراض التي تعرض لها «أسطول الصمود العالمي» في عرض البحر، واختطاف ناشطيه والتنكيل بهم أمام الكاميرات، تسليط الضوء على هذا التناقض الصارخ. فرغم صدور مواقف غربية حادة نسبيا ضد إسرائيل، وارتفاع عدد الدول المنتقدة إلى ما يزيد على 30 دولة، إلا أن هذه المواقف ظلت أسيرة أدراج وزارات الخارجية، ولم تتعد إطارها الإعلامي والسياسي المحدود، كما لم تتحول إلى إجراءات قانونية أو عقابية جدية تعكس حقيقة الالتزام بالقانون الدولي. وهو ما عزز القناعة الراسخة بأن كثيرا من تلك المواقف لا تتجاوز حدود امتصاص غضب الرأي العام الأوروبي، أكثر مما تعبر عن إرادة سياسية حقيقية لمحاسبة إسرائيل.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل وجود عدد من الدول التي ذهبت أبعد من مجرد الإدانة اللفظية، عبر اتخاذ خطوات سياسية أو عقابية ضد بعض المسؤولين الإسرائيليين، وفي مقدمتهم وزير الأمن الإسرائيلي إيتمار بن غفير، الذي بات يمثل نموذجا للتيار الفاشي المتطرف داخل المؤسسة الإسرائيلية. إلا أن هذه الخطوات أيضا بقيت محدودة، مقارنة بحجم الجرائم والانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل بصورة يومية بحق الفلسطينيين والمتضامنين الدوليين.
إن ما أبرزته أزمة «أسطول الصمود» مجددا، هو حجم النفاق السياسي الذي تمارسه دول أوروبية وغربية عديدة في تعاملها مع إسرائيل. فهناك آلاف النماذج لقضايا أقل خطورة، تعاملت معها تلك الدول بحزم شديد وفرضت بسببها عقوبات سياسية واقتصادية وقانونية على دول ومسؤولين كبار في عدد من الدول. وقد عبرت عن هذا التناقض بوضوح عضو البرلمان الأوروبي الإسبانية إيرين مونتيرو، حين انتقدت ازدواجية المعايير داخل الاتحاد الأوروبي. وتتجلى هذه الازدواجية في أكثر من مستوى:
فبعض الدول الغربية، مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا، تنتقد إسرائيل في العلن، بينما تستمر عمليا في تقديم الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي لها، بما يسهم في استمرار الحرب والحصار والانتهاكات، بل غالبا ما تبرز كشريك في الانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل.
إن عددا من الدول الأوروبية يفرض عقوبات محدودة على بعض المستوطنين بذريعة «العنف ضد الفلسطينيين»، لكنه يتجنب الاقتراب من المسؤولين العسكريين والأمنيين الإسرائيليين الذين يوفرون الغطاء الكامل لهذا «العنف» ولسرقة أراضي الفلسطينيين التي تستخدم لعمليات الاستيطان، بل يدعمون المستوطنين بالسلاح والحماية القانونية والسياسية. وبالرغم من ذلك، تفرض عقوبات «ناعمة» على أفراد من المستوطنين.
تعلن دول أوروبية رفضها للاستيطان في الضفة الغربية باعتباره «يقوض فرص حل الدولتين»، لكنها في الوقت نفسه لا تتخذ أي إجراء فعلي ضد الحكومة الإسرائيلية التي تصادق رسميا وباستمرار على مشاريع الاستيطان وتوفر لها كل أشكال الدعم.
تظهر ازدواجية المعايير الغربية بشكل أكثر وضوحا في التعامل مع قرارات المحكمة الجنائية الدولية. فعندما أصدرت المحكمة مذكرة توقيف بحق المسؤولة الروسية ماريا بيلوفا، سارعت دول أوروبية إلى الترحيب بالقرار والدعوة إلى تنفيذه فورا. أما عندما صدرت مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة، بدا الموقف الأوروبي مترددا ومتساهلا، إلى درجة أن نتنياهو تمكن من التحليق فوق عدد من الدول الأوروبية أكثر من مرة، دون أي محاولة جدية لتوقيفه، رغم أن هذه الدول أطراف في نظام روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية.
دعمت دول أوروبية محاكمة مسؤولين روس بتهمة «الترحيل غير القانوني للأطفال» من مناطق الصراع في أوكرانيا، رغم التبرير الروسي بأن الهدف كان حماية الأطفال وإجلاءهم من مناطق القتال. لكن هذه الدول نفسها تجاهلت بصورة كبيرة المأساة الإنسانية التي يعيشها الأطفال الفلسطينيون، رغم وضوح الجرائم المرتكبة بحقهم بالصوت والصورة، وارتكاب المجازر أمام الكاميرات.
فإسرائيل قتلت عشرات آلاف الأطفال الفلسطينيين، ودمرت المدارس والمستشفيات ومراكز الإيواء، وشردت مئات آلاف العائلات، في واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية الحديثة.
ورغم ذلك، رفضت المؤسسات الأوروبية تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، رغم دعوات واسعة أطلقها ملايين المواطنين الأوروبيين، وعشرات المنظمات الحقوقية، ومئات الدبلوماسيين والسياسيين وخبراء الأمم المتحدة. بل إن بعض المؤسسات الأوروبية رفضت حتى اتخاذ خطوات رمزية، مثل تعليق مشاركة إسرائيل في مسابقة يوروفيجن، رغم الضغوط الشعبية والحقوقية الكبيرة.
لذلك، فإن المواقف الغربية النقدية تجاه إسرائيل تبدو، في جزء كبير منها، مرتبطة بحسابات داخلية وانتخابية، ومحاولة احتواء غضب الشارع الأوروبي، أكثر من ارتباطها الحقيقي بالدفاع عن القانون الدولي أو حقوق الإنسان أو القيم التي تزعم تلك الدول الالتزام بها أو الدفاع عنها.
وفي حقيقة الأمر، لا يمكن فصل هذا التناقض عن طبيعة السياسة الغربية نفسها، التي تقوم على ازدواجية المعايير في تطبيق مفاهيم العدالة وحقوق الإنسان، التي يبقى تطبيقها استنسابيا. فحين يتعلق الأمر بدول تعتبرها أوروبا أو الولايات المتحدة خصوما سياسيين، يتم استخدام القانون الدولي بأقصى درجات الصرامة، بينما يجري تعطيل هذه المعايير أو الالتفاف عليها عندما تكون إسرائيل طرفا في الانتهاكات، والنماذج لا تحصى على ذلك.
ورغم حجم الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، واستمرار العدوان على قطاع غزة والضفة الغربية، لا تزال دول غربية عديدة توفر لإسرائيل الغطاء السياسي وتمنحها الدعم العسكري والاقتصادي، وتوفر لها الحماية القانونية والسياسية والدبلوماسية داخل المؤسسات الدولية، بما في ذلك تعطيل أي خطوات عملية لمحاسبتها أو فرض عقوبات عليها.
كما أن العدوان الإسرائيلي لم يعد مقتصرا على الفلسطينيين فقط، بل امتد ليطال المؤسسات الدولية نفسها، وفي مقدمتها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، التي تتعرض لاستهداف سياسي ومالي متواصل بات يهدد وجودها، في إطار محاولة تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة.
إن استمرار الصمت الغربي، أو الاكتفاء بمواقف إعلامية لا تترجم إلى أفعال، لا يعني فقط التواطؤ مع الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، بل بات يهدد أيضا مصداقية النظام الدولي بأكمله، ويؤكد أن القانون الدولي يستخدم أداة سياسية انتقائية، لا معيارا عادلا يطبق على الجميع ودون استثناء.
{ عضو المكتب السياسي للجبهة
الديمقراطية لتحرير فلسطين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك