شهدت الولايات المتحدة الأمريكية خلال الأيام القليلة الماضية إعلان إدارة الرئيس دونالد ترامب ثلاثة قرارات منفصلة، ولكنها مترابطة، وهي قرارات شائنة لدرجة أنها قد تؤدي إلى محاسبته. فإذا أمعن النظر إلى هذه القرارات مجتمعةً فإننا سندرك أنها تكرس الخروج عن القانون وتقوض أسس ديمقراطيتنا.
أولاً، أعلنت وزارة العدل إنشاء صندوق بقيمة 1,776,000,000 دولار لتعويض «ضحايا» «استخدام» الإدارة السابقة للقانون كسلاح من خلال «التحقيق معهم ومعاقبتهم بشكل غير عادل».
ثم، كمقابل لذلك، وفي خطوة أخرى مثيرة للجدل، وافق الرئيس ترامب على إسقاط دعواه القضائية المشكوك فيها بقيمة 10 مليارات دولار ضد دائرة الإيرادات الداخلية التي اتهمها بالفشل في منع أحد المقاولين من تسريب أحد إقراراته الضريبية إلى وسائل الإعلام في عام 2019.
وأخيراً، أضافت وزارة العدل تعديلاً إلى «صندوق الضحايا» ينص ما يلي: «تتنازل الولايات المتحدة الأمريكية وتبرئ ذمة (ترامب وعائلته وأعماله) إلى الأبد، ويُمنعها هذا القرار نهائياً من مقاضاة أو متابعة أي وجميع المطالبات التي تم أو كان من الممكن أن يتم تقديمها (من قبل مصلحة الضرائب ضدهم) أو الأفراد ذوي الصلة أو المرتبطين بهم».
وإذا ما أخذنا كل خطوة على حدة فإننا سندرك أن كلَّ واحد منها يُمثّل مشكلة، لكنّ ارتباطها هو الأكثر إثارة للقلق. كان القاضي الذي ينظر في دعوى الرئيس ترامب ضدّ مصلحة الضرائب الأمريكية على وشك رفض القضية لأنّه من غير اللائق أن يُقاضي البيت الأبيض وكالةً فيدراليةً يُسيطر عليها، ممّا يجعل الإدارة مدّعيةً ومدّعى عليها في آنٍ واحد.
وكان من المقرر إعلان القرار بحلول 20 مايو الماضي، مما كان سيجبر سلطات البيت الأبيض على سحب دعواها قبل رفضها، ولم يكن إعلان وزارة العدل في 18 و19 مايو بشأن «صندوق الضحايا» وحظر اتخاذ مصلحة الضرائب أي إجراءات مستقبلية ضد الرئيس مصادفة.
يجب طرح تساؤلات جدية حول هذه القضية برمتها. وقد أُلقي القبض على المقاول الذي سرب الوثيقة وأُدين بالفعل، رغم أنه لا توجد أي صلة بين فعله الإجرامي ومصلحة الضرائب الأمريكية كمؤسسة.
لذا، فإن دعوى الرئيس ترامب والمطالبة بتعويضات قدرها 10 مليارات دولار كانت غير مبررة ومبالغ فيها. وكما هو الحال في عديد من دعاوى ترامب السابقة ضد وسائل الإعلام، كان الهدف منها الترهيب سعياً وراء الحصول على تسوية.
وقد أكدت طريقة تعامل وزارة العدل مع القضية صحة مخاوف القاضي من عدم قدرة الرئيس ترامب على مقاضاة وكالة يشرف عليها (أو محاولة الحصول على تعويض ضخم منها). باختصار، لم تكن هذه الطريقة التي توختها إدارة ترامب منطقية.
وأخيراً، فإن الملحق الصادر عن وزارة العدل والذي يمنح الرئيس ترامب وعائلته وأعماله التجارية حصانة من أي عمليات تدقيق أو تحقيقات أو ملاحقة ضريبية أخرى يثير السؤال البديهي: ما المشاكل الضريبية الحقيقية التي يخفونها؟
يمثل إنشاء صندوق بقيمة 1.776 مليار دولار لتعويض الأفراد الذين يدّعون أنهم ضحايا «تسليح» الحكومة للقانون تتويجاً لجهود الرئيس ترامب التي استمرت ست سنوات للدفاع عن أولئك المتمردين المؤيدين له والذين مارسوا العنف في أحداث 6 يناير 2021.
من خلال الدفاع عنهم، فإن الرئيس ترامب إنما يدافع في الحقيقة عن ادعائه بأنه فاز في انتخابات عام 2020، وبالتالي فإن الحشود العنيفة التي اقتحمت الكونغرس لم تكن منتهكة للقانون، بل أبطالاً وشهداء مضطهدين يستحقون التعويض.
وقبل ما يزيد قليلاً على ست سنوات، شهدنا مشاهد مروعة لعصابات عنيفة اقتحمت مبنى الكابيتول الأمريكي في واشنطن العاصمة لمنع الكونغرس بالقوة من التصديق على نتائج انتخابات عام 2020، حيث هاجموا شرطة الكابيتول التي كانت تحمي أعضاء الكونغرس والمبنى نفسه، وقد أصيب بعضهم بجروح، ولقي عدد قليل حتفهم، وقد بُثّت مشاهد أعمال الشغب إلى الشعب الأمريكي المصدوم الذي كان يتابع ما يحدث.
وجّه الكونغرس اتهاماتٍ للرئيس ترامب بالتحريض على العنف، فيما صوَّت عشرة أعضاء جمهوريين في الكونغرس إلى جانب الديمقراطيين لصالح عزله، بينما صوَّت سبعة أعضاء جمهوريين في مجلس الشيوخ لإدانته وعزله من منصبه، وقد رحل معظمهم الآن، إما باستقالتهم أو بهزيمتهم على أيدي أنصار ترامب.
تُؤكد استطلاعات الرأي هذه الحقيقة. ففي شهر يناير 2021، استشاط معظم الجمهوريين غضبًا من أعمال العنف التي ارتكبتها تلك الحشود؛ إذ أعرب 78% من مؤيدي ترامب عن رفضهم لهذا التمرد.
لكن استطلاعات رأي أحدث كشفت عن تحول جذري، حيث وصف 60% من الجمهوريين أحداث السادس من يناير 2021 بأنها «مشاركة في حوار سياسي مشروع». في المقابل، وصفها 18% فقط بأنها «مشاركة في تمرد عنيف».
يعتقد الرئيس ترامب في قرارة نفسه أنه قد مهد الطريق لإعادة كتابة التاريخ بالكامل، وبعد أن خفف بالفعل الأحكام و/أو أصدر عفواً عن أكثر من 2000 من المتمردين، وقد استأنس بعد ذلك الجرأة للمطالبة بأن تكافئهم الإدارة الأمريكية على ولائهم الأعمى.
لكن ربما يكون الرئيس ترامب قد بالغ في تصرفاته. فقد شعر أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون، الذين يعتبرون أنفسهم من دعاة سيادة القانون والنظام والمحافظين الماليين، بالاستياء، حيث وصف بعضهم ما فعله بأنه «غبي للغاية» و«خاطئ أخلاقياً» وإساءة استخدام للسلطة.
وبدلاً من العمل على إقرار بعض أولويات الرئيس ترامب التشريعية، فقد راحوا يعبرون عن مواقفهم التي ينتقدون من خلالها تصرفات، ليقرروا بعد ذلك إنهاء جلسات المجلس مبكرا.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك