العدد : ١٧٦٠١ - الاثنين ٠١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠١ - الاثنين ٠١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

التهديد الإيراني لدول الجوار العربي

بقلم: د. رضوان السيد

الاثنين ٠١ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

كانت‭ ‬إيران‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬تشكل‭ ‬تهديدا‭ ‬رئيسيًّا‭ ‬لدول‭ ‬المشرق‭ ‬العربي‭. ‬مؤخرا‭ ‬نقلت‭ ‬وكالات‭ ‬الأنباء‭ ‬الإيرانية‭ ‬عن‭ ‬مجتبى‭ ‬الخامنئي‭ ‬المختفي‭ ‬قوله‭ ‬إنه‭ ‬لن‭ ‬يسمح‭ ‬بعد‭ ‬الآن‭ ‬أن‭ ‬تشكّل‭ ‬الدول‭ ‬دروعاً‭ ‬لأمريكا‭! ‬وبالطبع‭ ‬هو‭ ‬يقصد‭ ‬بذلك‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬التي‭ ‬شنت‭ ‬عليها‭ ‬إيران‭ ‬هجمات‭ ‬هائلة‭ ‬بالصواريخ‭ ‬والمسيّرات‭ ‬بحجة‭ ‬أنها‭ ‬إنما‭ ‬تقصد‭ ‬القواعد‭ ‬والتمركزات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ولم‭ ‬نسمع‭ ‬أن‭ ‬الأمريكيين‭ ‬الموجودين‭ ‬بدول‭ ‬الخليج‭ ‬تضرروا‭ ‬أو‭ ‬دفعتهم‭ ‬الهجمات‭ ‬إلى‭ ‬الجلاء‭.‬

الأمريكيون‭ ‬موجودون‭ ‬بالخليج‭ ‬منذ‭ ‬وُجد‭ ‬البترول‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الشركات،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬قواعد‭ ‬وأسلحة‭ ‬وتمركزات‭. ‬وقد‭ ‬احتاجت‭ ‬إليهم‭ ‬الدول‭ ‬للحماية‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬هدّد‭ ‬صدّام‭ ‬حسين‭ ‬أمنها،‭ ‬ثم‭ ‬صار‭ ‬التهديد‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬ولا‭ ‬يزال،‭ ‬إيرانيا‭! ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬الأمريكيون‭ ‬إلى‭ ‬دروع‭ ‬فهم‭ ‬يستطيعون‭ ‬حماية‭ ‬أنفسهم‭ ‬وهم‭ ‬يهاجمونكم‭ ‬أيها‭ ‬الإيرانيون‭ ‬من‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬آلاف‭ ‬الأميال‭ ‬دون‭ ‬حاجةٍ‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬جمهورية‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬التي‭ ‬تريد‭ ‬‮«‬تصدير‭ ‬الثورة‮»‬‭ ‬إليها‭ ‬كأنما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬إغراء‭ ‬أو‭ ‬جاذبية‭!‬

عندما‭ ‬كان‭ ‬مجتبى‭ ‬يهدد‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬كان‭ ‬محمد‭ ‬باقر‭ ‬قاليباف‭ ‬وعباس‭ ‬عراقجي‭ ‬ومحافظ‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬الإيراني‭ ‬بقطر،‭ ‬لإضافة‭ ‬وساطتها‭ ‬إلى‭ ‬وساطة‭ ‬باكستان‭ ‬في‭ ‬المفاوضات‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬وقد‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬سياسة‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬دائماً‭ ‬تجاه‭ ‬إيران‭ ‬منذ‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬لتجنب‭ ‬الأذى‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬واستكشاف‭ ‬إمكانيات‭ ‬التعاون‭. ‬

بيد‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬التي‭ ‬هدأت‭ ‬قليلاً‭ ‬بعد‭ ‬حرب‭ ‬صدّام‭ ‬عليها،‭ ‬هاجت‭ ‬تماماً‭ ‬تجاه‭ ‬المحيط‭ ‬بعد‭ ‬احتلال‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬للعراق،‭ ‬وإهدائه‭ ‬لإيران‭. ‬ومن‭ ‬وراء‭ ‬العراق‭ ‬ومليشياته‭ ‬امتدت‭ ‬السطوة‭ ‬الإيرانية‭ ‬إلى‭ ‬سوريا‭ ‬الأسد،‭ ‬وتنامت‭ ‬بلبنان‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭ ‬حاكماً‭ ‬للبلاد‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬2008،‭ ‬والآن‭ ‬تحاول‭ ‬السلطات‭ ‬اللبنانية‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬مليشيا‭ ‬إيران‭ ‬المسلحة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬وكذلك‭ ‬حكومة‭ ‬العراق‭!‬

ماذا‭ ‬يبقى‭ ‬لإيران‭ ‬بعد‭ ‬شهور‭ ‬الحروب‭ ‬الطويلة؟

بعد‭ ‬الضربات‭ ‬القاسية‭ ‬التي‭ ‬تلقتْها‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬اعتداءات‭ ‬كبيرة‭ ‬شنتها‭ ‬إيران‭ ‬ضد‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬إسرائيل‭ ‬التي‭ ‬هاجمتها،‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬لها‭ ‬من‭ (‬إنجازاتها‭) ‬الأساسية‭ ‬غير‭ ‬اليورانيوم‭ ‬المخصَّب‭ ‬وسدّ‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭. ‬والمفهوم‭ ‬أن‭ ‬الأمرين‭ ‬إيران‭ ‬مضطرة‭ ‬للتخلي‭ ‬عنهما‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬الضغط‭ ‬الصيني‭ (‬وهو‭ ‬ما‭ ‬اتفق‭ ‬عليه‭ ‬الصينيون‭ ‬مع‭ ‬ترامب‭). ‬وهكذا‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬للبلد‭ ‬المدمَّر‭ ‬غير‭ ‬استرداد‭ ‬بعض‭ ‬فلوسه‭ ‬التي‭ ‬تحتجزها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ولذلك‭ ‬مضى‭ ‬الإيرانيون‭ ‬إلى‭ ‬قطر‭ ‬للتفاوض‭.‬

في‭ ‬الخارج‭ ‬العربي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬لإيران‭ ‬المليشيات‭ ‬المذهبية‭ ‬بالعراق‭ ‬ولبنان‭ ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬مناطق‭ ‬اليمن‭. ‬لكن‭ ‬حتى‭ ‬السلطة‭ ‬الشيعية‭ ‬بالعراق‭ ‬ما‭ ‬عادت‭ ‬تتحمل‭ ‬فساد‭ ‬المليشيات‭ ‬وإجرامها‭. ‬وفي‭ ‬لبنان‭ ‬السلطات‭ ‬اللبنانية‭ ‬وثلثا‭ ‬الشعب‭ ‬اللبناني‭ ‬ضد‭ ‬الحزب‭ ‬المسلَّح‭. ‬إنما‭ ‬الأفظع‭ ‬أن‭ ‬لبنان‭ ‬والشيعة‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭ ‬سائرون‭ ‬نحو‭ ‬دمارٍ‭ ‬كبيرٍ‭ ‬وهائل‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬إسرائيل،‭ ‬بينما‭ ‬يصر‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬للحزب،‭ ‬نعيم‭ ‬قاسم،‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬بالتحرير‭ ‬الثالث‭ ‬ويتراجع‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬بحيث‭ ‬تكاد‭ ‬الاندفاعة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬صيدا،‭ ‬أما‭ ‬الهجمات‭ ‬بالطائرات‭ ‬والمسيّرات‭ ‬فمشتعلة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬لبنان‭!‬

لماذا‭ ‬يكون‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬ولبنان‭ ‬تقبُّل‭ ‬سيطرة‭ ‬المليشيات‭ ‬وصناعة‭ ‬المخدّرات،‭ ‬والاستيلاء‭ ‬على‭ ‬المرافق،‭ ‬والحيلولة‭ ‬دون‭ ‬الاستقرار،‭ ‬ومعاداة‭ ‬العالم‭ ‬كلّه،‭ ‬لإرضاء‭ ‬نظام‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬دمار‭ ‬العمران‭ ‬وهلاك‭ ‬الإنسان،‭ ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬الخلاص‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬تمرد‭ ‬السوريون،‭ ‬ويحاول‭ ‬ذلك‭ ‬العراقيون‭ ‬واللبنانيون‭.‬

ما‭ ‬دام‭ ‬الوضع‭ ‬الإيراني‭ ‬ووضع‭ ‬الأذرع‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المنوال،‭ ‬فإلى‭ ‬ماذا‭ ‬يستند‭ ‬مجتبى‭ ‬الخامنئي‭ ‬في‭ ‬تهديداته‭ ‬ومشروعه‭ ‬الدائم‭ ‬لإخراج‭ ‬الأمريكيين‭ ‬من‭ ‬المنطقة؟‭ ‬لا‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬شيء‭ ‬غير‭ ‬الدعوة‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬عادت‭ ‬لها‭ ‬مصداقية‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬المقاتلات‭ ‬الأمريكية‭ ‬والإسرائيلية‭ ‬تحلّق‭ ‬في‭ ‬سماء‭ ‬إيران‭ ‬كأنما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬جولاتٍ‭ ‬سياحية‭!‬

لدى‭ ‬إيران‭ ‬ميزةٌ‭ ‬وحيدةٌ‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬لم‭ ‬يسقط‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬ليس‭ ‬بسبب‭ ‬المقاومة‭ ‬القديرة،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬الأمريكيين‭ ‬ما‭ ‬رأوا‭ ‬مصلحةً‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬يروا‭ ‬مصلحةً‭ ‬في‭ ‬إسقاط‭ ‬صدّام‭ ‬حسين‭ ‬عام‭ ‬1991‭ ‬لكنهم‭ ‬أسقطوه‭ ‬عام‭ ‬2003‭!‬

ليس‭ ‬الأمريكيون‭ ‬قوةً‭ ‬مطلقة‭ ‬أو‭ ‬أخلاقية،‭ ‬ولا‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬مستحق‭ ‬لهذا‭ ‬الشقاء‭. ‬لكنّ‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬مصرٌّ‭ ‬على‭ ‬الإضرار‭ ‬بالعرب‭ ‬في‭ ‬المشروع‭ ‬والسلوك‭. ‬فقد‭ ‬دمَّر‭ ‬أربع‭ ‬دول‭ ‬عربية،‭ ‬وحاول‭ ‬بالاعتداءات‭ ‬والابتزاز‭ ‬والتآمر‭ ‬الإضرار‭ ‬بالنموذج‭ ‬الخليجي‭ ‬للدولة‭ ‬الوطنية،‭ ‬دولة‭ ‬الاستقرار‭ ‬والتنمية‭ ‬وصناعة‭ ‬المستقبل‭ ‬الآخر‭. ‬ولا‭ ‬دافع‭ ‬غير‭ ‬الكراهية‭ ‬وادعاء‭ ‬التفوق‭ ‬والعصمة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬سياساتٍ‭ ‬ملائمة‭.‬

أطلقت‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬بسلوكها‭ ‬الاستفزازي‭ ‬موجةً‭ ‬جديدةً‭ ‬للتسلح‭ ‬بالمنطقة،‭ ‬وازدادت‭ ‬تبعيةً‭ ‬للصين‭ ‬وروسيا،‭ ‬وصنعت‭ ‬أعداء‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬دول‭ ‬الجوار،‭ ‬بيد‭ ‬أنّ‭ ‬أكبر‭ ‬الأعداء‭ ‬للسلطة‭ ‬الإيرانية‭ ‬الحالية‭ ‬يبقى‭ ‬الجمهور‭ ‬الإيراني،‭ ‬وإذ‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬التمردات‭ ‬الخمسة‭ ‬السابقة‭ ‬ضد‭ ‬النظام‭ ‬القمعي،‭ ‬فيمكن‭ ‬أن‭ ‬ينجح‭ ‬التمرد‭ ‬السادس‭ ‬فحركة‭ ‬التاريخ‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭!‬

 

{ كاتب‭ ‬ومفكر‭ ‬لبناني

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا